في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قفز سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 6.52 دولارات للغالون هذا الأسبوع، بزيادة تقارب 76% مقارنة بالعام الماضي، حين كان عند نحو 3.69 دولارات، لتتحول كلفة الوقود إلى مشكلة اقتصادية وسياسية متزايدة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي.
فالديزل لا يمثل مجرد بند في فاتورة الوقود الأمريكية، بل يدخل بصورة مباشرة في حركة الشاحنات والقطارات والآلات الزراعية ومعدات البناء وسلاسل نقل السلع. ومع ارتفاع تكلفته، تنتقل الضغوط من محطات الوقود إلى أسعار النقل والغذاء والمنتجات التي تصل إلى المستهلكين.
وفي محاولة لاحتواء الأسعار، تدرس إدارة الرئيس دونالد ترمب فرض حظر على صادرات الديزل لمدة 90 يوما، بحسب بوليتيكو، بما يسمح نظريا بالاحتفاظ بكميات أكبر داخل الولايات المتحدة.
وإذا نُفِّذ القرار، فسيكون أول قيد كبير على صادرات الطاقة الأمريكية منذ رفع الحظر الذي استمر عقودا على صادرات النفط الخام في 2015.
لكن هذه المعادلة التي تبدو مباشرة -تصدير أقل يعني معروضا محليا أكبر وأسعارا أقل- تصطدم بطريقة عمل سوق الوقود والمصافي الأمريكية. فالمشكلة الحالية لا تقتصر على كمية الديزل التي تغادر الولايات المتحدة، وإنما ترتبط بأزمة أوسع في طاقة التكرير وإمدادات الخام عالميا.
وتعرضت أسواق الوقود خلال الأشهر الماضية لسلسلة من الصدمات المتزامنة. فقد تراجعت تدفقات الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وتضررت مصاف في الشرق الأوسط، بينما استهدفت أوكرانيا مصافي روسية، وفرضت الصين قيودا متتالية على صادرات المنتجات النفطية المكررة، بالتزامن مع خفض اليابان و كوريا الجنوبية بعض الشحنات.
ونقلت فورين بوليسي عن سيرغي فاكولينكو من مركز "كارنيغي روسيا أوراسيا" قوله إن روسيا تواجه ضغوطا، وإن الوضع في الشرق الأوسط أشد، بينما تراجعت الإمدادات الصينية، ليخلص إلى أن ما تفتقر إليه السوق العالمية أساسا هو طاقة التكرير.
وهنا يظهر الفارق بين أزمة ناتجة عن التصدير وأخرى ناجمة عن محدودية القدرة على تحويل النفط الخام إلى وقود قابل للاستخدام. فحظر الصادرات يمكن أن يعيد توزيع إمدادات موجودة بالفعل، لكنه لا يضيف طاقة تكريرية جديدة.
والولايات المتحدة نفسها لا تمتلك مساحة كبيرة لزيادة الإنتاج سريعا. فقد ذكرت رويترز، استنادا إلى إدارة معلومات الطاقة، أن المصافي الأمريكية كانت تعمل عند نحو 94% من طاقتها، بينما وصفت وول ستريت جورنال مستويات التشغيل بأنها قريبة من الطاقة القصوى، بعد أن سجلت المصافي هوامش أرباح قياسية في الربع الثاني.
العقبة الثانية أمام الحظر أكثر تعقيدا. فالمصفاة لا تنتج الديزل بمعزل عن بقية أنواع الوقود، وإنما تحول البرميل نفسه إلى مزيج من الديزل والبنزين ووقود الطائرات ومنتجات أخرى بنسب مترابطة نسبيا.
وهذا يعني أن منع تصدير الديزل قد يؤدي في البداية إلى زيادة المعروض المحلي، لكنه قد يخلق لاحقا فائضا لا تستطيع المصافي تخزينه.
وحذر وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت من أنه إذا لم تتمكن المصافي من تصدير الديزل، فستمتلئ أماكن التخزين، مما سيجبرها على خفض عمليات التكرير، وبالتالي تقليص إنتاج البنزين ووقود الطائرات إلى جانب الديزل. ووصف رايت الحظر بأنه أداة غير دقيقة لا تحقق النتيجة المرجوة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة أكبر مصدر للديزل في العالم.
ومن هنا تنشأ المفارقة. فالسياسة التي تستهدف تخفيف أسعار الوقود يمكن أن تدفع المصافي إلى إنتاج كميات أقل من البنزين.
ولا يعني ذلك أن الحظر لن يخفض أسعار الديزل إطلاقا. إذ تشير بوليتيكو إلى أن وقف الصادرات قد يعيد، في الأجل القصير، شحنات كانت متجهة إلى أوروبا وآسيا إلى السوق المحلية، بما يخفض الأسعار في بعض المناطق، خصوصا ساحل الخليج الذي يضم الجزء الأكبر من طاقة التكرير الأمريكية.
لكن بوب مكنالي، رئيس رابيدان إنرجي غروب والمستشار السابق للبيت الأبيض، قال لفورين بوليسي إن ساحل الخليج قد يشهد انخفاضا مؤقتا في الأسعار، مقابل ارتفاع محتمل في مناطق ساحلية أخرى، قبل أن تظهر تكاليف أعلى على نطاق أوسع إذا تضررت الاستثمارات.
وتوضح تقديرات "إس آند بي غلوبال" حجم المفاضلة بصورة أكبر. فالحظر الكامل لصادرات الديزل قد يترك المصافي أمام كميات لا تستطيع تخزينها، ويجبرها على خفض عمليات التكرير بنحو مليوني برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 12% من إجمالي تشغيل المصافي الأمريكية.
وبسبب إنتاج عدة أنواع من الوقود من العملية التكريرية نفسها، قد ينخفض إنتاج البنزين بما يصل إلى 750 ألف برميل يوميا.
ونقلت وول ستريت جورنال عن محللين تقديرات بأن ذلك قد يضيف نحو 25 سنتا إلى سعر غالون البنزين، الذي يبلغ متوسطه حاليا 4.47 دولارات، بحسب البيانات التي أوردتها فورين بوليسي.
وبذلك تصبح المعادلة أكثر تعقيدا من مجرد إبقاء الديزل داخل البلاد. فقد ينخفض سعر الديزل في بعض المناطق مؤقتا، مقابل خسارة جزء من إنتاج البنزين ووقود الطائرات وارتفاع أسعارهما لاحقا.
ويزيد حجم صادرات الديزل الأمريكية حساسية القرار. فقد قدرت فورين بوليسي الصادرات بنحو 1.4 مليون برميل يوميا، بينما ذكرت نيويورك تايمز، استنادا إلى إدارة معلومات الطاقة، أنها تجاوزت 1.6 مليون برميل يوميا خلال الأسابيع الأخيرة، مقارنة بنحو 1.1 مليون برميل قبل اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط.
ولا تعكس هذه الزيادة وفرة استثنائية في السوق الأمريكية بقدر ما تعكس الدور الذي أصبحت الولايات المتحدة تلعبه في سد النقص العالمي.
فبحسب معهد البترول الأمريكي، توفر الولايات المتحدة نحو 20% من قرابة 8 ملايين برميل من الديزل يتم تداولها بحرا يوميا، مما يجعل تقليص صادراتها مؤثرا في سوق عالمية تعاني أصلا شح الإمدادات.
وفي المقابل، لم تمنع الصادرات القياسية تراجع المخزونات الأمريكية. فقد توقعت إدارة معلومات الطاقة هذا الشهر انخفاض مخزونات الديزل إلى أقل من 100 مليون برميل، بعدما لامست أدنى مستوياتها في 5 سنوات خلال 2025.
ويستند قطاع النفط إلى هذه الأرقام للقول إن المشكلة لا يمكن اختزالها في خروج الوقود من الولايات المتحدة. وقال مايك سومرز، رئيس معهد البترول الأمريكي، إن ارتفاع تكاليف الديزل يعود إلى اضطراب غير مسبوق في طاقة التكرير العالمية، وإن تقييد صادرات الطاقة الأمريكية سيزيد المشكلة تعقيدا.
وتوجد عقبة أخرى مرتبطة بطبيعة قطاع التكرير الأمريكي. فالنفط الصخري الذي تنتجه الولايات المتحدة خفيف ومنخفض الكبريت في الغالب، بينما صممت أجزاء كبيرة من منظومة التكرير لمعالجة خامات أثقل وأكثر احتواء على الكبريت.
وبحسب فورين بوليسي، فإن القيود التجارية يمكن أن تزيد المنافسة على أنواع الخام الثقيلة التي تحتاجها المصافي أو تدفعها إلى استخدام خامات أقل ملاءمة، بما يرفع التكلفة ويخفض الكفاءة.
لكن الحساب الاقتصادي ليس العامل الوحيد في القرار. فارتفاع الديزل أصبح قضية انتخابية، خصوصا في الولايات الزراعية التي تعتمد بصورة كبيرة على الوقود في تشغيل المعدات ونقل المنتجات.
وبحسب بوليتيكو، تصاعد الضغط بعد أن قال السيناتور الجمهوري تشاك غراسلي عن ولاية أيوا إن أسعار الديزل المرتفعة تضر بدخول المزارعين، مما دفع عددا من الجمهوريين في الولايات الزراعية إلى المطالبة بتحرك سريع.
وقالت النائبة آشلي هينسون، التي تخوض سباقا تنافسيا لمجلس الشيوخ في أيوا، إن سكان الولاية يتعرضون لضغوط، ولا ينبغي أن يتحملوا تكلفة الحرب في إيران، سواء عند مضخات الوقود أو متاجر التجزئة. ووصفت رويترز أزمة الديزل بأنها أصبحت جزءا من تحد سياسي أوسع للحزب قبل انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
واللافت أن المعارضة للحظر تمتد إلى داخل الإدارة نفسها. فقد ذكرت بوليتيكو أن وزير الطاقة كريس رايت ووزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الداخلية دوغ بورغوم عارضوا الحظر الكامل.
كما وقّعت 36 جهة اقتصادية وصناعية رسالة تعارض القيود، بينها معهد البترول الأمريكي ورابطة مصنعي الوقود والبتروكيماويات الأمريكية وبيزنس راوندتيبل وغرفة التجارة الأمريكية.
وقال دان إيبرهارت، الرئيس التنفيذي لشركة خدمات حقول النفط كناري وأحد المتبرعين لترمب، لوول ستريت جورنال إن الشركات الأمريكية استثمرت كثيرا في بناء أسواق خارجية، وإن الحظر سيرسل إشارة خاطئة إلى هؤلاء العملاء.
ولا تنتهي الحسابات عند المستهلك الأمريكي. فخروج الولايات المتحدة، ولو مؤقتا، من جزء كبير من تجارة الديزل العالمية يمكن أن يزيد الأسعار في الأسواق الأخرى.
وحذر ديفيد أوكسلي، كبير اقتصاديي المناخ والسلع في كابيتال إيكونوميكس، من أن الحظر سيزيد الضغوط الحادة القائمة في سوق الديزل العالمية ويدفع الأسعار خارج الولايات المتحدة إلى الارتفاع على المدى القصير، بينما قد ينتهي بنتائج عكسية داخل البلاد.
كما أن ارتفاع أسعار الوقود عالميا يمكن أن يعود إلى الولايات المتحدة عبر زيادة تكاليف السلع المستوردة والنقل الدولي.
وهناك أيضا احتمال اتخاذ دول أخرى إجراءات مقابلة. وبحسب التقرير، حذر وزير الداخلية دوغ بورغوم من أن بعض الدول المصدرة قد ترد بإجراءات تحد من إمدادات الوقود إلى الولايات المتحدة، وهو خطر أكبر بالنسبة إلى المناطق التي تعتمد على الواردات، مثل الساحل الغربي.
يضيف احتمال التدخل المباشر في الصادرات عنصرا آخر من عدم اليقين بالنسبة إلى شركات الطاقة. فحتى إذا حددت الإدارة مدة الحظر بـ90 يوما، يخشى القطاع من إمكانية تمديده أو استخدامه سابقة لتدخلات مستقبلية في أسواق الطاقة.
وتشير فورين بوليسي إلى تجربة التدخل الحكومي في أسواق الطاقة خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما ارتبطت الرسوم وضوابط الأسعار وإدارة الأسواق بنقص في الإمدادات، قبل أن تغير ثورة النفط والغاز الصخري موقع الولايات المتحدة في السوق العالمية.
ونقلت بوليتيكو عن مستشار خارجي تحذيره من أن القيود التي تبدأ بوصفها مؤقتة يمكن تمديدها مرارا، بينما يتمثل الخوف الأوسع للصناعة في أن ارتفاع المخاطر التنظيمية قد يقلل الحافز على الاستثمار في طاقة التكرير.
وهنا تظهر مفارقة إضافية. فارتفاع هوامش التكرير يعطي الشركات، في الظروف الطبيعية، حافزا لإنتاج أكبر كمية ممكنة من الوقود، بينما قد يؤدي إغلاق أسواق التصدير إلى تقليص هذا الحافز في اللحظة التي تحتاج فيها السوق إلى مزيد من الإمدادات.
في المحصلة، ترتبط أزمة الديزل الأمريكية بنقص أوسع في طاقة التكرير العالمية، مع اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا وتراجع صادرات المنتجات المكررة من آسيا، بينما تعمل المصافي الأمريكية قرب طاقتها القصوى.
وقد يخفض حظر الصادرات أسعار الديزل مؤقتا في بعض المناطق، لكنه لا يعالج نقص الخام أو محدودية التكرير، وقد يدفع المصافي إلى خفض الإنتاج إذا تراكمت لديها كميات لا تستطيع تصديرها.
كما أن عامل الوقت لا يعمل بالضرورة لمصلحة الحظر. فقد قال جيم ميتشل، مدير تحليلات تجارة النفط في وود ماكنزي، لنيويورك تايمز إنه حتى مع استخدام سلطات الطوارئ، لا توجد آلية تخفض أسعار الديزل خلال أسبوع واحد. ولهذا طرح وزير الطاقة كريس رايت ترتيبا طوعيا لإعادة توجيه تدفقات الديزل بدلا من الحظر الشامل.
وتواجه الإدارة بذلك معادلة صعبة قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، بين الضغط للتحرك أمام أسعار قياسية، ومخاطر أن يؤدي الحظر لاحقا إلى خفض تشغيل المصافي وإنتاج البنزين ووقود الطائرات، وزيادة الضغوط على الأسعار والاستثمار.
ويبقى السؤال ما إذا كان إبقاء مزيد من الديزل داخل الولايات المتحدة سيخفض الأسعار فعلا، أم سيعيد توزيع النقص مؤقتا قبل أن تعود تكلفته إلى المستهلك الأمريكي في صورة أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة