في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تستفيد إيران من الجغرافيا والدبلوماسية وتقاطع المصالح الإقليمية في تعزيز خطتها للتصدي للحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها والتكيف مع التطورات المتلاحقة.
وفي هذا السياق، أدت دول مثل تركيا وباكستان وروسيا والعراق أدوارا محورية ومتباينة في "الخطة الإيرانية" تتراوح بين الدعم الدبلوماسي واللوجيستي من جهة، والدعم العسكري والاستخباري الحيوي من جهة أخرى وصولا إلى الدعم الاقتصادي.
استفادت إيران من رفض دول المنطقة الانخراط الكامل في التصعيد الأمريكي الإسرائيلي، ومن ثم توسيع جبهة الحرب عليها، مما أبقى الحراك الدبلوماسي حلا ممكنا لإنهاء الحرب، وهو حراك ألقي في مرحلة أولى على عاتق تركيا الدولة الجارة والأكثر ارتباطا بتداعيات الصراع على الأرض وفي المنطقة عموما.
لم يكن موقف تركيا تضامنيا فحسب مع إيران، بل كان مرتبطا بحسابات الأمن القومي التركي. ويبرز هذا وفق دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات، حتى قبل اندلاع الأزمة الداخلية حيث كان هدف أنقرة خلال ذروة الاحتجاجات ضد النظام، تفادي الفوضى والتفكك في بلد جار ذي نفوذ إقليمي، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الأبواب أمام تهديدات كثيرة من بينها:
وعموما يستند التحرك التركي في جزء كبير منه إلى ثقل الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) والتحذير من أخطار قد تمس من بنية النظام الإقليمي برمته. ويشير الباحث محمود سمير الرنتيسي، في دراسة لمركز الجزيرة للدراسات، إلى أن تركيا بذلت جهودا مكثفة ضمن إطار ما يسمى "الدبلوماسية الوقائية" قبل بدء الحملة العسكرية على إيران.
ويتضح ذلك من خلال مقترح تركيا ضمن تحركها الدبلوماسي، فصل مسار المفاوضات النووية مع واشنطن عن مسار القضايا الإقليمية حتى يتم مناقشتها في إطار إقليمي أوسع مع دول الجوار. كما مارست تركيا بشكل موازٍ ضغوطا لدفع القيادة في إيران للقبول بتسوية الملف النووي والحد من النفوذ الإقليمي عبر شبكة الوكلاء في المنطقة.
ويعتقد الباحث الرنتيسي أن الدبلوماسية التركية مع أنها اعتمدت على "الإقناع التدريجي"، فإن الدور التركي ظل يفهم على أنه يرفض التدخل العسكري بوصفه يحصن بقاء النظام الإيراني بشكل غير مباشر.
ويفهم من الموقف التركي عمليا أن التحرك الدبلوماسي في المنطقة قام أيضا على قاعدة الاستفادة المتبادلة، وهي قاعدة تتسق بشكل واضح مع التحرك الباكستاني، حيث ترى " إسلام آباد" أن نجاح دور الوساطة، علاوة على أنه يجنب إيران كلفة أكبر للحرب، فإنه قد يحقق لها مكاسب مزدوجة تتمثل في منع انجرارها إلى الصراع الإقليمي، وتعزيز مكانتها الدولية في الوقت نفسه، مما قد يمكنها من استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاج إليها بشدة.
وتشير صحيفة "الغارديان" البريطانية في تحليل لها، إلى أنه من وجهة نظر باكستان، فإن فرص نجاح هذه الوساطة تعتمد على قدرتها على إقناع الطرفين بأنهما سيحصلان على "مخرج مشرف" من الأزمة، دون أن يظهر أي طرف بمظهر المهزوم، وهي تراهن على أن كلا من واشنطن وطهران، رغم التصعيد العلني، لا يرغبان فعليا في الانزلاق إلى حرب شاملة بسبب تكلفتها الاقتصادية والسياسية العالية.
لكن نجاح هذا الدور -وفق الصحيفة- ليس مضمونا لأن القضايا المطروحة شديدة التعقيد، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي بشكل كبير على استقرار الإمدادات عبر الخليج، مما يزيد الضغط الزمني على أي مفاوضات.
نجحت إيران في خطتها للتصدي للحرب والتكيف مع مجريات المواجهة، عبر الاستفادة بشكل خاص من الحليف الروسي الإستراتيجي في المنطقة، وهو أمر أتاح للقيادة السياسية العسكرية في طهران أن تكون مؤثرة في الخصوم عبر ضربات دقيقة ونوعية ومكلفة للإدارة الأمريكية ولإسرائيل.
وهناك اتفاق لدى شريحة واسعة من الخبراء، بأن إيران أثبتت اليوم أن لديها قدرة أكبر على استيعاب الضغط مقارنة بمعظم الدول التي استهدفت في صراعات سابقة بالإملاءات والشروط الأمريكية في إطار "الدبلوماسية القسرية".
ويوضح تقرير لصحيفة "الغارديان" كيف منحت الطائرات المسيّرة والصواريخ والأدوات السيبرانية وعمل الاستخبارات، إيران وسائل لمضايقة وتهديد الأصول الإقليمية الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة والشحن التجاري العالمي، والأهم من ذلك حصولها على دعم خارجي قوي؛ فالصين تقدم دعما اقتصاديا ودبلوماسيا بالغ الأهمية، بينما تواصل روسيا تقديم الدعم العسكري والسياسي.
وقد كشف تقرير لصحيفة " فايننشال تايمز" أن موسكو قدمت دعما استخباريا لطهران شمل صور أقمار صناعية وبيانات استهداف، وهو ما اعتبره مسؤول غربي في تحليله للصحيفة، مؤشرا على تدخل روسي لا يقتصر على تعزيز القدرات العسكرية والدفاعات الجوية الإيرانية، بل يمتد أيضا إلى دعم استقرار النظام سياسيا.
لكن استمرار خطة إيران في الصمود لا يقتصر على الدعم العسكري والاستخباري والدبلوماسي الخارجي في مواجهة الضغوط التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل والمعسكر الغربي، حيث يبرز العراق رئةً اقتصادية بديلة لطهران في ظل تعطل حركة الملاحة في الممر الحيوي لمضيق هرمز وفرض واشنطن لحصار مطبق على موانئها.
لقد مكنت الفصائل الموالية لإيران في العراق من تخفيف الضغط على المدن الإيرانية عبر توجيه ضربات لأهداف أمريكية في المنطقة، مما مكن من تشتيت جهود الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المركزة على أهداف حساسة في الداخل الإيراني.
لكن الأهم من ذلك أن العراق قدم دعما اقتصاديا حيويا لإيران، خاصة بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب، حيث تحول العراق إلى "حبل نجاة" اقتصادي ونفطي لطهران في الأزمة الحالية. ويبرز هذا الدعم في عدة جوانب رئيسية من بينها:
في المحصلة، تشير التحليلات إلى أن إيران نجحت إلى حد ما في تحويل الصراع من مواجهة تقليدية مباشرة إلى شبكة نزاعات مترابطة أملاها تقاطع المصالح، مما مكنها من تعزيز صمودها. لكن لا يعني ذلك غياب الخسائر، فقد أضعفت الحملة العسكرية أجزاء من البنية العسكرية والإقليمية لإيران، لكن شبكات النفوذ والجوار الإقليمي منعت انهيارا سريعا لإيران وعزلة كاملة لها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة