آخر الأخبار

هذه العوامل الثلاثة هي التي ستحدد انتصار أمريكا أو إيران

شارك

لكل حرب لوحتا نتائج، إحداهما تقيس نجاحك، والأخرى تقيس نجاح خصمك؛ لقد شاهدنا جميعا حروبا يدعي فيها كلا الطرفين أنهما ينتصران، والرد الطبيعي هو اعتبار ادعاءات أحد الطرفين مجرد دعاية.

لكن ماذا لو كان كلا الطرفين يؤمنان حقا بأنهما متقدمان؟ ماذا لو كان كل طرف يقيس النجاح وفقا لأهداف مختلفة تماما؟ هذا هو أحد أكثر الأوهام الإستراتيجية شيوعا في الحروب الحديثة.

غالبا ما نفترض أن خصمنا يعرف النصر بنفس الطريقة التي نعرفه بها، وعندما يكون هذا الافتراض خاطئا، فإننا نخاطر بسوء فهم ليس فقط من هو المنتصر، بل والأهم من ذلك، ما الذي يسعى كل طرف إلى تحقيقه فعليا.

قال الإستراتيجي الألماني كارل فون كلاوزفيتز في القرن الـ19 إن الحرب هي سياسة بوسائل أخرى، فقد أدرك أن الإستراتيجية العسكرية ليست غاية في حد ذاتها، فالعمليات العسكرية مصممة لتحقيق أهداف سياسية، ويتطلب تحديد ما إذا كانت القوة العسكرية تحقق تلك الأهداف السياسية تقييم النجاح على ثلاثة مستويات متميزة.

يقدم التاريخ أمثلة لا حصر لها على جيوش برعت في ساحة المعركة لكنها واجهت صعوبات في تحقيق أهدافها السياسية، ولا تزال فيتنام واحدة من أوضح الأمثلة على ذلك


* الأول هو ساحة المعركة: هل استولت الوحدة على التل؟ هل تم تدمير موقع الرادار؟ هل أصابت الضربة الجوية هدفها؟
* المستوى الثاني هو الحملة العملياتية: هل تتضافر هذه الانتصارات الفردية لتحقيق هدف عسكري أوسع نطاقا؟
* المستوى الثالث هو المستوى الإستراتيجي: هل تحقق الحملة العسكرية النتيجة السياسية التي سعت إليها الحكومة عندما قررت خوض الحرب؟

ويشير الخبراء العسكريون إلى هذه المستويات بالمستويات التكتيكية والعملياتية والإستراتيجية للحرب، ويحدث الوهم الإستراتيجي عندما يخلط بين النجاح التكتيكي والعملياتي وبين النصر الإستراتيجي.

إعلان

يقدم التاريخ أمثلة لا حصر لها على جيوش برعت في ساحة المعركة لكنها واجهت صعوبات في تحقيق أهدافها السياسية، ولا تزال فيتنام واحدة من أوضح الأمثلة على ذلك.

فقد نظرت الولايات المتحدة إلى الحرب في المقام الأول من منظور احتواء الشيوعية والحد من النفوذ السوفياتي والصيني في جنوب شرق آسيا.

أما فيتنام الشمالية، فقد نظرت إلى الحرب على أنها صراع قومي يهدف إلى إعادة توحيد البلاد، وكانت الولايات المتحدة تركز بشكل كبير على عدد القتلى، معتقدة أنها إذا تمكنت من إلحاق خسائر بشرية كافية بفيتنام الشمالية والفيت كونغ، فستتمكن من إضعاف خصومها والفوز في الصراع.

ومع ذلك، لم يتبن الفيتناميون الشماليون وحركة الفيت كونغ هذه الإستراتيجية، بل نظروا إلى القتال على أنه سباق ماراثون، وركزوا على عامل الوقت والتغلب على الجهود الأمريكية من حيث المدة.

ولأنهم كانوا ينظرون إلى الصراع على أنه صراع وجودي، فمن غير المرجح أن تؤدي الخسائر البشرية وحدها إلى تغيير أهدافهم السياسية، فالقوة العسكرية تدمر القدرات، بينما تسعى الإستراتيجية إلى تغيير السلوك السياسي، والخلط بين الاثنين هو المكان الذي يبدأ فيه الوهم الإستراتيجي.

وتؤكد أفغانستان الدرس نفسه، فغالبا ما كانت قوات التحالف تقيس النجاح من خلال مؤشرات أمنية مثل الهجمات، والمناطق التي تم تأمينها، ونمو القوات الأمنية الأفغانية.

أما حركة طالبان، فقد كانت تقيس النجاح بطريقة مختلفة، فقد ركزت على الحفاظ على تنظيمها، وتوسيع نفوذها المحلي، وببساطة الصمود لفترة أطول من التحالف.

في بعض النزاعات، يعد البقاء في حد ذاته هدفا سياسيا، وهذا أحد الأسباب التي تجعل الجيش قادرا على تحقيق انتصارات تكتيكية وعملياتية، ومع ذلك يفشل في تحقيق النتيجة السياسية التي خاض الحرب من أجلها، وتجسد فيتنام وأفغانستان هذه الحقيقة

ومرة أخرى، ثبت أن الإنجازات التكتيكية والعملياتية لم تكن كافية لتحقيق النتيجة السياسية المرجوة، فقد يهيئ النجاح التكتيكي والعملياتي الظروف اللازمة لتحقيق النصر الإستراتيجي، لكنه لا يضمنه.

لا تهم بطاقات التقييم إلا إذا كانت تقيس التقدم المحرز نحو الأهداف السياسية، ومع ذلك، فإن تدمير القدرات العسكرية لا يغير تلقائيا الأهداف السياسية للخصم.

وأحيانا يحدث ذلك، وأحيانا لا يحدث ذلك، فقد أثبت التاريخ مرارا وتكرارا أن الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية على حد سواء قادرة على تحمل عقاب شديد مع الاستمرار في السعي لتحقيق أهدافها السياسية.

وفي بعض النزاعات، يعد البقاء في حد ذاته هدفا سياسيا، وهذا أحد الأسباب التي تجعل الجيش قادرا على تحقيق انتصارات تكتيكية وعملياتية، ومع ذلك يفشل في تحقيق النتيجة السياسية التي خاض الحرب من أجلها، وتجسد فيتنام وأفغانستان هذه الحقيقة.

في 28 فبراير/شباط 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة تهدف إلى إنهاء برنامج إيران النووي، وربما حتى إحداث تغيير في النظام.

لم تكن معايير التقييم التي استخدمتها واشنطن وطهران متطابقة؛ بل في الحقيقة، لم تكونا تلعبان نفس اللعبة أبدا. وقد تشير واشنطن، بشكل مفهوم، إلى البنية التحتية العسكرية المدمرة، وقدرات الصواريخ والطائرات المسيرة التي تضررت، والتفوق الجوي، كدليل على نجاح حملتها العسكرية.

إعلان

بيد أن طهران تنظر إلى الصراع من منظور مختلف، فمن وجهة نظرها، نجح النظام في الصمود، وأدى الضغط البحري في مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى تعطيل التجارة الإقليمية، ولا يزال الغموض يخيم على دول الخليج، كما أن قدراتها غير المتكافئة المتبقية تواصل توفير نفوذ لها في المفاوضات.

وقد تطور الصراع ليتجاوز مجرد تدمير المنشآت النووية، وأصبح صراعا على النفوذ والأمن البحري والضغط السياسي.

ربما تكون الولايات المتحدة قد حققت نجاحات تكتيكية وعملياتية، لكن طهران تعتقد أنها ما زالت تمتلك نفوذا كافيا لتحقيق أهدافها السياسية

وليس السؤال الإستراتيجي الملح هنا هو ما إذا كان تقييم طهران صحيحا في نهاية المطاف، فالسؤال الأهم هو ما إذا كان قادة إيران يعتقدون أنهم ما زالوا يمتلكون نفوذا كافيا لتحقيق أهدافهم السياسية.

ويبدو أن الإجابة هي "نعم"، وهو ما يساعد في تفسير سبب استمرار الإيرانيين في توجيه مطالب إلى الولايات المتحدة لإنهاء الصراع.

وربما تكون الولايات المتحدة قد حققت نجاحات تكتيكية وعملياتية، لكن طهران تعتقد أنها ما زالت تمتلك نفوذا كافيا لتحقيق أهدافها السياسية.

فيتنام.. أفغانستان.. إيران

لقد شكل "الوهم الإستراتيجي" كل واحد من هذه الصراعات، تماما كما شكلت العديد من الحروب عبر التاريخ.

فالانتصارات التكتيكية تربح المعارك، والانتصارات العملياتية تربح الحملات، أما الانتصار الإستراتيجي فلا يتحقق إلا عندما يغير النجاح العسكري النتائج السياسية.

وما لم يبدأ المحللون في تقييم الحروب من خلال كلا المقياسين -وليس مقياسهم وحده- فإننا نخاطر بسوء فهم ليس فقط من هو الفائز، بل وما يعنيه الانتصار فعليا لكل طرف.

لا يمكننا هزيمة خصمنا بنجاح إذا لم نفهم كيف يرى الطرف الآخر الحالة النهائية للصراع وما يعنيه النجاح بالنسبة له على المستويات التكتيكية والعملياتية والإستراتيجية.

وينطبق هذا الدرس بنفس القدر على الصراعات المستقبلية التي تشمل القوى العظمى أو حركات التمرد أو الحروب الإقليمية.

ويخاطر المحللون وصانعو السياسات والمتخصصون العسكريون الذين يقيمون الصراعات من خلال أهدافهم الخاصة فقط بإساءة فهم الحرب نفسها، وقبل أن نسأل من الذي ينتصر، يجب أن نفهم أولا كيف يحسب كل طرف النتائج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا