في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تأتي لحظات تاريخية فارقة يتوقف عندها الزمن لإعادة فحص الأسس الأخلاقية والمعرفية للعالم، وهو ما تجسده غزة اليوم كمرآة كاشفة تعيد ترتيب أولويات الفكر الإنساني وتضع شعارات الحضارة الغربية تحت مجهر النقد الوجودي. وفي هذا السياق، يأتي كتاب "ما بعد الهمجية: غزة، والإبادة، ووهم الحضارة الغربية" للمفكر الإيراني حميد دباشي، كصرخة فكرية تعتبر غزة "نقطة الصفر" لتاريخ ما بعد نهاية العالم، حيث ينكشف العوار الأخلاقي لـ"الحضارة الغربية" وتُدفن ادعاءاتها بسلطتها الأخلاقية إلى الأبد.
في هذا الحوار، تستضيف "الجزيرة" المفكر حميد دباشي، أستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن بجامعة كولومبيا، لنبحر معه في ثنايا أطروحته التي تفكك "المركزية الأوروبية" وتعرّي انحياز أقطاب الفلسفة الغربية. يطرح دباشي رؤية جذرية تعتبر إسرائيل "التجسيد المادي للاستعمار"، ويدعو إلى تأسيس معرفة جديدة تنطلق من تحت أنقاض غزة، مخاطباً "الأغلبية العالمية" في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومُعلناً تحرر الذات المفكرة من الوصاية الفلسفية الغربية.
مبعث استشهادي بسورة "الزلزلة" في مطلع كتابي، هو أمر في غاية البساطة؛ ذلك أن هول الفاجعة وما تخلّفه (النكبة) المستمرة في فلسطين يرجّ كينونتنا البشرية من جذورها. وبحكم كوني مسلماً، فإني في غمرات القلق الوجودي العميق -وكشأن سائر المسلمين- ألوذ بذاكرة الأم والعائلة، ونستحضر الأوراد والذكر طلباً للسكينة والطمأنينة.
وعند الشروع في تأليف هذا الكتاب، وتحت وطأة الذهول من الرعب الذي يكابده الفلسطينيون، كانت سورة "الزلزلة" أول ما انقدح في ذهني، فاستغرقت في تلاوتها، ولا سيما خواتيمها: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. إن هذه الآيات، ورمزية (الزلزال) تحديداً، تجسّد بدقة ما نرقبه في غزة؛ فهو ليس مجرد صدع في الأرض، بل هو زلزال يزلزل أركان الإنسانية جمعاء.
ومن هنا غدت السورة ملاذي الروحي الذي أستمد منه الهدوء والسكينة لتهدئة روعي، مستحضراً من خلالها تلك اللحظات المقدسة في وعينا كبشر مسلمين، ونحن نواجه بالتفكير والكتابة مأساة الإبادة الجماعية في غزة.
رؤيتي لهذه الإبادة الجماعية التي يكابدها الفلسطينيون منذ أكثر من عامين، تكمن في كونها إبادة لم تَعرف حقيقة ما يُسمى بـ"وقف إطلاق النار". "وقف إطلاق النار" في ظل الواقع الحالي ليس سوى أضحوكة، إذ حصد الموت مئات الفلسطينيين عقِب هذا الوقف المزعوم. والمسألة هنا لا تقتصر على مؤازرة الغرب لإسرائيل، بل إن إسرائيل إنما تمارس فعلها ذاك نيابة عن الغرب؛ فلا انفصال بينهما البتة. إنها الهمجية الغربية الضاربة في أعماق التاريخ، منذ عهود الغزو الاستعماري للأمريكتين وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وهي حقائق وجب علينا مواجهتها بكل تجرد.
وفيما يخص ألمانيا تحديداً، يُشاع أن دعمها لإسرائيل نابع من "عقدة الذنب" حيال فظائع الهولوكوست، غير أن حجتي تذهب إلى نقيض ذلك تماماً. فما يقع في فلسطين اليوم ما هو إلا امتداد واستمرار لما اقترفه الألمان في الهولوكوست. فالهولوكوست لم يكن واقعة منبتة الصلة عما قبلها، بل سبقه تنكيل وإبادة ألمانية في أفريقيا، وتحديداً في ناميبيا. لذا، يتعين علينا استحضار الفظائع الألمانية والإبادة في أفريقيا ووضعها جنباً إلى جنب مع "الهولوكوست اليهودي" وأحداث غزة، كي تتجلى لنا الصورة في كمالها.
إنَّ المعرفةَ اليومَ ليست مجردَ تنظيرٍ يدوّي في رِحابِ الجامعاتِ الأمريكيةِ أو الحواضرِ الأوروبية. بل إنَّ المكان الحقيقيَّ الذي تُولَدُ فيه المعرفةُ هو غزة، ومن بين أشلاءِ الضحايا وتحت ركامها يجبُ أن يَنطلقَ كلُّ فكر
وحين تكتمل هذه الصورة، سنصل إلى ما وصفته حقا بـ"الزلزال الإبستيمي" (المعرفي)، حيث يغدو الغرب عارياً من أي سلطة أخلاقية. وعلى سبيل المثال، حين تناولت نيويورك تايمز (New York Times) في افتتاحيتها موقف الرئيس ترامب الذي غض الطرف عن مقتل جمال خاشقجي، كتبت مقالا تساءلت فيه: أين الغضب ومئات الصحفيين الفلسطينيين يُغتالون بيد إسرائيل؟. فما تمارسه نيويورك تايمز لتبرئة الساحة ليس سوى صدى لما تفعله الأجهزة الأمنية.
إن فحوى القول هو أننا بفضل هذا "الزلزال الإبستيمي" نقف اليوم على أعتاب فكر جديد يُعيد تعريف إنسانيتنا. إن المعرفة اليوم ليست مجرد تنظير مجرد يدوّي في أروقة إستوديوهات "الجزيرة"، ولا هي ترف فكري يُصاغ في رحاب الجامعات الأمريكية أو الحواضر الأوروبية. بل إن الموقع والمكان الحقيقي الذي تُولَد فيه المعرفة هو غزة، فواقعنا أثبت أنها مكان إنتاج المعرفة اليوم.
من غزة يجب أن ينطلق كل فكر، من بين أشلاء الضحايا الذين لا يُحصون، ومن تحت الركام الذي لا يزال يواري جثامين لا نعرف عددها الحقيقي بعد. لذا فإننا نقف اليوم على أعتاب نهج جديد في فهم هذا العالَم، استجابة لهذا "الزلزال الإبستيمي" (المعرفي).
لأن إسرائيل هي "الجوهر"؛ هي الجوهر المادي المتجسد لفكرة الغرب. لقد أرست دعائمها المملكة المتحدة، وتتعهد بقاءها اليوم الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، وليس ذلك نابعا من مروءة أو طيب معشر. إن إسرائيل هي خلاصة تاريخ الاستعمار ولبابه، وهي التعريف الحقيقي للغرب؛ فمعدن الغرب هو الاستعمار. لكن ماذا كنا نصنع قبل أهوال غزة؟ كنا نستغرق في قراءة كتب التاريخ، وصناعة الوثائقيات، وتدريس المناهج.
أما اليوم، وعلى مدار عامين ونيف، وعلى حساب دماء الفلسطينيين -ولا سيما النساء والأطفال- فقد غدا العالم أجمع بمثابة فيلم وثائقي حي يستعرض تاريخ الحضارة الغربية. هذا هو كنه الحضارة الغربية. ولهذا الغرض، أفردت فصلاً كاملاً لمناقشة أقطاب الفلسفة الأوروبية، من أمثال هيغل وإيمانويل كانط وليفيناس. فهؤلاء ليسوا مجرد عابرين، بل هم الواضعون لأسس الفلسفة الغربية. وقد كشفت في كتابي، بالحجة والبرهان، عن تلك العنصرية الجوهرية الضاربة في نسيج الفلسفة التي تنسب نفسها للغرب.
لذا حين وقّع الراحل يورغن هابرماس -وهو في ذاك الوقت عميد الفلاسفة الأوروبيين- مع اندلاع مجازر الفلسطينيين، على بيان يخلو من أي إشارة لإنسانية الضحايا أو لكونهم يُبادون بعشرات الآلاف، فإني -خلافاً للكثيرين- لا أرى في موقفه تناقضاً؛ بل أرى هابرماس متسقاً تماماً مع ذاته. فنحن -أنا وأنت يا عثمان وأمثالنا وأمهاتنا وإخواننا- لا وجود لنا في المخيال الفلسفي لهؤلاء؛ فنحن بالنسبة لهم مجرد "عامل إزعاج". ولا يقتصر الأمر على كوننا عرباً أو مسلمين، بل ينسحب على الأفارقة والآسيويين وشعوب أمريكا اللاتينية؛ فحيواتنا لا قيمة لها عندهم.
وعليه فإن محاولة التفتيش عن نفاق في الحضارة والفلسفة الغربية هي محاولة يعتريها القصور؛ فهم ليسوا "إنسانيين" كما يزعمون، بل هم "قبليون" بامتياز. الحياة الوحيدة التي تستحق الاكتراث لديهم هي حيوات الأوروبيين والبيض. وهذا ما يفسر تلك الضجة الصاخبة لمقتل 10 أو 20 شخصا في أوكرانيا، حيث فتح الأوروبيون صدورهم للأوكرانيين، بينما أوصدوها أمام الفلسطينيين. بل إنهم يمضون إلى أبعد من ذلك، بحرصهم على أن تُسفك دماء المزيد من الفلسطينيين بيد إسرائيل، ويساهم الجيش البريطاني في ذلك عبر مهام الاستطلاع وبوساطة القنابل الأمريكية. إنها مواجهة وجودية محتدمة بين عالمين.
تتجلى أهمية فلسطين في بُعدين متلازمين؛ فهي أولاً وقبل كل شيء حقيقة مادية قائمة، وهي -كما أصفها دوماً- جرح غائر لا ينفك ينزف، والفلسطينيون هم من يتجرعون مرارة هذا النزيف. ومع ما نكنّه من حب وإعجاب لصمودهم الأسطوري ومقاومتهم الباسلة، إلا أنه لا ينبغي لهذا الإعجاب أن يصرف أبصارنا عن الثمن الباهظ الذي يكابدونه.
ويحضرني هنا صديق لي في الدوحة يُدعى محمد، فَقَدَ ما يربو على 30 أو 40 فردا من عائلته المباشرة؛ من إخوة وأخوات وأبناء عمومة وأصهار، بينما يعيش هو مع أسرته في الدوحة. إن هذا الثمن الفادح هو ما يدفعه الفلسطينيون في سبيل وطنهم. ففلسطين -في جوهرها- واقع مادي متمثل في وطن محتل، وشعب يذود عن حياضه طلباً للاستقلال.
وفي الوقت ذاته، تغدو فلسطين استعارة كبرى لظاهرة أعم وهي الاستعمار الغربي؛ فما تقترفه إسرائيل اليوم هو صدى لما فعله الفرنسيون في الجزائر، والبريطانيون في الهند، والبلجيكيون في الكونغو، والأمريكيون في فيتنام. وفي الأحوال العادية، حين نروم التعرف على جرائم الاستعمار في الجزائر أو الهند، فإننا نلوذ ببطون الكتب، أو نرقب فيلما وثائقيا، أو نُعد قائمة بالمراجع والمواد العلمية، كما تفعل قناة الجزيرة حين تكرس مواردها لإنتاج وثائقياتها.
بيد أننا الآن، وفي خضم الإبادة الجماعية المستعرة في غزة منذ أكثر من عامين، غدونا نستفتح صباحنا بفتح هواتفنا لنتصفح صوراً تنبض بالواقع المرير؛ وذلك على الرغم من سعي صحيفة نيويورك تايمز وهيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) الحثيث لإخفاء الحقائق وتمويهها وتزييف الوقائع، بوصفهما وكيلين لـ"الهسبرة" (جهاز الدعاية الإسرائيلية)؛ إذ تمثل نيويورك تايمز فرعا أمريكيا لهذا الجهاز مهمته الوحيدة هي التعتيم والتقليل من شأن الكارثة لئلا يُدرك الناس جسامتها.
لم نعد ننتظر الجزيرة أو أي منبر مناصر للقضية الفلسطينية ليوافينا بتقرير مفصل. فبفضل هذه الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، غدا بمقدور مراهق فلسطيني واحدا في غزة أن يصور مقطعا مرئيا أو يلتقط صوراً لما يجري ويبثها إلى أرجاء المعمورة.
لقد حررتنا هذه الثورة من سطوة المؤسسات الإخبارية الكبرى، ووضعتنا في موقع يتيح لنا التوثيق الكامل؛ ذلك التوثيق الذي تسعى الهسبرة وعملاؤها في الغرب إلى استئصاله ومحوه من الذاكرة، عبر محاولات الاستحواذ على تيك توك وشراء سي بي إس نيوز لإنكار ما حدث. وهم يصمون كل ما يُقال بالزيف، بدعوى صدوره عن الدوحة أو قطر أو الجزيرة.
لذا، فإن غايتنا المنشودة هي مواصلة التوثيق، فهو ضرورة قصوى لاستخلاص الدروس التاريخية. والأهم من ذلك هو لجم إسرائيل ومنعها من الإفلات من العقاب. إن إسرائيل التي تعربد اليوم بمهاجمة إيران، وتعتدي على سوريا ولبنان واليمن، إنما تفعل ذلك بعقلية الكلب المسعور الذي يهاجم الجميع. غير أن لهذه الهجمات إستراتيجية خبيثة تهدف إلى تشتيت الأنظار عن قضية فلسطين. ومن هنا، وجب أن يظل الاهتمام العالمي مسلَّطاً على فلسطين، وألا ينصرف عنها أبداً.
"فلسطينُ اليوم هي بمثابةِ مَعرضٍ ومتحفٍ حيٍّ لتاريخِ العالمِ بأسرهِ طوالَ القرونِ الـ 5 الماضيةِ. فإذا أرادَ الجزائريون أو الهنودُ واللاتينيون استحضارَ مآسيهم الاستعمارية، فلا مفرَّ لهم من البدءِ بفلسطين."
ثمة سببان جوهريان لهذا الاختيار؛ أولهما أن غسان كنفاني بمدونته الأدبية ومواقفه السياسية وانتمائه للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبنتاجه الفني والروائي والقصصي والمسرحي، يمثل لي تجربة وجدانية عميقة نشأت عليها في ريعان شبابي. أما ثانيهما، فيعود إلى زيارتي لبيروت قبل سنوات، حيث قصدت مركز غسان كنفاني في مخيم مار إلياس للاجئين، وهناك التقيت بزوجته آني كنفاني.
وحين رغب صديقي، المخرج الوثائقي الإيطالي ماريو، في إخراج عمل جديد، شجعتُه على أن يقتفي أثر آني كنفاني وهي تُعِدُّ مسرحية لزوجها الراحل. لقد مكنتني هذه المناسبة من إحياء ذكرى غسان، لا بوصفه ثائراً فلسطينياً فحسب، بل بوصفه فناناً فذاً، وكيف أن استعادة فنِّه وإعادة تمثيله ما هو إلا امتداد لحضوره الخالد في الذاكرة.
إنني أشدد دوماً على ضرورة استحضار الرموز الفلسطينية الشامخة، من أمثال غسان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد، كلما اعتزمنا الحديث عن فلسطين. فهؤلاء الأعلام هم من شيدوا لنا أفقاً للتفكير في فلسطين بمصطلحات فلسطينية خالصة، بعيداً عن إقحام مفاهيم أو أفكار غريبة عن نسيج التاريخ الفلسطيني. بل إن المنطق يقتضي أن ينعكس هذا الأمر، إذ يتوجب علينا الانكباب على دراسة فلسطين وشخصياتها المحورية مثل غسان كنفاني، لكي ننهل منهم الحكمة التي تعلمنا كيف نُعيد قراءة العالم أجمع.
بكل تأكيد؛ ذلك أن فلسطين تمثل تجربة تاريخية تكثّف بوقائعها القرون الـ 5 الماضية في إيجاز بليغ. إنها الشهادة الحية والشاخصة على السجل الكامل للهمجية الأوروبية عبر أصقاع الأرض؛ من الأمريكتين إلى آسيا، ومن أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.
ومن هنا، تغدو ضرورة ملحة تلك القراءة المتأنية والمشاهدة الفاحصة للأفلام والقصائد والروايات الفلسطينية. فالتجربة الفلسطينية المتجذرة في نتاجهم الأدبي والفني -وإني لأستحضر هنا، على سبيل المثال، أعمال المصور طارق الغصين أو الفنانة منى حاطوم- تمنحنا مفردات معرفية جديدة لإعادة التفكير في هذا العالم. إنها مفردات تستمد صدقها من عمق التجربة الفلسطينية، وتعلّمنا في الوقت ذاته كيف نُبصر حقيقة العالم الذي نعيش فيه.
خير برهان على ذلك ما جرى مع صديقي وزميلي العزيز إسماعيل ناشف، الأستاذ بمعهد الدوحة وعالم الأنثروبولوجيا البارز. لقد سطّر كتابا بديعا باللغة العربية حول "صور موت الفلسطيني"، وحين تُرجم العمل مؤخراً إلى الفرنسية، أوصدت الرقابة في فرنسا الأبواب أمام نشره. فهل يُنتظر منا بعد ذلك أن نصدق أن فرنسا هي سادنة حرية التعبير؟ قطعاً لا، ليس حين يتصل الأمر بالفلسطينيين.
وإني هنا لا أصم الشعوب الأوروبية، إذ تشهد بلدانهم حراكاً شعبياً واسعاً ومناهضةً عارمةً لسياسات حكوماتهم. غير أن تلك الحكومات -باستثناءات قليلة كأيرلندا وإسبانيا- وتحديداً الحكومتين البريطانية والألمانية، هما المسؤولتان الرئيسيتان عن حجب الحقيقة عن العالم، ومنعه من إدراك الفظائع التي تقترفها إسرائيل نيابة عنهما بحق الفلسطينيين.
إن مسؤوليتنا التاريخية، والغاية التي من أجلها نسهر على الكتابة، هي إبقاء جذوة الذاكرة الفلسطينية متقدة؛ ذاكرة التجربة والتضحيات والإبادة الجماعية، لا لنحبسها في جدران المتاحف، بل لنجعل منها ركيزةً ومنطلقاً لنهج جديد في التفكير والرؤية والوجود.
هذا سؤال في غاية الأهمية. رغم أنني نبتُّ فكرياً في حقل أدورنو وهوركهايمر، إلا أنهما يعانيان من "قصر نظر" يحجب عنهما ما وراء الأفق الأوروبي. هما يريان "الهولوكوست" لكنهما يعميان عن الإبادة في أفريقيا كما أشار إيمي سيزير، ولقد ضبطتهما متلبسين بالانحياز لإسرائيل ضد مصر خلال العدوان الثلاثي؛ لأنهما لا يفكران إلا في حدود "قبيلتهما" ومصالحهما الأوروبية. هؤلاء ليسوا معصومين، ونحن نفضح زيفهم حين يقصياننا من دائرة الإنسانية.
الأمر ذاته ينسحب على هابرماس وإعادة إنتاجه للمركزية الأوروبية. مبعث نقدي لهابرماس يكمن في أن خيالي الأخلاقي ومسؤوليتي الفلسفية ليسا متجذرين في الغرب، بل أبدأ تفكيري دائماً من بين أنقاض غزة. لذلك، الفلسفة الغربية نصّبت نفسها وصياً على "الحقيقة الكونية"، بينما أطّرت فكر غيرهم عرقياً.
لقد حان الوقت لقلب الموازين وصياغة "أنثروبولوجيا للفلسفة الغربية"، نتعامل فيها مع أوروبا بوصفها "قبيلة" تخضع للدراسة، ونُخضع مؤسساتها لعدسة أنثروبولوجية تسبر أغوار العلة القابعة في عقولهم؛ كما حدث حين استماتت صحيفة "نيويورك تايمز" في التشكيك بهوية البطل السوري المسلم في حادثة سيدني للتهرب من إثبات الحقيقة التي لا تناسب سرديتهم الغربية.
الفلسفة الغربية نصّبت نفسها وصياً على (الحقيقة الكونية)، بينما أطّرت فكر غيرهم عرقياً. لقد حان الوقت لقلب الموازين وصياغة (أنثروبولوجيا للفلسفة الغربية)، نتعامل فيها مع أوروبا بوصفها قبيلة تخضع للدراسة
هذه نقطة جوهرية. فكما تعلم، تُمثّل الفلسفات الإسلامية واليهودية والهندية صروحاً معرفية باذخة. لذا، وجب علينا أولاً البدء بتفكيك مركزية الفلسفة الأوروبية. ودائماً ما أردد دعابة رمزية، فلو قُدّر لي ولمارتن هايدغر أن نمثُل بين يدي أفلاطون، وقدمت نفسي قائلاً: "سيد أفلاطون، أنا حميد دباشي من بلاد فارس (إيران)"، فرغم أنه قد لا يميل إليّ، إلا أنه سيعرف حتماً من أين أتيت. أما لو تقدم هايدغر قائلاً: "أنا من ألمانيا"، فلن يدرك أفلاطون كنه تلك البلاد، إذ لم يكن لألمانيا وجود كدولة آنذاك. أفلاطون لم يكن يرى نفسه يونانياً فحسب، بل كان أثينياً بامتياز؛ انظر كيف كان محلياً ومتجذراً في أثينا.
لذا، لا تكمن حاجتنا في مجرد التفاخر بأن للمسلمين أو الأفارقة فلاسفة عظاماً؛ بل تكمن في العودة إلى المعطى الأول. علينا أن نسأل ابتداءً: مَن هي الذات المفكرة؟ وما هو تكوينها؟ وأين ترسو قدماها؟ وإلى مَن تتوجه بالخطاب؟ عند هذه النقطة فقط يبدأ فعل التفكير الحقيقي.
لم يعد يعنيني إقناع هابرماس أو سلافوي جيجك أو أي فيلسوف أوروبي بامتلاكنا -نحن العرب والمسلمين والإيرانيين والآسيويين والأفارقة- قدرة على التفكير؛ فذلك أمر لم يعد ذا بال
فحين تتخذ من "أنقاض غزة" ركيزةً ورمزاً لنهج جديد في التفكير، وترى في النضال الفلسطيني ذروةً لتاريخ العالم، وتعلن جهاراً: "أنا مسلم، إيراني، وُلِدتُ هنا وارتحلت عبر الآفاق من المغرب إلى سوريا"، حينها سيتضح مَن هو المفكر، وإلى مَن يتوجه بحديثه. هنا نضع اللبنة الأولى لشكل فلسفي جديد؛ فلسفة يختلف مضمونها لأننا بشر واقعيون وعضويون، لا نرضى بأن يملي علينا أحد ما يجب أن نفكر فيه.
إن حجر الزاوية هو استقلالية الذات المفكرة. لم يعد يعنيني إقناع هابرماس أو سلافوي جيجك أو أي فيلسوف أوروبي بامتلاكنا -نحن العرب والمسلمين والإيرانيين والآسيويين والأفارقة- قدرة على التفكير؛ فذلك أمر لم يعد ذا بال. لقد كففنا عن توجيه الخطاب إليهم، وفي هذا الانكفاء -بتقديري- تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية.
إن لفظة "نحن" هذه يا عثمان لا تنحصر في أطر الفلسطينيين أو العرب فحسب؛ بل هي تعريف جامع لعالم يقبع في الطرف المتلقّي للعنف الإبستيمي (المعرفي) الغربي. وثمة عبارة بليغة للفيلسوف الأرجنتيني إنريكي دوسيل في كتابه "فلسفة التحرير: مشروع الذات المقهورة" يقول فيها: "قبل الـ(أنا أفكر – Ego Cogito)، كان هنالك الـ(أنا أغزو – Ego Conquiro)"، وهذا يعني أن الأوروبيين أحكموا قبضتهم على العالم غزواً أولاً، ثم شرعوا في صياغة فكر يسوّغ ذلك الغزو لينصّبوا أنفسهم مركزاً للكون.
لذا فإن حاجتنا اليوم تكمن في الانطلاق من ذات عارفة لا تقتات على شهوة الغزو. والأمر هنا ليس مجرد نكوص إلى الماضي أو تفاخر بآثار الأقدمين، فابن سينا وابن رشد وابن باجة فلاسفة أفذاذ ننهل من معينهم بتقدير، لكن دون أن نوثّقهم في أغلال التقديس أو نحبسهم في رحاب المتاحف. إن أمامنا الكثير لنتعلمَه منهم، ومن الفلسفتين الهندية والأوروبية على حد سواء، غير أن المركزية القديمة قد تداعت؛ فإذا كان للعالم اليوم من مركز، فهو غزة. ولا أفتأ أكررها: ابدأ فِكرَكَ من غزة، ومن بين أنقاضها؛ فثَمَّ مَنبت الفلسفة الحقيقي.
أجل، وإني لأرى نفسي فلسطينيا أكثر من محمود عباس؛ فمَن ذا الذي جَزم بفلسطينيته ونَفاها عني؟ إن فلسطين مِلك لمن يَنذرون أنفسهم لها ويَلتزمون بقضيتها. وثمّة دعابة يتداولها أصدقائي الفلسطينيون تقول إن "حميداً هو الفلسطيني الوحيد الذي يَملك معرفة واسعة بإيران"، وأحسب أن هذا الوصف دقيق للغاية.
يقيناً، فلسطين تنتمي للفلسطينيين أولاً. لذا فأمثال المخرجة الفلسطينية مي المصري أو المخرج الفلسطيني إيليا سليمان هم فلسطينيون بالمعنى المادي المباشر، وأنا لست كذلك؛ بيد أننا حين نَجتمع في حياض القضية، أجدُني أنني كذلك فلسطينيا. فبمقدورك أن تكون مغربيا أو إيرانيا أو تركيا أو هنديا، وتكون -في الوقت ذاته- فلسطينيا.
انظر مثلاً إلى ما صَنعه زهران ممداني في مدينتي ( نيويورك)؛ حين وقف بشموخ مُعلناً: "إذا ما نِلتُ شرف الانتخاب، فلن تطأ قدماي أرض إسرائيل". لقد زلزل هذا الموقف أركان المشهد السياسي هنا، وفي تلك اللحظة، تَجلّى زهران ممداني كفلسطينيا مِلؤُه الفخر؛ لأنه انتصر للعدالة ولم يَنحنِ أمام سطوة الأموال التي ضُخَّت لهزيمته. ومن هنا، فإن فلسطين هي واقع مادي واستعارة كبرى في آن واحد.
أجل، فلسطين اليوم هي بمثابة مَعرض ومتحف حي للتاريخ (بألف ولام التعريف)؛ تاريخ العالم بأسره طوال القرون الـ 5 الماضية على أقل تقدير. فإذا ما رام المغاربة الحديث عن الغزو الاستعماري الفرنسي، أو أراد الجزائريون والإيرانيون والهنود واللاتينيون استحضار مآسيهم، فلا مفر لهم من البدء بفلسطين.
وليس من قبيل المصادفة أن يَهبّ العالم اليوم جبهة واحدة. فحينما قدّمت جنوب أفريقيا دعواها بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، إنما كانت تتحدث بلسان الحضارة الإنسانية قاطبة خارج حدود أوروبا. وحتى في قلب القارة الأوروبية ذاتها، ثمّة ملايين الأحرار ممن يُناصرون القضية الفلسطينية بثبات واستمرار.
لتبسيط المشهد، نحن أمام فلسطين التي تُمثّل "أمة بلا دولة"، تحكمها في المقابل "دولة بلا أمة". إن كِيان إسرائيل بأكمله ليس سوى "دولة ثكنة"؛ مستعمرة استيطانية أُنشئتْ لخدمة مفهوم الدولة العسكرية، حيث ينصهر الجميع في بوتقتها. وإني لأرى أن لليهود الأمريكيين الحق في العيش بسلام في أمريكا، وكذلك الأمر لليهود المغاربة والمصريين في أوطانهم؛ أما فكرة حشد يهود العالم قاطبة لاستعمار فلسطين، فهي فكرة مروعة ومستهجنة.
إن إسرائيل هي "دولة الثكنة" (بمفهوم عالم السياسة الأمريكي هارولد لاسويل)؛ دولة مُسخَّرة بالكامل للمؤسسة العسكرية، فلا وجود فيها لشيء خارج هذا النطاق الحربي، سواءً كان فناً أو ثقافةً أو سينما، ما لم يَدُر في فلك الدولة؛ بل إنها تفتقر لمفهوم المجتمع المدني الحقيقي.
وفي المقابل، تتجلى فلسطين ككوكبة من المخيمات، الممتدة من غزة إلى الضفة وصولاً إلى الأراضي المحتلة عام 48؛ مخيمات يقطنها فلسطينيون جُرِّدوا من حرياتهم وحقوقهم ومسؤولياتهم المدنية، ويقبعون تحت وطأة هذه الدولة الشمولية. إن هذه الثنائية -بين الدولة الشمولية وكوكبة المخيمات- تُمثّل في نظري الصورة المصغرة لما يشهده العالم اليوم.
لقد كان مفهوم "المسلم" (Muselmann) مُتداولاً في أدبيات معسكرات الاعتقال الألمانية، وقد استشهدت هنا بالفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين الذي استفاض في تحليل هذا المفهوم. فقد كانوا يخلعون نعت "المسلم" على المعتقل اليهودي الذي انطفأت فيه جذوة الحياة، وغدا جسده مجرد جلد على عظم يُشرف على الهلاك ولا يقوى على السير. ورغم تناول أغامبين لهذا المفهوم، إلا أنه أغفل التساؤل الجوهري: لماذا يُوصَمُ يهودي في رمقه الأخير بأنه "مسلم"؟
إننا هنا أمام تعبير ذي دلالة مزدوجة. فأنتم تُجهزون على اليهودي وتسمونه مسلماً في لحظة احتضاره. وهما في الواقع وجهان لعملة واحدة؛ ففي مَنظور الحداثة الأوروبية، يُمثّل اليهودي "الآخر الداخلي"، بينما يُمثّل المسلم "الآخر الخارجي". وهكذا، نجد في شخصية "المسلم" (Muselmann) انصهاراً لهذين الآخرين (الداخلي والخارجي) تحت وطأة حُكم واحد بالموت. إن هذا التوظيف اللغوي يكشف عن الوعي الإبادي للنازيين الألمان، وهو وعي يستهدف اليهودي والمسلم في آن واحد.
الصهيونية ليست حِكراً على دين بعينه؛ فهنالك صهيونية مسيحية، بل وحتى صهيونية "مسلمة" وعربية وإيرانية
إنهم قد احتلوُا الديانة اليهودية العريقة والنبيلة بذات الكيفية التي احتلوُا بها فلسطين. وهذا ليس رأيي وحدي؛ فثمة ملايين اليهود حول العالم ممن لم يَرغبوا يوما في أي صلة تربطهم بإسرائيل، ولا يعني هذا أنهم كانوا يَنعمون بالراحة أو يسلَمون من الأذى في أوطانهم، بل كانوا عُرضة للمضايقات دوما.
وكما كتبت في مقال لي، فإن المسؤولية الأخلاقية تحتم على المسلمين أن يكونوا في طليعة المناهضين لمعاداة السامية (الحقيقية) -أي استهداف اليهود لمجرد هويتهم- تماماً كما نُرفضُ نحن ونُستهدفُ لكوننا مسلمين. لذا، وجب الفصل بحسم بين " الصهيونية" و"اليهودية"؛ فليس كل يهودي صهيونياً، ولا كل صهيوني يهودياً.
إن الصهيونية ليست حِكراً على دين بعينه؛ فهنالك صهيونية مسيحية، بل وحتى صهيونية "مسلمة" وعربية وإيرانية. إن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية تاريخيا، وهؤلاء الإنجيليون في أمريكا يدعمون إسرائيل انطلاقاً من معتقدات مِيتافيزيقية بانتظار مخلصهم. ولطالما صدحت أصوات عدد لا يُحصى من المفكرين اليهود بضرورة فك الارتباط بين جوهر اليهودية وبين الصهيونية أو دولة إسرائيل.
إن ما نترقبُه هو مواجهة وجودية مستمرة بين آلات القمع الدولتية -التي تمثلها إسرائيل والولايات المتحدة وأغلب دول أوروبا- وبين وعي عالمي هبّ لنجدة الحق الفلسطيني
بالضبط؛ ولهذا السبب أعتقد -رغم أملي ودعواتي بأن يَنال الفلسطينيون حريتهم واستقلالهم- أن القوة الرمزية لفلسطين لن تنضب أو تستكين بمجرد قيام دولة ورفع علم وعزف نشيد وطني. فكرة فلسطين عصية على النفاد، فهي الموقع الأحدث والأكثر ضراوة للعنف الأوروبي؛ الموقع الذي يختزل اليوم -ونحن في عام 2026- مجمل العنف الجوهري الذي صاغ ملامح الحداثة الأوروبية.
ابتداءً لا أحسب أن المخطط الصهيوني-الأمريكي-الأوروبي الرامي لاستئصال شأفة فلسطين وتطهير شعبها عرقياً سيُكتب له النجاح. بل لن ينجح أبداً. فلقد صمد الفلسطينيون في وجه هذا العسف لأكثر من قرن من الزمان، وهم على درب المقاومة ماضون.
إن معالم المستقبل ترسمها حقيقة جليّة؛ وهي أن القضية الفلسطينية غدت اليوم، وبعد عامين من المذابح المروعة، أكثر كونية وشمولاً من أي وقت مضى. ورغم محاولات الساسة الأمريكيين وآلة الدعاية الإسرائيلية الحثيثة لإسكات هذا الصوت، إلا أنه صوت عصي على الخفوت.
إن ما نترقبُه هو مواجهة وجودية مستمرة بين آلات القمع الدولتية -التي تمثلها إسرائيل والولايات المتحدة وأغلب دول أوروبا- وبين وعي عالمي هبّ لنجدة الحق الفلسطيني. أما التساؤل حول مآلات الصراع، سواءً عبر حل الدولتين أو الدولة الواحدة، فهو أمر متروك لحكم التاريخ.
بيد أن ما يعنيني في المقام الأول، هو تلك الاستقلالية والصلابة التي بات يتمتع بها الإنسان الفلسطيني. فهذا الكيان البشري قد اشتد عوده وازداد قوة وجسارة بفعل أهوال العامين الماضيين، بغض النظر عن أي تسويات سياسية قادمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة