كشفت النتائج الأولية لمسح صحة الأسرة المصرية 2025، الذي يجريه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن تراجع ملحوظ في معدل الإنجاب لدى الفتيات أقل من 20 عامًا، إذ سجل المعدل نحو 34.6 مولودًا لكل ألف سيدة في هذه الفئة العمرية، مقابل 50 مولودًا لكل ألف سيدة عام 2021، بانخفاض يقترب من 31% خلال أربع سنوات.
ويعكس هذا التراجع تغيرات ملحوظة في خريطة الزواج والإنجاب بين الفتيات في مصر، في ظل ارتفاع سن الزواج، وزيادة معدلات التعليم بين الفتيات، إلى جانب تنامي الوعي بمخاطر الحمل المبكر واتساع نطاق خدمات تنظيم الأسرة والرعاية الصحية.
ويرى خبراء في علم الاجتماع والنساء والتوليد والدراسات السكانية أن انخفاض معدلات الإنجاب بين المراهقات لا يرتبط بعامل واحد، وإنما جاء نتيجة مجموعة متداخلة من التغيرات الاجتماعية والتعليمية والصحية، التي دفعت قطاعات من الأسر والفتيات إلى تأجيل الزواج والإنجاب إلى مراحل عمرية أكبر، خاصة مع ارتفاع تكلفة الزواج وتغير نظرة الأسر إلى تعليم الفتيات وعملهن، فضلًا عن زيادة الوعي بالمخاطر الصحية والاجتماعية المرتبطة بالحمل في سن مبكرة.
وقالت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع، إن ارتفاع سن الزواج يعد أحد العوامل المهمة التي يمكن أن تفسر تراجع معدلات الإنجاب لدى الفتيات الأقل من 20 عامًا، موضحة أن التغيرات التي طرأت على المجتمع خلال السنوات الأخيرة ساهمت في الحد من ظاهرة الزواج المبكر في بعض الفئات، وأصبحت الأسرة أكثر ميلًا إلى استكمال الفتاة تعليمها قبل الزواج.
وأضافت أن إتاحة فرص أكبر أمام الفتيات للعمل والمشاركة في النشاط الاقتصادي تمثل عاملًا آخر في تأجيل الزواج، خاصة في الأسر التي تعتمد بدرجة ما على دخل الفتاة أو ترى أن استمرارها في العمل يمكن أن يساعدها في الاستعداد للزواج وتحمل تكاليفه. وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف الزواج وتجهيزات المنزل قد يدفع الفتاة إلى الاستمرار في التعليم أو العمل لفترة أطول قبل الانتقال إلى مرحلة الزواج، وهو ما ينعكس بالتبعية على توقيت الحمل والإنجاب.
وأوضحت أستاذ علم الاجتماع أن التغير لم يعد مرتبطًا فقط بقرار الزواج، وإنما امتد أيضًا إلى توقيت الإنجاب بعد الزواج، نتيجة زيادة وعي الأسر والفتيات بالمخاطر الصحية التي قد تصاحب الحمل في سن مبكرة. وأصبح من الممكن أن تؤجل بعض الأسر الحمل إلى ما بعد بلوغ الفتاة سن العشرين، خصوصًا مع توافر المعلومات المتعلقة بالصحة الإنجابية، ومخاطر الحمل المبكر وضرورة المتابعة الطبية.
من جانبها، قالت الدكتورة مي رمضان، طبيبة النساء والتوليد، إن تراجع معدلات الإنجاب لدى المراهقات يرتبط بعدد من العوامل، يأتي في مقدمتها العوامل الاجتماعية والتعليمية، موضحة أن ارتفاع مستوى التعليم بين الفتيات، وتشجيع الأسرة على استكمال الدراسة، من الأسباب التي تؤدي إلى تأخير الزواج وبالتالي تأخير الحمل والإنجاب.
وأضافت أن وعي الأمهات داخل الأسرة يمثل عنصرًا مهمًا في هذا التغير، خاصة أن الأسرة تلعب دورًا أساسيًا في تحديد توقيت الزواج والحمل بالنسبة للفتيات. فكلما ارتفع مستوى الوعي بالمخاطر الصحية للحمل في سن مبكرة، أصبح الاتجاه إلى تأجيل الحمل أكثر وضوحًا، إلى جانب أهمية الحصول على المشورة الطبية والمتابعة داخل وحدات الرعاية الصحية.
وأشارت إلى أن الزواج المبكر، وكذلك بعض حالات الزواج غير الموثق، يظل أكثر انتشارًا في بعض البيئات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يجعل معدلات الإنجاب بين الفتيات الأقل من 20 عامًا غير متساوية بين جميع الفئات والمناطق. وأكدت أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى استمرار خدمات الرعاية الصحية الأولية وتنظيم الأسرة، إلى جانب التوعية بالصحة الإنجابية وتقديم المشورة للفتيات والأسر.
ولفتت طبيبة النساء والتوليد إلى أن تفسير تراجع الإنجاب لدى المراهقات من خلال توافر وسائل منع الحمل فقط لا يعكس الصورة كاملة، إذ إن قرار الزواج نفسه والعوامل الاجتماعية والثقافية المحيطة بالأسرة والفتاة تلعب دورًا أساسيًا في تحديد توقيت الحمل. وبالتالي فإن تغير سن الزواج واستمرار الفتيات في التعليم، إلى جانب تغير نظرة الأسرة إلى الزواج والإنجاب، تعد من العوامل المؤثرة في انخفاض المعدلات.
ويتفق ذلك مع ما يراه أكرم الألفي، الباحث في السكان، الذي أرجع جانبًا مهمًا من تراجع معدلات الإنجاب لدى الفتيات إلى زيادة الوعي بتنظيم الأسرة، وارتفاع معدلات تعليم الإناث، إلى جانب الجهود التي تبذلها الدولة لتوفير وسائل تنظيم الأسرة، خاصة في المناطق الريفية.
وأوضح أن التوسع في إتاحة وسائل تنظيم الأسرة، إلى جانب جهود المجلس القومي للسكان في نشر التوعية وتحسين الوصول إلى الخدمات، ساعد الأسر على التعامل بصورة أكثر وعيًا مع توقيت الحمل والإنجاب. كما أن ارتفاع أعداد الفتيات الملتحقات بالتعليم الجامعي يعكس تحولًا اجتماعيًا له تأثير مباشر على توقيت الزواج والإنجاب.
وأشار إلى أن نسبة الطالبات في الجامعات أصبحت مرتفعة، إذ تتجاوز نسبة الإناث 49% من إجمالي طلاب الجامعات، وتقترب من 51% في الجامعات الحكومية، مع وجود أكثر من مليون ونصف المليون طالبة جامعية، وفق البيانات التي يستند إليها. ويرى أن استمرار الفتيات في التعليم لفترة أطول يرفع من فرص تأجيل الزواج والإنجاب، كما يمنح المرأة بعد الزواج قدرة أكبر على التعامل مع خدمات تنظيم الأسرة واتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن توقيت الحمل.
وبحسب الباحث السكاني، فإن التعليم لا يؤثر فقط على سن الزواج، وإنما يمتد تأثيره إلى السلوك الإنجابي بعد الزواج، إذ ترتفع قدرة المرأة الأكثر تعليمًا على الحصول على المعلومات الصحية والاستفادة من خدمات تنظيم الأسرة، وهو ما قد يؤدي إلى تأجيل الحمل الأول إلى ما بعد سن العشرين، وبالتالي انخفاض معدل الإنجاب في الفئة العمرية الأقل من 20 عامًا.
ويرى الألفي أن استمرار هذه العوامل يمكن أن يدفع معدل الإنجاب لدى المراهقات إلى مزيد من التراجع خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار التوسع في خدمات تنظيم الأسرة وزيادة الوعي الصحي وارتفاع معدلات تعليم الفتيات.
وفيما يتعلق بتأثير الظروف الاقتصادية على تراجع الإنجاب بين المراهقات، يرى الباحث السكاني أن العامل الاقتصادي لا يمكن اعتباره السبب الرئيسي وراء الانخفاض، موضحًا أن البيانات تشير إلى أن معدلات الإنجاب لدى الفتيات الأقل من 20 عامًا تتركز بصورة أكبر بين الفئات الأكثر فقرًا والأقل تعليمًا، وهي الفئات التي ترتفع لديها احتمالات الزواج المبكر مقارنة بالفئات الأكثر تعليمًا.
وأضاف أن تأثير الظروف الاقتصادية يظهر بصورة مختلفة لدى الطبقة الوسطى وسكان المناطق الحضرية، حيث يمكن أن تؤدي تكاليف الزواج وارتفاع متطلبات تكوين الأسرة إلى تأجيل الزواج والإنجاب إلى أعمار أكبر، قد تتجاوز 25 عامًا أو تمتد إلى ما بعد الثلاثين في بعض الحالات، أما الإنجاب في سن أقل من 20 عامًا، فيظل أكثر ارتباطًا بالبيئات الريفية والفئات الأكثر فقرًا والأقل حصولًا على التعليم.
المصدر:
المصري اليوم