تواجه المساعدات الإنسانية والإنمائية الموجهة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ضغطا غير مسبوق، لكن فجوات التمويل يمكن سدّها عبر فرض ضرائب على الأثرياء، بما قد ينقذ ملايين الأرواح، بحسب دراسة جديدة (المصدر باللغة الإنجليزية) . وقال لوتشيو إكسبوزيتو، كبير خبراء الاقتصاد في الدراسة وباحث في كلية الاقتصاد بجامعة "ICESI" وكلية التنمية العالمية بجامعة إيست أنغليا في المملكة المتحدة: "مع مواجهة الدول المانحة لتزايد مستويات المديونية وإعادة تخصيص الموارد على نحو متزايد لصالح الإنفاق العسكري، فإن تمويل المساعدات الإنسانية عبر فرض ضرائب على الثروات الكبيرة يعد من أكثر الاستراتيجيات قابلية للتطبيق". وتأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه المساعدات الدولية أكبر تراجع لها على الإطلاق.
وقد خُفضت المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) ــ وهي المساعدات الحكومية التي تستهدف دعم التنمية الاقتصادية والرفاه في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في مجالات مثل الصحة والصرف الصحي والتعليم والبنية التحتية ــ بنحو ربع قيمتها (المصدر باللغة الإنجليزية) ، إذ قلّص جميع المانحين الرئيسيين مساهماتهم في عامي 2024 و2025، مع توقعات بمزيد من الخفض بين 2025 و2026. ولهذه الاقتطاعات تبعات ملموسة؛ إذ تشير الدراسة إلى أنه إذا استمر تراجع تمويل المساعدة الإنمائية الرسمية بالمعدل الحالي، فقد يصل عدد الوفيات إلى 7,6 مليون حالة وفاة، بينها 1,4 مليون وفاة بين الأطفال دون سن الخامسة بحلول عام 2030. واعتمد الباحثون هذا السيناريو المتشائم بمثابة خط أساس للمقارنة مع مختلف سياسات إعادة توزيع الثروة.
في عالم يضم أكثر من 3.000 ملياردير، تبلغ قيمة ثرواتهم القياسية نحو 17,4 تريليون يورو (20,1 تريليون دولار)، بزيادة قدرها 3,46 تريليون يورو (4 تريليونات دولار) عن العام الماضي، تُظهر النماذج أن فرض ضريبة نسبتها ثلاثة في المئة على هذه الثروات ستكون له أكبر فاعلية متوقعة، إذ قد تؤدي إلى تجنب 29,5 مليون حالة وفاة بحلول عام 2030، بينما ترتبط ضريبة نسبتها واحد في المئة على الثروة بمنع 15,1 مليون وفاة. كما أظهرت الدراسة أن إجراءات أخرى تحقق أثرا كبيرا أيضا؛ ففرض ضريبة على المعاملات المالية، المعروفة غالبا باسم "ضريبة توبين"، يرتبط بتجنب نحو 24,5 مليون حالة وفاة، في حين يرتبط فرض حد أدنى عالمي للضريبة على الشركات متعددة الجنسيات التي تتجاوز إيراداتها 750 مليون يورو بتجنب قرابة 20,1 مليون وفاة. وقال الباحثون: "في عالم يتسم بتفاوتات شديدة ومتزايدة وبتركيز غير مسبوق للثروة، تُظهر نتائجنا إمكانات سياسات بديلة لإعادة توزيع الثروة ــ طُرحت في اتفاقات دولية رفيعة المستوى أخيرا لدعم التنمية العالمية ــ في التخفيف من الآثار السلبية لتراجع تمويل المساعدة الإنمائية الرسمية"، مع التأكيد على أن هذه أرقام نمذجية وليست تنبؤات قاطعة بعدد الوفيات التي ستقع أو سيجري منعها.
وحلّل فريق الدراسة بيانات من 59 بلدا منخفض الدخل وأخرى من الشريحة الدنيا للبلدان متوسطة الدخل خلال الفترة بين 2002 و2021، تمثل 3,9 مليار نسمة، ثم بنى نماذج تُظهر كيف يمكن لسياسات ضريبية مختلفة أن تعوّض التخفيضات المتوقعة في المساعدات حتى عام 2030. وقد طُبقت ضرائب على الثروة في عدد محدود من الدول؛ إذ أدخلت إسبانيا في عام 2022 "ضريبة تضامن على الثروة" تراوحت نسبها بين 1,7 في المئة و3,5 في المئة على الأفراد الذين تتجاوز صافي ثرواتهم 3 ملايين يورو، في حين ناقشت فرنسا فرض ضريبة نسبتها اثنان في المئة على الأفراد ذوي الثروات الفائقة الارتفاع، رغم أن مقترحا حديثا رُفض في مجلس الشيوخ. أما دول أخرى مثل السويد فقد طبقت ضريبة على الثروة طوال عقود قبل إلغائها في عام 2007.
واكتسبت ضرائب الثروة زخما سياسيا متجددا على المستوى الدولي، بما في ذلك بين بعض الأثرياء أنفسهم؛ ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مطلع هذا العام، دعا مئات أصحاب الملايين والمليارات من عشرات الدول الحكومات إلى زيادة الضرائب على "فاحشي الثراء". وقال دافيده راسيلا، الأستاذ في "ICREA" والباحث في معهد "ISGlobal" وصاحب فكرة الدراسة ومنسقها: "نعيش في عالم شديد اللا مساواة، حيث يراكم عدد محدود من الأفراد والشركات ثروات بوتيرة وحجم غير مسبوقين، بينما يستمر ملايين الأشخاص الأكثر هشاشة في الموت بسبب عدم حصولهم على تدخلات إنسانية أساسية، غالبا ما تكون منخفضة الكلفة". وأضاف: "تُظهر نتائجنا أن تنفيذ سياسات متواضعة نسبيا لإعادة توزيع الثروة، مثل تلك المقترحة في الاتفاقات الدولية الأخيرة، يمكن حرفيا أن ينقذ عشرات الملايين من الأرواح في السنوات المقبلة".
المصدر:
يورو نيوز