قد يبدو كوب القهوة أو الحليب أو العصير جزءا عاديا من الروتين اليومي، لكن تناوله مع بعض الأدوية قد يغيّر كمية الدواء التي تصل إلى الدم، فيقلل فاعليته أو يرفع تركيزه ويزيد احتمال ظهور آثار جانبية.
ولا يعني ذلك أن هذه المشروبات ضارة في ذاتها أو أن جميع الأدوية تتأثر بها بالطريقة نفسها، إذ يعتمد التداخل على المادة الفعالة ونوع المشروب وكميته وتوقيت تناوله، إلى جانب عوامل فردية تختلف من شخص إلى آخر.
وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن بعض الأطعمة والمشروبات يمكن أن تؤثر في طريقة عمل الأدوية، لذلك تعد معرفة تعليمات تناول العلاج جزءا أساسيا من استخدامه بأمان.
يقول الصيدلي بمستشفى الجفيري للتشخيص والعلاج في قطر، أحمد جودة، إن التداخل بين المشروبات والأدوية قد يحدث بعدة طرق، من بينها تقليل امتصاص الدواء من الجهاز الهضمي أو زيادته، أو التأثير في الإنزيمات المسؤولة عن تكسيره داخل الجسم.
ويضيف جودة، للجزيرة نت، أن النتيجة قد تسير في اتجاهين متعاكسين؛ فقد تصل كمية أقل من الدواء إلى الدم فتتراجع فاعليته، أو يرتفع تركيزه بما يزيد احتمال الآثار الجانبية.
وتزداد أهمية الانتباه إلى هذه التداخلات لدى الأشخاص الذين يتناولون عدة أدوية في الوقت نفسه، أو علاجات تحتاج إلى الحفاظ على مستويات محددة منها في الدم.
يعد عصير الجريب فروت من أشهر الأمثلة على تداخل المشروبات مع الأدوية.
وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أنه يمكن أن يؤثر في إنزيم يعرف باسم (CYP3A4)، يوجد في الأمعاء ويسهم في تكسير عدد من الأدوية قبل وصولها إلى الدورة الدموية.
وعندما ينخفض نشاط هذا الإنزيم، قد تصل كمية أكبر من بعض الأدوية إلى الدم، ما قد يرفع خطر آثارها الجانبية.
وتشمل الأدوية التي قد تتأثر بالجريب فروت بعض أدوية خفض الكوليسترول وضغط الدم، وبعض مثبطات المناعة المستخدمة بعد زراعة الأعضاء، إلى جانب أدوية معينة لاضطراب نظم القلب والقلق.
لكن هذا التفاعل لا يشمل جميع الأدوية داخل هذه الفئات، لذلك لا يصح مثلا اعتبار كل أدوية الضغط أو الكوليسترول غير متوافقة مع الجريب فروت.
وأشار جودة إلى أن دواءين يستخدمان لعلاج المشكلة الصحية نفسها قد يختلفان تماما في تفاعلهما مع المشروب، ولذلك ينبغي النظر إلى المادة الفعالة وليس إلى اسم المجموعة الدوائية فقط.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة (Clinical Pharmacology & Therapeutics) حول تأثير عصير الجريب فروت في دواء سيمفاستاتين أن تأثير تناول كمية كبيرة من العصير ظل ملحوظا عند أخذ الدواء بعد 24 ساعة، ما يعني أن الفصل بين الاثنين لساعات قليلة قد لا يكون كافيا في بعض الحالات.
ولهذا توصي تعليمات الدواء بتناوله مع الماء بدلا من عصائر الفاكهة.
ويكشف هذا المثال أن تداخل المشروب والدواء لا يسير في اتجاه واحد، فقد يرفع تركيز الدواء في بعض الحالات، بينما يخفض الكمية التي يمتصها الجسم في حالات أخرى.
الحليب أيضا ليس المشروب المناسب لكل دواء. فالكالسيوم الموجود في الحليب ومنتجات الألبان قد يرتبط ببعض الأدوية داخل الجهاز الهضمي، مما يقلل امتصاصها.
وأوضح جودة أن من أشهر الأمثلة مضاد تتراسيكلين الحيوي، إذ يمكن أن يقلل الحليب ومنتجات الألبان امتصاصه، وهو ما قد يؤثر في فاعليته.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية لأن بعض أدوية عائلة التتراسيكلينات تستخدم في علاج حالات شائعة، منها حب الشباب. وقد يتأثر أيضا امتصاص المضاد الحيوي سيبروفلوكساسين عند تناوله مباشرة مع الحليب أو منتجات الألبان.
وتوصي خدمة الصحة الوطنية البريطانية بالفصل ساعتين على الأقل بين سيبروفلوكساسين ومنتجات الألبان أو المشروبات المدعمة بالكالسيوم عند تناولها منفردة، لكن ذلك لا يعني أن جميع المضادات الحيوية تتأثر بالحليب بالطريقة نفسها.
تمثل القهوة مثالا آخر على تأثير المشروبات في امتصاص بعض الأدوية، وخصوصا دواء ليفوثيروكسين المستخدم لعلاج قصور الغدة الدرقية.
وأظهرت مراجعة منهجية نشرتها مجلة (Pharmaceuticals) عام 2021 أن القهوة، إلى جانب الكالسيوم والحديد وبعض الأطعمة والمكملات، قد تقلل امتصاص ليفوثيروكسين.
كما وجدت دراسة نشرتها مجلة (Thyroid) أن تناول أقراص الدواء مع القهوة خفض امتصاصها مقارنة بتناولها مع الماء، بينما تراجع هذا التأثير عندما شُربت القهوة بعد 60 دقيقة.
ويوضح ذلك أهمية الالتزام بالتوقيت الذي تحدده تعليمات الدواء، حتى مع مشروب شائع مثل القهوة.
يتداول البعض وصفة منزلية تقوم على تناول ما يعرف شعبيا بـ"البنادول الأخضر"، أي "بنادول كولد آند فلو"، مع الشاي والليمون عند الإصابة بنزلة برد، اعتقادا بأن المشروب يزيد فاعلية الدواء.
لكن لا توجد أدلة سريرية تثبت أن تناول الدواء مع الشاي والليمون يجعله أكثر فاعلية في علاج نزلات البرد. وقد يكون الشعور بالتحسن مرتبطا بالمشروب الساخن نفسه.
فقد وجدت دراسة نشرتها مجلة (Rhinology) وشملت 30 مصابا بالبرد أو الإنفلونزا أن تناول مشروب ساخن حسّن بصورة مؤقتة الشعور باحتقان الأنف والسعال والتهاب الحلق وعددا من الأعراض، من دون أن يظهر تحسنا موضوعيا في تدفق الهواء عبر الأنف.
كما أظهرت مراجعة في (Cochrane Database of Systematic Reviews) أن إضافة 100 مليغرام أو أكثر من الكافيين إلى جرعة معتادة من بعض المسكنات، ومنها الباراسيتامول، أدت إلى تحسن محدود في تسكين الألم لدى بعض الأشخاص.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن كوب الشاي يزيد تحديدا فاعلية "بنادول كولد آند فلو"، فكمية الكافيين تختلف بين المشروبات، كما أن الدراسات تناولت تسكين الألم وليس علاج نزلات البرد نفسها.
ومن ثم، قد ينتج الشعور بأن الشاي والليمون مع الدواء "يعمل بصورة أفضل" من اجتماع تأثير الدواء مع الراحة المؤقتة التي يوفرها المشروب الساخن، وليس من زيادة قوة الدواء ذاته.
تحتوي مشروبات الطاقة عادة على الكافيين، إلى جانب مكونات أخرى ذات تأثيرات منبهة.
وخلصت مراجعة نشرتها مجلة (Pharmaceutics) عام 2021 إلى وجود تداخلات محتملة بين مكونات مشروبات الطاقة وعدد من الأدوية، مع الإشارة إلى محدودية بيانات السلامة طويلة المدى.
كما أشارت دراسات إلى أن مشروبات الطاقة قد تؤثر في ضغط الدم وبعض مؤشرات عمل القلب والأوعية الدموية.
لذلك تزداد أهمية الانتباه إلى استهلاكها لدى من يتناولون أدوية بانتظام، وخصوصا المصابين بأمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم.
قد يكون تداخل الكحول مع بعض الأدوية أكثر خطورة، خصوصا تلك التي تؤثر في الجهاز العصبي المركزي.
ويحذر المعهد الوطني الأمريكي لإساءة استخدام الكحول وإدمانه من الجمع بين الكحول والأدوية الأفيونية أو البنزوديازيبينات المستخدمة في بعض حالات القلق واضطرابات النوم، لأن تأثيرها المشترك قد يزيد تثبيط التنفس ويرفع خطر الجرعة الزائدة.
وينصح جودة بأن يكون الماء هو الخيار المعتاد لتناول الأقراص، ما لم تنص تعليمات الدواء على غير ذلك، وألا يستبدل به المريض الحليب أو العصير أو القهوة قبل التأكد من عدم وجود تداخل.
كما يشدد على أن اكتشاف وجود تداخل لا يعني إيقاف الدواء من تلقاء النفس، ففي بعض الحالات يكون الحل بالفصل زمنيا بين الدواء والمشروب، بينما تتطلب حالات أخرى تجنب المشروب أثناء فترة العلاج أو اختيار بديل بالتشاور مع الطبيب أو الصيدلي.
وتبقى القاعدة العملية عند بدء أي دواء جديد بسيطة: اسأل الطبيب أو الصيدلي إن كان هناك طعام أو مشروب ينبغي تجنبه، واقرأ تعليمات الدواء بعناية.
فكوب يبدو عاديا تماما قد لا يؤثر في دواء ما، لكنه قد يغيّر امتصاص دواء آخر أو تركيزه في الجسم بصورة تستحق الانتباه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة