في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
هذا كتاب كبير، ليس المقصود ضخامته أو عدد صفحاته، بل اتساع ما يفكّر فيه، وما يبني عليه من تاريخ، وما يقتبس من تقارير ويتوقّف عنده من قصائد وروايات، وما يحيل إليه من أحداث، وما يدعو إليه.
وهو أيضًا حساب فلسفي كان المفكّر الإيراني الأميركي حميد دباشي (ولد عام 1951) فتحه مع الفلسفة الغربية في أعمال سابقة، ولا سيما في كتابه "هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟"، ويستكمله هنا في عمله الأحدث "بعد الهمجية" (منشورات هايماركت بوكس).
موضوع الكتاب هو غزّة، بما هي فاجعة عصرنا، وبما أصبحت تمثله، لدى المؤلف، من شرط معرفي وأرض إبستمولوجية.
حين يقول دباشي إن "غزّة تمثّل تحوّلًا إبستيميًا في مستقبلنا المتشكّل"، فإنه يواجه الفكر النقدي الأوروبي بعمائه التاريخي، ومراوغته السياسية، وحدوده العرقية.
ذلك التقليد الذي بشّر يومًا بالتحرّر يظهر هنا عاجزًا عجزًا بنيويًا عن مواجهة العنف الاستعماري حين لا يكون أوروبيًا ضد أوروبي.
الأطروحة المركزية في "بعد الهمجية" حاسمة: غير الأوروبيين لا يوجدون بوصفهم بشرًا كاملين داخل المتخيّل الفلسفي الأوروبي.
من كانط إلى هيغل، ومن هايدغر إلى هابرماس وأدورنو، يظهر "الآخر" المُعَرْقَن إمّا كضجيج أنطولوجي، أو كتهديد، أو كفكرة أخلاقية مجرّدة، لكنه لا يظهر أبدًا كذات تاريخية.
الأطروحة المركزية في "بعد الهمجية" حاسمة: غير الأوروبيين لا يوجدون بوصفهم بشرًا كاملين داخل المتخيّل الفلسفي الأوروبي.
يبني دباشي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا، كتابه على مقابلة ما يحدث في الواقع وما تفكّر فيه الفلسفة؛ كأن يفتتح فصل "نظرية غير نقدية" بتقرير المحامية فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة لشؤون فلسطين المحتلة، كتبته بعد الأشهر الخمسة الأولى من الحرب الأخيرة على غزّة، تقرير مفزع تتكثّف فيه لغة القتل والتشويه والتهجير، واستحالة حداد الأحياء على موتاهم.
يقدم دباشي هذا النص كشهادة إنسانية واتهام لعجز النظرية عن التفكير في العنف الاستعماري كبنية لا كاستثناء.
وفي قلب هذا الاتهام تقف مدرسة فرانكفورت، وخصوصًا الألمانيان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، إذ يصبح تمركزهما الأوروبي فضيحة أخلاقية حين يُوضع في سياق اصطفافاتهما السياسية الفعلية.
يقدم دباشي هذا النص كشهادة إنسانية واتهام لعجز النظرية عن التفكير في العنف الاستعماري كبنية لا كاستثناء
يذكّر دباشي بدفاع أدورنو وهوركهايمر العلني عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين وصفا جمال عبد الناصر بـ"الزعيم القبلي الفاشي"، وصوّرا البلدان العربية بوصفها "دول لصوص" تتربّص بإسرائيل.
ويتساءل لماذا يُخصَّص هذا الوصف الإثنوغرافي المُهين لقائد عربي؟ لماذا لم يوصف رموز أوروبا الفاشية بالتعبيرات ذاتها؟ الجواب يكمن في خيال حضاري عنصري لم تغادره النظرية النقدية قط.
فالفلاسفة الذين شخّصوا تواطؤ العقل التنويري مع الهيمنة ظلّوا عاجزين عن رؤية الهيمنة الاستعمارية حين وقعت خارج أفقهم الأوروبي، وظلّ "الغرب" مركز التاريخ الذي تُقاس عليه التجارب كلها.
يستعيد دباشي أيضًا حوارًا بين أدورنو وهوركهايمر أثناء صياغة ما سمّياه "البيان الجديد"، يقول أدورنو: "نحن لا نعرف شيئًا عن آسيا"، ويردّ هوركهايمر: "أعتقد أن أوروبا وأميركا هما أفضل الحضارات التي أنتجها التاريخ من حيث العدالة".
رأى الاثنان في الحضارة الغربية منتهى العدالة في لحظة كانت فيها العنصرية البنيوية في الولايات المتحدة فاعلة متوحشة، والإمبراطوريات الأوروبية تمارس القتل والنهب والإخضاع في مستعمراتها. المفارقة أن نظرية وُلدت من الشك الراديكالي في الحضارة الغربية تنتهي إلى الدفاع عنها بوصفها ذروة التاريخ.
ما يقدّمه صاحب "ما بعد الاستشراق" ليس قراءة تقول إن هذه الفلسفة فشلت في الارتقاء إلى مُثُلها، ولا دعوة إلى إغنائها بأصوات غير غربية لتصبح كونية بحق، إن أطروحة أكثر راديكالية: لقد كان الفكر الأوروبي دومًا وما يزال خطابًا محليًا قبليًا متنكرًا في هيئة كونية إنسانية، فرض نفسه بالغزو والاستعمار والتفوّق العسكري.
لقد كان الفكر الأوروبي دومًا وما يزال خطابًا محليًا قبليًا متنكرًا في هيئة كونية إنسانية
لهذا يرفض النص لغة النفاق الأكاديمي في تبرير مفكرين مثل يورغن هابرماس. فهابرماس لا يخون التزاماته الفلسفية حين يدافع عن العنف الإسرائيلي؛ إنه يحقّقها ويتّسق معها.
تمامًا كما استطاع كانط أن يُقصي قارات كاملة من حيّز العقل، يستطيع هابرماس أن يجعل موت الفلسطينيين مسألة أخلاقية ثانوية من دون تناقض منطقي. العنف هنا لا يكمن في عدم الاتساق، إنما في الاتساق ذاته.
كم كرّست الصناعة الأكاديمية الغربية نفسها لإنقاذ الفلاسفة الأوروبيين من عنصريتهم، وكم مارست من تهرّب فلسفي وأخلاقي وهي تدّعي أهمية التمييز بين "العنصرية" و"التمركز الإثني"! غير أن العنصرية تأسيسية في الفكر الغربي.
فلسفة التاريخ الهيغلية، بهرمها الحضاري والعرقي، لا تنفصل عن المعارف الاستعمارية التي راجت عبر تقارير المبشّرين والكتابات الإثنوغرافية.
لم يكن هيغل بحاجة إلى كراهية عمياء كي يبرّر الهيمنة؛ لقد عقلنها، وقدّمت فلسفته القواعد المفهومية التي مكّنت العنف الاستعماري من فهم ذاته كضرورة تاريخية. ومعاداة السامية لدى هايدغر، التي طالما جرى التقليل من شأنها بوصفها زلّة شخصية، تظهر هنا جزءًا بنيويًا من نقده للحداثة والديمقراطية.
يقترح الكتاب انقلابًا منهجيًا حاسمًا: بدل الاستمرار في تبرير الفلسفة الأوروبية عبر تأطيرها سياقيًا، يدعونا دباشي إلى أنسنتها أنثروبولوجيًا، أي التعامل معها كرؤية من بين رؤى أخرى، تشكّلت عبر مخاوفها وإقصاءاتها ومصالحها الإمبريالية.
وكما حوّل الأنثروبولوجيون الأوروبيون أفريقيا وآسيا والأميركيتين إلى مختبرات للمعرفة العرقية، ينبغي لأقسام الفلسفة اليوم أن تخضع التراث الأوروبي للفحص ذاته.
يقترح الكتاب انقلابًا منهجيًا حاسمًا: بدل الاستمرار في تبرير الفلسفة الأوروبية علينا التعامل معها كرؤية من بين رؤى أخرى
يستدعي دباشي المفكر الأرجنتيني إنريكي دوسيل (1934-2023) الذي صاغ فلسفة تحرّر تنطلق من مساءلة الشرط التأسيسي الذي جعل الحداثة الأوروبية ممكنة وليس من نقد النتائج وتصحيح الانحرافات.
فالحداثة كما يراها دوسيل ليست مشروعًا أخلاقيًا تعثّر الغرب في تطبيقه، إنها نظام تاريخي لم يكن في وسعه أن يتشكّل من دون نزع الإنسانية عن الآخر وتحويله إلى مادة خام للتراكم، سواء الاقتصادي أو المعرفي. بهذا المعنى، يقع الاستعمار في قلب العقل التنويري.
ما يمنح دوسيل فرادته، ويجعل حضوره حاسمًا في نص دباشي، هو إصراره على إعادة توطين الفلسفة أخلاقيًا. فالنظرية التي تبدأ من المركز حتى حين تنتقده تبقى أسيرة أفقه، وتعجز بنيويًا عن رؤية العنف الذي مكّن ذلك المركز من الوجود أصلًا.
من هنا تأتي مطالبة دوسيل بقلب الإحداثيات الإبستمولوجية: التفكير ليس "عن" الضحايا، وإنما "من" موقعهم.
في هذا الانقلاب الفلسفي، يُعاد تعريف العقل ذاته ليصير علاقة أخلاقية مشروطة بالمسؤولية تجاه "الآخر المُنتهَك". العقل الذي لا يرى الضحية هو عقلٌ زائف، مهما بلغت درجة تجريده أو أناقته المفهومية.
العقل الذي لا يرى الضحية هو عقلٌ زائف، مهما بلغت درجة تجريده أو أناقته المفهومية
يلتقي هنا النقد الفلسفي مباشرة مع اللاهوت التحرّري: فـ "الآخر المُقصى" بتعبير دوسيل، عن النظرية هو حامل المعنى ومصدر الإلزام في منطق التحرّر، يؤدي وظيفة لاهوتية صريحة، حتى حين تُصاغ بلغة فلسفية علمانية: إنه موقع الوحي الأخلاقي في عالم ما بعد المقدّس.
بهذا المعنى، يظهر لاهوت التحرّر الفلسطيني في قراءة دباشي كتحقيق عملي لما تطالب به فلسفة التحرّر نظريًا.
حين يقول القس منذر إسحق إن "الكتاب المقدّس يُسلَّح ضدّنا"، فإنه يعبّر عن صراع معرفي حول من يملك حق تأويل المعنى ذاته. لاهوت الإمبراطورية يحوّل النص المقدّس إلى أداة سيادة، بينما يعيد لاهوت التحرّر ربط المعنى بالجسد المعذّب.
ويربط دباشي هذا المنطق اللاهوتي مباشرة بفلسفة دوسيل: فالضحايا، في الحالتين، ليسوا فائضًا عن النظام، إنهم النقطة التي ينهار عندها ادّعاء الغرب فلسفته الكونية، وتنكشف فيها العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة.
لا يسعى هذا اللاهوت إلى تأسيس عقيدة، ولا إلى منافسة اللاهوتيات التقليدية، وإنما إلى استعادة البعد الأخلاقي للفكر من خارج مؤسسات السيادة؛ سواء كانت دينية أو أكاديمية.
بهذا التداخل بين الفلسفة واللاهوت، يمنح دوسيل نص دباشي مخرجًا من النقد السلبي إلى أفق تأسيسي جديد.
الفلسفة، بعد غزّة، لا يمكنها أن تكتفي بتشخيص الهمجية؛ عليها أن تعيد تعريف نفسها من موقع الجرح. هنا تصير أفقًا يُبنى من الأسفل، من التجربة المشتركة للقهر، وليست هذه كونية "ما بعد غربية"، بل إنها فلسفة كونية مضادّة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة