اختتمت، يوم الجمعة، ورشة عمل نظمتها منظمة "بروميديشن" الفرنسية في العاصمة الماليزية كوالالمبور، بمشاركة قوى وشخصيات محسوبة على الحركة الإسلامية السودانية (جماعة الإخوان) وواجهاتها السياسية، وهي أطراف تصنف ضمن المعسكر الداعم لاستمرار الحرب في السودان.
وتقول المنظمة إن هذه اللقاءات تندرج ضمن مساعيها لـ"توحيد التيارات الإسلامية" والاستماع إلى رؤيتها بشأن مستقبل السودان، تمهيدا للقيام بدور وساطة بينها وبين خصومها السياسيين.
وساطة معلنة وأسئلة مفتوحة
تعرّف " بروميديشن" نفسها بوصفها منظمة غير حكومية أُسست عام 2007، وتتخذ من جنيف مقرا لها، وتعمل في مجال الوساطة الدولية ودعم مسارات السلام في مناطق النزاع.
ووفقا لما تذكره على موقعها الرسمي، تقول إنها تضطلع بدور "وسيط محايد" لتسهيل الحوار وبناء الثقة وتعزيز ما تصفه بـ"السلام المستدام".
غير أن سجلات أنشطتها تكشف عن انخراطها المتكرر في قنوات حوار غير رسمية مع أطراف تنتمي إلى حركات الإسلام السياسي في عدد من بؤر النزاع، من بينها ليبيا واليمن وميانمار والسودان، وحتى أفغانستان، وهو ما يفتح، بحسب مراقبين، باب الجدل حول حدود الحياد وطبيعة الأدوار التي تلعبها هذه المنظمات في نزاعات معقدة.
خريطة الإسلاميين في القاعة
وكشفت مصادر مطلعة لـ"سكاي نيوز عربية" أن الورشة شهدت مشاركة شخصيات تمثل الحركة الإسلامية السودانية بشقيها: مجموعة علي كرتي، ومثلها طارق حمزة، ومجموعة نافع علي نافع، ومثلها إبراهيم محمود. إلى جانب واجهات سياسية مرتبطة بالتيار الإسلامي، من بينها مجموعة "الإصلاح الآن" وحركة "المستقبل".
كما برزت مشاركة حزب المؤتمر الشعبي (حزب حسن الترابي)، حيث مثله كل من الأمين محمود وراشد دياب وعاصم خليفة. هذا إضافة إلى واجهات وشخصيات ظلت، على الدوام، تعمل في فلك الإسلاميين، مثل الصادق الهادي المهدي، وميادة سوار الذهب، ومجموعة بحر أبو قردة، ومجموعة موسى هلال، المعروف بالزعيم التاريخي لـ" الجنجويد" في دارفور.
تقلب المواقف
شهدت علاقة القوى الإسلامية بورش "بروميديشن" تحولات حادة. ففي أبريل الماضي، أعلنت الحركة الإسلامية بقيادة علي كرتي، وحزبها السياسي المؤتمر الوطني (المحلول) بقيادة أحمد هارون، إضافة إلى المؤتمر الشعبي و حركة المستقبل، رفضهم القاطع المشاركة في ورش "بروميديشن"، بفعل الخلافات الداخلية التي ضربت صفوفهم.
غير أن مشهد كوالالمبور هذه المرة عكس واقعا مغايرا تماما، إذ شاركت هذه القوى نفسها، أو واجهاتها، في الورشة، ما أثار تساؤلات حول ما استجد من متغيرات.
وكان القيادي في الحركة الإسلامية الحاج آدم قد قال، في تصريحات صحفية عقب الورشة السابقة، إن المشاركة "تمت بعلم وموافقة رئيس مجلس السيادة السوداني وجهاز المخابرات العامة إبراهيم مفضل".
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يعكس مراجعة فكرية، بقدر ما يعكس إعادة تموضع سياسي. وهو ما أكده القيادي عمار السجاد، الذي برر المشاركة الأخيرة بأنها تهدف إلى "توسيع الماعون" ليشمل ما سمّاه "التيار الوطني العريض"، وهو المسمّى الجامع للإسلاميين وواجهاتهم.
تغيير الأسماء لا يُخفي الحقائق
وقال المحلل السياسي السوداني المقيم في كوالالمبور، علي عبد الرحمن، لسكاي نيوز عربية إن "الحقيقة التي يحاول البعض حجبها هي أن تغيير التسميات لم ينجح في إخفاء الهوية الحقيقية للمشاركين، المرتبطة عضويا بعهد الاستبداد المعزول"، مضيفا أنهم "يسعون للعودة إلى الحكم تحت ستار واجهات جديدة".
وفي الوقت الذي هاجم فيه القيادي الإسلامي حاج ماجد سوار منظمة "بروميديشن"، واصفاً إياها بـ"المشبوهة" و"المرتهنة للأجنبي"، التزم المؤتمر الوطني (المحلول) صمتا وصفه مراقبون بـ"التكتيكي".
توصيات الورشحة
كشفت التوصيات الختامية للورشة عن تبنيها الكامل لخطاب معسكر الحرب، إذ أدانت دولا بعينها، ودعمت المؤسسة العسكرية، ووصفت الحرب الدائرة بـ"حرب الكرامة"، مع الدعوة إلى حصر العمل السياسي تحت إمرة الجيش.
وقال عبد الرحمن: "هذه توصيات صممت لاستدامة الحرب لا لإحلال السلام".
من جانبها، قدّمت حركة "الإصلاح الآن" ورقة عمل ركزت على مفهوم " السلام المستدام"، غير أن مراقبين وصفوا هذا الطرح بأنه "سلام بشروط الحرب"، القائم على احتكار الدولة للقوة وفق رؤية تتطابق مع خطاب المؤتمر الوطني ودعاة استمرار القتال، وترفض أي تسوية تُعيد المسار المدني الديمقراطي.
الهروب من التصنيف
يرى مراقبون أن تحرك كوالالمبور يأتي في سياق محاولة الالتفاف على التداعيات الدولية لتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية في عدة دول، عبر ما يُعرف بـ"الشبكات الرمادية"، وهي استراتيجية تقوم على تفكيك التنظيم الصريح والتحول إلى واجهات سياسية ومدنية يصعب ملاحقتها قانونياً.
ويؤكد بروز اسم طارق حمزة، المرتبط بعلي كرتي، أن الوجوه المشاركة ليست سوى أذرع لقرار مركزي واحد يعمل خلف عناوين متعددة.
في المحصلة، تسعى القوى الإسلامية، عبر ورش "بروميديشن"، إلى الخروج بجبهة موحّدة لمعسكر الحرب، بما يضمن إطالة أمد النزاع بوصفه رافعة سياسية أخيرة. هدفٌ يراه مراقبون محاولة صريحة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وفتح الطريق أمام عودة الإسلاميين إلى الحكم بصورة كاملة، مهما كانت كلفة ذلك على السودان ومستقبله.
المصدر:
سكاي نيوز