في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العاصمة الصينية بكين خلال ولايته الأولى عام 2017، استقبلته الصين داخل المدينة المحرمة بوصفه ضيفاً استثنائياً. حينها، بذلت بكين أقصى ما في وسعها لإبهار ضيفها وزوجته ميلانيا، حيث اصطحبتهما في جولة داخل القصر الأسطوري، ومن ثَم إلى عرض تقليدي لأوبرا بكين، وكان الاختتام بعشاء فاخر.
أما اليوم، فإن ترمب يعود لزيارة بكين في مشهد مغاير، حيث شهد العالم اضطرابات كثيرة منذ زيارته السابقة شملت حربين تجاريتين، وجائحة عالمية، وصدمات جيوسياسية من الخليج وحتى تايوان.
وكان من المقرر أن يحل الرئيس الأمريكي ضيفاً على العاصمة الصينية بين 31 مارس/آذار و2 أبريل/نيسان، قبل أن يعلن عزمه تأجيل الزيارة في 17 مارس/آذار الماضي بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
كان ترمب يتوقع أن تُحسم هذه الحرب في غضون أسابيع قليلة من وقت اندلاعها، واستخدامها ورقة ضغط، إلى جانب التعريفات الجمركية، خلال محادثاته مع بكين. لكن مع دخول الحرب شهرها الثالث، يبدو أن صورة النصر التي كان يراهن عليها ترمب قد تلاشت، بل وباتت تهدد بإغراقه سياسياً وإرباك أجندته الخارجية، وإضعاف موقفه قُبيل قمته المرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينغ.
فما الذي حدث قُبيل هذه الزيارة؟ وكيف تغير موقف واشنطن الأساسي أمام بكين بسبب الحرب على إيران؟ وهل يمكن أن تنجح "دبلوماسية المقايضة" التي ينتهجها ترمب في تحقيق مكاسب لواشنطن في مواجهتها مع بكين؟
تبلور مسار عقد قمة ترمب وشي المقبلة بالأساس خلال لقاء في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما اتفقت كل من واشنطن وبكين على هدنة مؤقتة للحرب التجارية التي أشعلها ترمب في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية الثانية، بعدما بلغت الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على الصين حينها إلى 145%.
وقال الرئيس الأمريكي آنذاك للصحفيين إنه سيزور الصين في أبريل/نيسان من العام الجاري، بينما اكتفى بالقول إن نظيره الصيني سيأتي إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق، سواء كان ذلك في " فلوريدا أو بالم بيتش أو العاصمة واشنطن".
من جهتها، نقلت صحيفة الغارديان عن جيك فيرنر -مدير شؤون شرق آسيا في معهد كوينسي لصياغة السياسات المسؤولة- قوله -خلال إحاطة صحفية هذا الأسبوع- إن "ترمب دخل البيت الأبيض العام الماضي وهو يشعر بأنه سيتمكن من تقليص نفوذ الصينيين وإجبارهم على الإقرار بتفوقه عليهم. لكنه اكتشف أنه لا يستطيع فعل ذلك، لأن الصينيين تمكنوا من الرد بفاعلية".
وقد ردت الصين على رسوم ترمب الجمركية بتقييد تصدير المعادن النادرة، وهي عناصر حاسمة في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية وفي التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، مما أثر بشكل لافت في مصانع الولايات المتحدة، حيث توقف بعضها عن العمل بعد فترة قصيرة.
وكان ترمب يهدف في الأساس إلى أن يثبت -خلال قمته المقبلة مع شي- للشارع الأمريكي وللعالم أنه على الرغم من العقبات التي مرت بها العلاقات الأمريكية الصينية في الفترة الماضية، فإن علاقته بنظيره الصيني يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية وأمنية ملموسة للولايات المتحدة.
كما قدمت إدارة ترمب القمة باعتبارها الخطوة الأولى نحو تصحيح الاختلال في العلاقات الاقتصادية مع الصين، التي طالما وصفها الرئيس الأمريكي بأنها منحازة لصالح بكين. وكان من المتوقع أن يخوض ترمب المحادثات مع الصين من موقع قوة، حيث سيحاول الضغط على بكين للحصول على تعهدات بشراء كميات كبيرة من السلع والخدمات الأمريكية، وخاصة من القطاعات القادرة على تحقيق أثر سريع داخل الاقتصاد الأمريكي، مثل الزراعة والصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد والتصدير.
بدوره، يرى إدغارد كاغان -رئيس برنامج "فريمان" للدراسات الصينية- أن الإدارة الأمريكية تدرك أن بكين لم تلتزم بشكل كامل بتعهدات الشراء التي نص عليها اتفاق "المرحلة الأولى التجاري" الموقّع عام 2020، ولذلك من المتوقع أن يقوم ترمب بالإعلان عن إنشاء "مجلس تجاري" مشترك يضم كبار المسؤولين من البلدين لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق، في محاولة لإقناع الداخل الأمريكي بأن التفاهمات الجديدة ستكون أكثر صرامة وفاعلية من سابقاتها.
ويضيف كاغان أن الولايات المتحدة ستسعى أيضاً إلى توسيع إمدادات الصين من عناصر الأرض النادرة والمغناطيسات، وفقاً لما جرى الاتفاق عليه خلال اجتماع ترمب وشي في بوسان العام الماضي، إضافة إلى تعزيز التعاون الصيني في منع تصدير السلائف الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل.
كما توقعت تقارير إعلامية أن تتناول القمة البحث عن قواعد لتنظيم أطر المنافسة بين الطرفين في مجال التطورات التكنولوجية المتسارعة والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى العلاقات الأمريكية مع تايوان.
لكن الوضع اختلف منذ لقاء الزعيمين في بوسان، حيث أقدم ترمب بالتعاون مع إسرائيل على شن عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، مما أدى إلى دخول الولايات المتحدة في حرب استنزاف مستمرة حتى اللحظة، وإغراق العالم في أزمات تضخم اقتصادية غير مسبوقة.
كذلك، أسفرت التعريفات الجمركية -التي أعلنها ترمب خلال ما أسماه "يوم التحرير" في أبريل/نيسان 2025- عن فقدان نحو 89 ألف وظيفة في القطاع الصناعي بالولايات المتحدة، وهو ما يعادل إغلاق 2800 منشأة صناعية متوسطة الحجم في جميع أنحاء البلاد، وفقاً لبيان صحفي صادر عن مركز التقدم الأمريكي.
تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تأجيل ترمب لزيارته إلى بكين، حيث صرح الرئيس الأمريكي -للصحفيين في البيت الأبيض في مارس/آذار الماضي- بأنه يرغب في البقاء بالولايات المتحدة. وأضاف حينها أن إدارته على تواصل مع الصينيين الذين وافقوا بدورهم على القرار.
ليس ذلك فحسب، بل أدت الحرب على إيران إلى تحول خطاب ترمب السياسي، حيث صرح -لصحيفة فايننشال تايمز في وقت سابق- بسعيه للحصول على دعم الصين للتأثير في طهران -كونها الشريك التجاري الأكبر لها- لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته الأخيرة بسبب العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضدها.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، وخاصة لصادرات النفط القادمة من الشرق الأوسط إلى الأسواق الدولية. وقد أدى إغلاقه إلى تعطل الملاحة واضطراب أسواق الطاقة العالمية وتراجع الإمدادات.
واعتبرت سوزان مالوني -نائبة الرئيس ومديرة برنامج السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز البحثية في واشنطن- أن توجه ترمب إلى قمة مع "أبرز خصوم" الولايات المتحدة، في أعقاب ما وصفته بـ"أفدح انتكاسة إستراتيجية شهدتها واشنطن في الذاكرة الحديثة"، يشكّل لحظة فارقة واستثنائية في تاريخ العلاقة بين القوتين.
وقالت مالوني -في تصريحات صحفية الخميس الماضي- إنه "من المنظور الأمريكي يغيّر هذا تماماً إحساسنا بحالة التفوّق التي نعيشها في هذه اللحظة الراهنة، وما يعنيه ذلك بالنسبة لطبيعة العلاقة بين البلدين".
وبحسب صحيفة الغارديان، فمن المتوقع أن يتعامل الرئيس الصيني مع القمة بقدر كبير من الحنكة السياسية، نظراً للظروف التي تمر بها واشنطن في حربها مع طهران وتعسُّر المفاوضات حتى اللحظة، حيث سيعمد إلى إطراء الرئيس الأمريكي، مع إبراز نقاط ضعفه بشكل غير مباشر، وترسيخ صورة الصين بوصفها قوةً لا يستهان بها.
وبحسب التقارير، يسعى ترمب إلى تحقيق انتصارات ملموسة قُبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد أن أظهرت عدة استطلاعات للرأي تراجع شعبيته بين الناخبين الأمريكيين.
وكشفت مجلة إيكونوميست مؤخرا أن ترمب يواجه انخفاضا متفاقما في شعبيته، إذ أظهر استطلاع للرأي تراجع صافي معدل تأييده -أي الفارق بين نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أنه يؤدي عمله بشكل جيد ونسبة الذين يرون العكس- بنحو 21 نقطة.
وبحسب استطلاع أجرته شبكة "سي إن إن"، فقد شهد معدل تأييد ترمب بين عموم البالغين في الولايات المتحدة تراجعا ملحوظا منذ بداية ولايته في العام الماضي، حيث بلغ معدل تأييده نحو 48% في فبراير/شباط 2025، قبل أن ينخفض بشكل حاد إلى 35% بحلول 1 مايو/أيار 2026.
كذلك، ذكر تقرير لـ"مركز التقدم الأمريكي" أن آثار الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترمب انعكست على سوق العمل بشكل واسع، حيث شملت الخسائر الوظيفية تقريبا 45 ولاية أمريكية. كما أشار إلى أن نمو الوظائف في قطاعات "عمال الياقات الزرقاء" فشل في الوصول إلى المتوسطات التي سُجلت في معظم الولايات خلال سنوات إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
ويعدّ عمال المياومة الفئة الأكثر تضرراً من أي تقلبات في العلاقات بين واشنطن وبكين، فهم يعتمدون على أجور يومية ولا يمتلكون عقودا ثابتة أو تأمينات طويلة الأمد. وعندما تضطرب سلاسل الإمداد أو تُفرض عقوبات مفاجئة -مثل الرسوم الجمركية- تتوقف المصانع أو الموانئ عن العمل فورا، ويجد هؤلاء العمال أنفسهم دون دخل في اليوم التالي مباشرة.
وبعد الحرب الأخيرة على إيران، يجد ترمب نفسه محصورا أيضا بين فخين جديدين من صنع يديه، أحدهما على الصعيد الدولي والآخر داخلي. دوليا، فإن إغلاق إيران لمضيق هرمز ورفضها الاستسلام يُضعفان من موقف الولايات المتحدة أمام خصومها، ويُظهران عجزها عن حسم المواجهة مع دولة يُفترض أنها لا تمتلك نفس قدرات واشنطن العسكرية، والتي تعيش في الأساس تحت وطأة العقوبات والضغوط الاقتصادية.
داخليا، فإن استمرار الحرب يؤثر في شعبية ترمب بين الناخبين الأمريكيين، بسبب التداعيات الاقتصادية التي بدأت تمس جوانب من الحياة اليومية للمواطن الأمريكي. فقد تجاوز متوسط أسعار البنزين 4.50 دولارات للغالون (نحو 3.78 لترات)، وهو ما أعاد ملف التضخم وكلفة المعيشة إلى صدارة المخاوف داخل الولايات المتحدة.
ترى صحيفة الغارديان أن إدارة ترمب تسعى إلى تحقيق "انتصارات" اقتصادية ملموسة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، عبر توظيف القمة مع الصين لإظهار قدرتها على جذب الاستثمارات وإبرام صفقات كبرى تدعم الاقتصاد الأمريكي.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن إدارة ترمب دعت رؤساء تنفيذيين من شركات كبرى -مثل إنفيديا وآبل وإكسون- لمرافقة الرئيس خلال زيارته إلى بكين. كما تأكدت مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة بوينغ كيلي أورتبيرغ، والرئيسة التنفيذية لشركة "سيتي غروب" جين فريزر.
كذلك، سيحاول ترمب الضغط على الصين لإقناع إيران بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بما لا يضر بالمصالح الأمريكية ويعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية. وقد ألمح إلى ذلك في منشور على منصته "تروث سوشيال"، حيث أوضح أنه في حال انتهاء الصراع فلن "يكون هناك الكثير ليناقشه" بشأن تجارة النفط مع نظيره الصيني.
في المقابل، تسعى الصين إلى تمديد الهدنة التجارية الحالية، والاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية، بالإضافة إلى الحد من تشديد القيود الأمريكية على الصادرات.
أما فيما يتعلق بملف تايوان، فمن المتوقع عدم تنازل الصين عن موقفها بشأن ضم الجزيرة إلى أراضيها، حيث قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي هذا الأسبوع إن تايوان تمثل "أكبر خطر" يهدد العلاقات بين واشنطن وبكين. وموقف الولايات المتحدة الحالي في مواجهتها مع إيران قد لا يمكنها من فرض أي شروط على الصين لوقف طموحاتها في ضم الجزيرة لأراضيها.
وتعتبر الصين جزيرة تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وتعهدت بإخضاعها لسيادتها "بكل الوسائل اللازمة"، بما في ذلك القوة العسكرية إذا اقتضى الأمر. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تعترف رسميا بتايوان كدولة مستقلة، فإنها تواصل تزويدها بوسائل دفاعية وعقد صفقات سلاح معها، وهو ما تنظر إليه بكين باعتباره تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية.
كما أشارت الغارديان إلى أن الرئيس الصيني قد ينظر إلى القمة باعتبارها فرصة استثنائية لتقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الدولتين في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر إظهار قدرة واشنطن وبكين -بوصفهما القوتين الأكثر تقدماً في هذا المجال- على التعاون في وضع معايير دولية مشتركة لتنظيم التكنولوجيا، وتقديم ذلك باعتباره "إنجازا متبادلا" يخدم الاستقرار العالمي.
ختاما، لا تبدو القمة المرتقبة بين الزعيمين مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل لقاء قد يحمل في طياته ملامح المرحلة المقبلة في العلاقات الأمريكية الصينية، ويعيد رسم حدود "قواعد الاشتباك" الجديدة بين واشنطن وبكين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة