في الحقيقة، إن حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح"، ومنذ أن نشأت في منتصف ستينيات القرن الماضي، قد تمكنت من أن تكون فعليا هي مركز حركة التحرير الوطني الفلسطيني بلا منازع.
ذلك أن فتح بتركيبتها الخاصة لم تكن تنظيما سياسيا تقليديا، يقوم على فكرة أو أيديولوجيا أو نظرية، كأن يكون تنظيما قوميا أو يساريا، أو شيئا من هذا القبيل، إنما كانت إطارا وطنيا يضم كل الفلسطينيين التواقين إلى التحرير والحرية بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية، أو منبعهم الجغرافي، حيث ضمت الكثير من العرب من غير الفلسطينيين.
ففتح في نشأتها الأولى، كان بها اليساري- الشيوعي والقومي، وكان بها القومي السوري، وكذلك الإسلامي أيضا.
كانت خليطا متشعبا من الأفكار والتي ربما تكون أفكارا متعارضة، لكنها تمثل كل تلاوين الشعب الفلسطيني، وجميعها في إطار وطني يسعى إلى تحقيق عناوين كبرى سامية لا يختلف عليها فلسطينيان.
تلكم هي فتح، حيث كنا نتندر بمحبة أمام زملائنا الفلسطينيين في الجامعة، بالقول:" إن المواطن الفلسطيني "هو بالضرورة" فتحاوي حتى يثبت العكس".
إذًا، لم تكن فتح إلا أداة وطنية فعالة نقلت كفاح الشعب العربي الفلسطيني من حالة التشتت والتشرذم وتعدد الولاءات واللحاق بالمنازعات العربية، ليكون في وعاء وطني واسع رحب، يقبل بالآخر على قاعدة الخلاف في إطار الوحدة.
وعليه شكلت فتح ثقل العمل الوطني الفلسطيني، الذي التفت حوله كل التنظيمات الأخرى اليسارية والقومية على اختلافها. وفتح عمليا هي التي أعطت منظمة التحرير الفلسطينية مكانتها وزخمها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
كانت فتح وما زالت الأب الفعلي لحركة التحرر الفلسطينية، والولادة الحقيقية بعد ولادات سابقة ماتت في الخداج. حتى وبعد أن برزت حماس على الساحة الفلسطينية، فإن فتح بقيت عبق الولاء الفلسطيني والانتماء إلى أهدافه السامية، بقيت فتح المرتكز الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي السلطة الفلسطينية فيما بعد، والعمود الفقري للدولة الفلسطينية العتيدة المنتظرة، التي تعترف بها عشرات الدول في العالم.
ويبقى الرئيس محمود عباس رمزا فلسطينيا رغم الانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية، وهو العباءة الضافية لكل الفلسطينيين، كما وصفه الشهيد إسماعيل هنية في لقائنا معه في مجموعة السلام العربي قبل نحو خمس سنوات. والرئيس عباس هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دولة فلسطين المأمولة، وكذلك رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله.
ما دعاني للحديث حول حركة فتح ومكانتها في واقع حياة وضمير الشعب الفلسطيني، أن هناك مؤتمرا لها سينعقد في منتصف هذا الشهر في رام الله.
ومؤتمرات حركة فتح التي تنعقد بمواقيت متباعدة وليست سنوية، يعول عليها كثيرا، بأن يخرج من مؤتمرها هذا ما يخدم المرحلة المفصلية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
فلسطين اليوم والقضية الفلسطينية بتقديري هما الآن بأسوأ حالاتهما، فحرب الخليج الحالية المتمثلة بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد وضعت القضية الفلسطينية في المركز الثاني أو الثالث من الاهتمام الدولي والإقليمي، أو حتى العربي.
كما أن غزة- كما هو معلوم- مدمرة بالكامل، وتعرضت للإبادة على يد المجرمين الصهاينة، وأن نصف القطاع عمليا محتل اليوم. وكذلك الضفة الغربية ليست في أحسن حال.
فالاستيطان يقضم يوميا أراضي جديدة، ويقيم مستوطنات جديدة، بل إن هناك خطة استيطانية معلنة لعزل جغرافيا القدس بالكامل عن جناحيها الشمالي والجنوبي للضفة الغربية، حيث إن القدس في العرف الصهيوني عمليا تسيطر على حوالي 40% من أراضي الضفة الغربية، والعمل لا يتوقف وجارٍ على قدم وساق؛ لتقطيع أشلاء الضفة الغربية؛ حتى تتعذر أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن المعلوم أن كل قرية فلسطينية اليوم عليها بوابة وحرس صهيوني، يمنع المواطنين من الدخول أو الخروج إلا بإذن، فالمسافة بين الخليل ورام الله على سبيل المثال، والتي لا تزيد عن 30 كيلومترا كنت قد أمضيت بها أكثر من 3 ساعات عبر الطريق الفلسطيني، فالاحتلال يمارس عنصرية التمييز بالطرق بين المحتلين، والمواطنين الفلسطينيين.
كما أن الحرم الإبراهيمي في الخليل يخضع الآن للسيطرة الصهيونية ويتبع وزارة الأديان. والمسجد الأقصى عمليا مقسم زمانيا ومكانيا، وهي خطوة وإن بقيت الأمور على هذا الانكفاء -لا سمح الله- فقد نسمع يوما بأنه قد تم هدم الأقصى. ناهيك عن المضايقات التي يتعرض لها الفلسطينيون المسيحيون بمنعهم من القيام بشعائرهم الدينية.
وعلى الأرض فإن تقسيم أوسلو أراضي الضفة الغربية (ا)، و(ب)، و(ج) قد تم اختراقه كليا من قبل الاحتلال، وأصبحت عمليا منطقة (ج) مستهدفة باستيطان صهيوني شرس بعد أن تم طرد سكانها العرب.
والأمر ذاته ينسحب على المنطقتين (ا) و(ب)، مع أنهما إداريا تتبعان للسلطة الفلسطينية، حيث يُعلن يوميا عن مستوطنات جديدة، وطرد السكان العرب، وتفجير بيوتهم وهدمها.
إن اتفاق أوسلو عمليا قد نقضه الاحتلال وكأنه غير موجود، مع أن أوسلو اتفاق دولي أشرفت عليه الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. والخلاصة أن الحالة الفلسطينية تقتضي تحركا نوعيا غير معهود، لمواجهة احتلال شرس بإجرامه غير المسبوق.
هذه هي الحالة داخل فلسطين كما أراها من الخارج، حيث لا نستطيع أن نقول إن هناك دعما جديا عمليا للقضية الفلسطينية، اللهم إلا ذلك الدعم الدبلوماسي الدولي الواسع. ولكن بسبب دعم الولايات المتحدة الأمريكية السافر والأعمى لإسرائيل، فإن القرارات الشرعية الدولية معطلة عمليا، وتبقى بيانات الإدانة والاستنكار من عالم يرى الجريمة لكن لا حول له ولا قوة!
لذلك فإن مؤتمر فتح المزمع عقده مطالب بوقفة تاريخية، وقفة من شأنها تشخيص اللحظة الراهنة ومتطلباتها وتحدياتها، وهذا بالضرورة يحتاج إلى تجميع أشلاء فتح كأفراد ومؤسسات وتجمعات لها خصوصية، لكنها في الإطار العام تعتبر نفسها من داخل حركة فتح، وربما لها وجهات نظر خارج نطاق تفكير السلطة الوطنية والمؤسسات القائمة حاليا، دون المساس بالإستراتيجيات والأهداف الكبرى لحركة فتح، لكن لها ملاحظات على الأداء.
إنها دعوة من أخ مسكون بحب فلسطين يتمنى على الرئيس عباس تحديدا ومعه قادة فتح، والتاريخيون منهم بالذات، أن يدعوا كل الفتحاويين سواء في الداخل أو في الخارج للمشاركة في أعمال هذا المؤتمر؛ دفعا باتجاه إعادة الوحدة لحركة فتح على اعتبارها- وكما نشأت من قبل- الوعاء الوطني الذي يتسع لكل الفتحاويين، بل لكل أبناء الشعب العربي الفلسطيني.
أعتقد أنه إن تم ذلك فسوف تكون خطوة كبرى تاريخية على طريق استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ذلك أن فتح القوية والمتماسكة والموحدة، هي القادرة على جذب كافة التيارات والمنظمات الفلسطينية الأخرى بما فيها حماس إلى البيت الفلسطيني، بحيث يتم بلورة مشروع وطني فلسطيني مرحلي يجيب عن تحديات المرحلة، ويوقف حالة التدهور.
وأعتقد أن العامل الذاتي بالمطلق هو المؤثر، وإذا ما أبدى العامل الذاتي قوة في أي مشروع سياسي، فإن العامل الموضوعي الخارجي لا بد أن يستجيب لذلك.
هذا الأمر ينبغي أن يؤخذ بجدية لتصبح الصورة أقل قتامة وتشاؤما وتستعيد المؤسسة الفلسطينية الرسمية سواء كانت منظمة التحرير أم السلطة الفلسطينية مكانتها الدولية والإقليمية، بما في ذلك أحقيتها بتمثيل الشعب الفلسطيني، سواء في مجلس السلام الذي دعا إليه الرئيس ترمب، أو في أي مباحثات مستقبلية تجاه حل الدولتين.
وختاما، فالمطلوب أن يكون الفلسطينيون في خندق واحد، وأن يضعوا إستراتيجيتهم سواء بالسلم أو بالحرب معا في إطار إستراتيجية واحدة، لأن تعدد الإستراتيجيات وتباين التوجهات السياسية، هو تشتيت للجهود، كهذا الضياع الذي نلمسه منذ أمد طويل.
والله ومصلحة فلسطين ومستقبلها من وراء القصد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة