في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الرفاهية الظاهرية التي تطبع مدن فنلندا والسويد والنرويج ليست سوى الوجه الناعم لاستعدادات عسكرية صارمة ومحسوبة، فتلك المدن الجوفية هي في حقيقتها شبكات عملاقة من الملاجئ النووية المحصنة، التي أعادت دول الشمال الأوروبي تأهيلها ونفخت فيها الروح تحسبا لـ "يوم القيامة" الذي قد يحمله غزو روسي محتمل أو انزلاق للقارة نحو صراع شامل.
حول هذا الموضوع، تقاطعت صحيفتا صنداي تايمز البريطانية ولوموند الفرنسية في تشخيص حالة "التأهب القصوى" التي تعيشها دول الشمال المذكورة، متفقتين على أن الغزو الروسي لأوكرانيا كان جرس الإنذار الذي أنهى عقودا من الاسترخاء الذي أعقب الحرب الباردة.
وسلطا الضوء في تقريريهما على إستراتيجية الاستخدام المزدوج (Dual-use) التي تنفرد بها هذه الدول، حيث لم تُترك الملاجئ النووية كأقبية إسمنتية مهجورة، بل حُولت إلى مسابح أولمبية، وملاعب أطفال، ومرافق ترفيهية تُستخدم يوميا في أوقات السلم.
النرويج وفنلندا والسويد انفردت بما سمي الاستخدام المزدوج، حيث لم تُترك الملاجئ النووية كأقبية إسمنتية مهجورة، بل حولتها إلى مسابح أولمبية، وملاعب أطفال، ومرافق ترفيهية تُستخدم يوميا في أوقات السلم
هذا النهج المشترك، بحسب الصحيفتين، يخدم هدفين أساسيين: تغطية التكاليف الباهظة لصيانة هذه المنشآت عبر تأجيرها، وكسر الحاجز النفسي لدى المواطنين والأطفال بجعل هذه الملاجئ مألوفة لديهم حين تُقرع طبول الحرب.
لم تنضم فنلندا (5.6 مليون نسمة) والسويد (10.7 مليون نسمة) إلى منظمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو) إلا في عامي 2023 و2024 على التوالي، أما النرويج (5.6 مليون نسمة)، فهي عضو مؤسس لهذا الحلف.
تأخذنا الصحيفة البريطانية إلى عمق العاصمة الفنلندية هلسنكي، المدينة التي تقف فوق "عالم سفلي" يضم 5500 ملجأ تتسع لنحو مليون شخص (أي أكثر من عدد سكان المدينة نفسها).
وتنقل الصحيفة مشهدا دراميا من داخل ملجأ "ميريهاكا" (Merihaka)، حيث يلهو الأطفال في منطقة "Play Cave"، بينما تقبع خلف الجدران الصخرية أبواب فولاذية تزن أطنانا لصد الإشعاعات والأسلحة الكيميائية.
وتبرز الصحيفة صرامة الخطط الفنلندية، فإذا نشبت الحرب، سيُطبق "نظام الغواصات" القائم على التناوب في النوم عبر الأسرّة المتاحة، وتُمنع الحيوانات الأليفة تماما، ويُفرض على كل مواطن اصطحاب حقيبة طوارئ تكفي لـ 72 ساعة، في بيئة لخصها مسؤول فنلندي بصرامة: "هذا ليس فندقا، بل مكان للأمن والسلامة".
وبينما خفّفت بقية أوروبا من حذرها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ونهاية الحرب الباردة، ظلت فنلندا متيقظة، وهذا الاستنفار لم يأتِ من فراغ، فخريطة المنطقة وتاريخها يفرضان واقعا قلقا، إذ تمتلك فنلندا أطول حدود برية مع روسيا (1340 كيلومترا) مقارنة بأي دولة أخرى في حلف الناتو.
وفي المقابل، توسع الصحيفة الفرنسية عدستها لتشمل جيران فنلندا، ففي السويد، ترصد الصحيفة كيف تحولت الملاجئ إلى مشاهد تحاكي أفلام السينما، بدءاً من قاعدة "موسكو" (Muskö) البحرية المحفورة في الغرانيت والتي تشبه مخابئ أشرار سلسلة جيمس بوند، وصولاً إلى ملجأ ستوكهولم الذي تحول إلى مركز بيانات (Bahnhof) تُضيئه مصابيح النيون المستقبلية.
وتضيف لوموند أن السويد أصدرت قانونا جديدا، دخل حيز التنفيذ في 1 يونيو/حزيران الماضي، يلزم البلديات ومالكي العقارات بتوفير مناطق محمية، تشمل أنفاق الطرق ومواقف السيارات والأقبية الخرسانية.
كما أصدرت الحكومة توجيهاً واضحاً يقضي بضرورة جعل الملاجئ المسجلة في السويد، والبالغ عددها حوالي 64 ألف ملجأ، جاهزة للتشغيل في غضون 48 ساعة.
"علينا الاستعداد للأسوأ"، كما يوضح ماركوس إريكسون، رئيس قسم التسويق في إحدى الشركات السويدية، "لا أقول إن الحرب ستندلع غدا، لكنها قد تندلع بالفعل، غدا، كان أجدادي فنلنديين، وكانت والدتي دائما تقول لي: "لا تثق بالروس أبدا".
ويتابع: "عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، نظرت إلى ألبومات صور عائلتي ورأيت نفس صور الدمار، أحيانا كانت روسيا تستخدم نفس الأسلحة".
أما في النرويج، فتكشف الصحيفة عن انتقال البلاد إلى وضع "الدفاع الشامل"، وإعادة إحياء قواعد جبلية مهجورة لحماية طائرات (F-35) والغواصات من أسراب المسيرات، بالتوازي مع توزيع كتيبات طوارئ على ملايين السكان.
ففي هذا البلد، تقول لوموند، كل شيء يُدفن، ولذلك فإن أوسلو أعادت تفعيل اثنين من أبرز ملاجئها التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة في شمال البلاد: قاعدة باردوفوس الجوية وقاعدة أولافسفيرن البحرية، وكلاهما مهجورة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي.
فقد بُنيت قاعدة باردوفوس عام 1938، وخدمت المقاتلات الألمانية خلال احتلال النرويج (1940-1945)، وبفضل تجهيزها بكافة البنية التحتية اللازمة، تُعدّ الآن ركيزة أساسية لحماية طائرات إف-35 من هجمات المسيرات.
أما قاعدة أولافسفيرن، المبنية على جانب جرف جنوب ترومسو، تحت قبو من الغابرو – وهو صخر بركاني – بسمك 270 مترا، فهي تضم حوضا بطول 340 مترا للغواصات وزوارق الدورية السريعة، وحوضا جافا، وورش عمل، ومستودعات ذخيرة، وقد تم بيع هذه القاعدة بسعر زهيد للقطاع الخاص في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم قامت الحكومة بشرائها وتجديدها في عام 2021.
"هناك 18600 ملجأ في جميع أنحاء البلاد، ولكن بعد عام 1998، توقفت النرويج عن بناء المزيد منها"، كما يقول، بأسف، أويستين كنودسن، مفوض الدفاع المدني في أوسلو.
شروديروس: بدأنا بناء هذه المخابئ عام 1939 ولم نتوقف قط، تحت هذه المدينة كنز ضخم مليء بالثقوب
وتعود صنداي تايمز لتؤكد، عبر تصريحات خبراء غربيين، أن فنلندا هي "أمة المستعدين" (Preppers) بامتياز، حيث لم تتوقف عن بناء الملاجئ منذ قرابة القرن، معتمدة على ذاكرتها المريرة في "حرب الشتاء" التي خاضتها ضد الاتحاد السوفيتي.
وقد اندلعت تلك الحرب في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1939 واستمرت لمدة 105 أيام، وكان سببها هو رفض فنلندا التنازل عن أراضٍ حدودية، مما دفع الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين إلى غزوها، لكن رغم صمودها الأسطوري، فإن فنلندا اضطرت في النهاية إلى التنازل عن حوالي 11% من مساحتها.
لوموند: الحرب الأوكرانية أيقظت "الحمض النووي التاريخي" لدول الشمال
وتنقل صنداي تايمز عن يوكا-بيكا شروديروس، من إدارة الإنقاذ بالمدينة، التي تشرف على سلامة سكان هلسنكي قوله: "بدأنا بناء هذه المخابئ عام 1939 ولم نتوقف قط، تحت هذه المدينة كنز ضخم مليء بالثقوب".
وتتكامل معها لوموند حين تشير إلى أن الحرب الأوكرانية أيقظت "الحمض النووي التاريخي" لدول الشمال، مشيرة إلى نقطة بالغة الأهمية: تكلفة بناء هذه المدن الجوفية رفعت أسعار العقارات بنسبة 2%، لكن المواطنين لم يعودوا يتذمرون من هذه "الضريبة"، فقد باتت ضرورة حتمية للنجاة من احتمال غزو روسي.
وهكذا، تبدو دول أوروبا الشمالية وكأنها تعقد صفقة فريدة وذكية مع التوجس والخوف، فبدلاً من ترك القلق من فناء نووي يلتهم أرواح مواطنيها في أقبية مظلمة وموحشة، قررت هذه الدول ترويض هذا القلق بالماء، والموسيقى، وضحكات الأطفال، موجهة بذلك رسالة صمود للخصوم مفادها: نحن نعيش على الأرض متأهبين، وتحت الأرض باقين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة