الخبير الذي توقع زلزال تركيا وسوريا.. لماذا عليك ألا تصدقه؟






عقب الزلزال الذي هز أراضي تركيا وسوريا في فبراير/شباط 2022، اكتشف عدد كبير من مستخدمي الإنترنت العربي أن رجلًا هولنديًّا يُدعى فرانك هوغربيتس، يصف نفسه بأنه خبير في الزلازل، كان قد توقّع قبل ذلك بوقت قصير زلزالًا قويًّا في نفس المنطقة المتضررة. ومنذ ذلك الحين، يظهر اسم الخبير الهولندي مشفوعًا بادعاءات صاخبة، حول زلازل قوية أخرى تصل شدتها إلى سبع أو ثماني درجات على مقياس ريختر. أما هذه المرة، فقد أثار الجدل بحديثه عن أهرامات الجيزة المصرية قائلا إن هندستها، عندما يتم بحثها بشكل صحيح، تحمل أدلة على معرفة متقدمة جدا، لا يمكن وفقًا لفهم العصر الحديث أن تكون موجودة في ذلك الزمن البعيد.

تحدثنا من قبل عن أهرامات الجيزة وغيرها من آثار العالم القديم وادعاءات الحضارة المفقودة المتعلقة بها في مادة مفصلة بعنوان "لماذا لا يصدق البعض أن المصريين هم من بنوا الأهرامات؟"، لذا لا حاجة لنا في تفنيد هذا الادعاء الآن، لكن انتشار أخبار هوغربيتس خلال شهور عديدة وتوقعاته المستمرة للزلازل يحتاجان منا إلى بعض التفكير في طبيعة المنهجية العلمية ومحدداتها. ذلك أن هذه المنهجية ستجيبنا عمّا إذا كان هذا الرجل يروج لعلوم زائفة؟ وهل يمكن -حقًّا- الاعتماد ولو بشكل جزئي على فرضياته؟

 

تأثير المشتري

حسنًا، لنرجع بالزمن إلى عام 1974، حينما أصدر الفيزيائي الفلكي البريطاني الشهير جون جريبن بالتعاون مع عالم آخر هو ستيفن بلاجمان كتابًا بعنوان "تأثير المشتري"، لاقى الكثير من الاهتمام وبِيعت منه ملايين النسخ. يتحدث الكتاب عن أثر محتمل للاقترانات الكوكبية في السماء في بعض أنواع الكوارث على الأرض، ومنها الزلازل. وتوقع كلاهما -من ضمن عدد من التوقعات- حدوث زلزال في فالق سان أندرياس في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية في يوم 10 مارس/آذار عام 1982.

محاذاة الكواكب تعني وقوفها في جانب واحد من الأرض، فمثلا يمكن أن تنظر في ليلة إلى السماء فتجد أن المشتري والزهرة يتجاوران فيها بعد الغروب، وهذا شيء طبيعي ومتكرر، وفي بعض الأحيان يدخل إلى تلك المحاذاة عدد أكبر من الكواكب، وفي أحيان نادرة يمكن لمعظم الكواكب أن تكون في جانب واحد من الأرض وتكون الشمس في الجانب الآخر. في هذه الحالة تحديدًا يمكن لأثر الجاذبية المجتمع من هذه الكواكب أن يصل إلى الأرض.


مصدر الصورة
المشتري والزهرة في اقتران بعد الغروب (فليكر)

لكن حتى قبل صدور هذا الكتاب، كان علماء الفلك والجيولوجيا متفقين على أن تأثير محاذاة الكواكب في الأرض، لا يمكن أن يصل إلى درجة إحداث الزلازل؛ لأن تلك الكواكب بعيدة جدًّا عن الأرض، أما القمر (الصغير جدا مقارنة بتلك الكواكب لكنه قريب نسبيًّا من الأرض) فله أثر أقوى منها مجتمعة، وهو ما يتضح في حالة المد والجزر، حيث يمكن للقمر بالفعل أن يتحكم في حركة بحار ومحيطات الأرض بقوة جذبه، لكننا لا نلحظ هذا الأثر مثلا مع محاذاة الكواكب.

جريبن ورفيقه سعيا إلى تجنب هذه الاعتراضات بسلاسة من خلال النظر في تأثير المحاذاة، ليس في الأرض بشكل مباشر، ولكن في الشمس، ثم افترضا أن الشمس ستؤثر في الأرض عبر إبطاء دورانها بمعدل يسمح بتهتك أكبر من المعتاد في القشرة الأرضية؛ مما قد يتسبب في عدد من الكوارث، منها زلزال سان أندرياس المحتمل بحسب توقعات العالمين.

مر العاشر من مارس/آذار بسلام، وفي شهر أبريل/نيسان التالي نشر جريبين وبلاجمان كتابًا أقل بيعًا بعنوان "إعادة النظر في تأثير المشتري"، قالا فيه إن التأثير قد حدث بالفعل عام 1980، على الرغم من عدم وجود محاذاة كوكبية في ذلك الوقت، وإنه تسبب في ثوران بركاني لجبل سانت هيلين غربي ولاية واشنطن الأمريكية، وفي عام 1990 أعلن جريبن أنه أخطأ في فرضيته، واعتذر عن علاقته بهذا الموضوع أصلًا.

لكن على الرغم من ثبوت خطأ تلك الفرضية، فإن ما فعله العالمان في هذا الكتاب هو ما يمكن بالفعل أن نسميه "التنبؤ بالزلازل"، حيث يحدد الجيولوجيون التنبؤ بالزلازل بأنه القدرة على تحديد مكان وموعد ومقياس الزلزال بدقة، كأن تقول إن شمالي الجزائر، على سبيل المثال، سيشهد -لا قدر الله- زلزالا بقوة 6.8 على المقياس في يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول القادم.

 

كيف تتنبأ بزلزال؟

لا يمكن هنا للتوقعات الأكثر عمومية أن تعبر عما يقصده العلماء من اصطلاح "التنبؤ بالزلازل"، لأن أي خرق لتلك القاعدة لن ينقذ الناس من زلزال قريب، فمثلا سيكون كاتب هذه المادة صادقًا حينما يقول لك إن تركيا ستشهد زلزالًا أعلى من 7 درجات على المقياس قريبًا ولا يحدد لك الموعد بدقّة، ويمكن أن يحدد نطاقًا زمنيًّا كأن يقول خلال 10 سنوات ويكون صادقًا كذلك، وذلك لأن بعض المناطق في العالم تشهد بالفعل معدلات زلازل أكبر من غيرها.

عند هذه النقطة دعنا نتأمل ما يسميه العلماء "حلقة النار" أو "حزام ما حول المحيط الهادئ"، وهي ليست حلقة بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن، بل هي شريط جغرافي طوله نحو 40 ألف كيلومتر يشبه شكل حدوة الحصان شهد 81% من زلازل العالم الكبرى، ويمتد حول المحيط الهادئ، بداية من جنوب قارة أميركا الجنوبية عبر خندق بيرو-تشيلي، وصولا إلى خندق أميركا الوسطى، وينطلق بعد ذلك صعودا في أميركا الشمالية بمحاذاة جبال روكي إلى ألاسكا، ثم عبر مضيق بيرنغ إلى اليابان نزولا إلى الفلبين وإندونيسيا، ثم في النهاية نيوزيلندا.

إلى جانب حزام حلقة النار، يوجد حزام آخر يجري على اليابسة يسمى "الحزام الألبي"، وهو حزام زلزالي وجبلي يمتد أكثر من 15 ألف كيلومتر على طول الهامش الجنوبي من قارتي آسيا وأوروبا، فيبدأ من جاوة وسومطرة، ثم يمتدّ عبر شبه جزيرة الهند الصينية، ثم جبال الهيمالايا وما وراءها، ثم جبال إيران والقوقاز والأناضول وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وحتى المحيط الأطلسي، هذا الحزام مسؤول عن 17% من الزلازل الكبرى في العالم.

(الجزيرة)

أثر الحزام الألبي يمتد ليصل إلى تركيا وهو ما يضعها في منطقة زلزالية نشطة، حيث تقع على صفيحة صخرية صغيرة تسمى صفيحة الأناضول، تندفع إلى الغرب بفعل حركة صفيحتين كبيرتين مجاورتين، الأولى هي الصفيحة الأوراسية من الشرق والشمال، والثانية هي الصفيحة العربية جنوبها، ويضاف إلى ذلك تأثير حركة الصفيحة الأفريقية. تشابك تلك التحركات يضع تركيا تحديدا في منطقة حرجة زلزاليا. ويصل أثر هذا الحزام كذلك إلى المغرب التي يقع كذلك على أطراف الحزام الألبي، وقد شهد زلزالًا بقوة 6.8 في سبتمبر 2023، ولو أن احتمالات وقوع الزلازل فيه أقل من تركيا.

يجري نفس الأمر على مناطق مثل غربي الولايات المتحدة الأمريكية وألاسكا وعدد من المناطق في أمريكا الجنوبية مثل شيلي ودول مثل اليابان وسومطرة وإندونيسيا؛ لأنها جميعا تقع في مناطق حرجة تتلقى أكبر الزلازل في العالم بسبب طبيعتها الجيولوجية، ويمكن للعلماء أن يعطوا درجات من الترجيحات لهذه المناطق، حيث يُحتمل مثلا بنسبة 72% أن تختبر ولاية كاليفورنيا زلزالا كبيرا على أي نقطة في فالق سان أندرياس، خلال ثلاثة عقود، وتنخفض النسبة إلى نحو 30% في بعض المناطق في اليابان.

أضف إلى ذلك أنه لا يمكن توقع زلزال بدون تحديد الموقع، لأن الزلازل -على غير ما قد تظن- ليست ظاهرة نادرة، إذ تشهد الأرض سنويًّا ما يزيد على مليون زلزال نصفها يمكن رصده بأجهزة قياس الزلازل و100 ألف منها قابلة للشعور بها لكن 100 فقط يمكن أن تسبب ضرارًا وما بين 15 و20 زلزالا منها تكون مؤثرة جدا (فوق مقياس سبع درجات)، بلدك مثلا يسجل سنويا العديد من الزلازل التي تعلنها الهيئات المختصة، ولذلك لو قلنا لك إن هناك زلزالا سيحدث اليوم لكنا صادقين تماما بنسبة 100%، لأننا ببساطة لم نحدد الموقع.

إذن يمكن للعالم بالفعل أن يقدم توقعات للزلازل، لكن في إطار احتمالي، يعتمد على تحديد المناطق الأكثر نشاطًا زلزاليا دون غيرها، لكن لا يمتلك العلماء أية وسيلة إلى الآن للتنبؤ بناء على المعايير الثلاثة السالف ذكرها.

 

والآن، لنعد إلى "الخبير الهولندي"

في تلك النقطة تحديدًا، وبعد مقدمة طويلة لكنها ضرورية، يظهر خبير الزلازل الهولندي، فرانك هوغربيتس الذي لا نعرف تخصصه، فهو فقط "خبير زلازل".

بعد بحث طويل، لم نجد اسمه في قواعد بيانات الورقات العلمية المنشورة في الدوريات المختصة، وهذا غريب حقًّا فعادة ما تكون للباحث أبحاث منشورة باسمه خضعت لما يعرف بمراجعة الأقران. النظرية التي يعتمد عليها هوغربيتس هي نفسها نظرية تأثير المشتري، حيث يعتقد أن محاذاة الكواكب لها تأثير في الأرض، يصل إلى درجة إحداث الزلازل.

لنبدأ الآن بتطبيق ما ناقشناه على الخبير الهولندي. أول معرفتنا به كانت حينما كتب قبل زلزال 6 فبراير/شباط المدمر في تركيا وسوريا أنه يتوقع أن يحدث زلزال في منطقة تقع بين سوريا وتركيا "عاجلا أم آجلا"، هذا الموقع لا يحمل سمات التنبؤ الثلاث، وذلك لأن الحدود بين سوريا وتركيا تقع بالفعل ضمن منطقة نشطة زلزاليا كما أسلفنا، شهدت الكثير من الزلازل على مرّ التاريخ.

(الجزيرة)

لكن دعنا نفترض جدلا أن الباحث الهولندي كان يقصد بـ"عاجلا أم آجلا" الأيام القليلة القادمة، ومن ثم يكون تنبؤه صحيحًا، هنا نحن أمام احتمالين لا ثالث لهما، فإما أن يكون ما حدث مجرد صدفة وإما أن يكون نظرية علمية جديدة ستكون الطفرة الحديثة الأهم في العلم كله، فكما هو معلن من قبل الهيئات البحثية المختصة؛ لا يمتلك العلماء أية نماذج أو أدوات يمكن من خلالها التنبؤ بالزلازل.

في هذا السياق دعنا نبدأ بالاحتمال الثاني، وهو أننا أمام عبقري اكتشف نظرية جديدة، لكن المنهجية العلمية تقضي بأن تُنحّى الصدف وأخطاء التنفيذ والتحيزات عن طريق التكرار، يعني ذلك أنه إذا نجحت في تحقيق نتيجة ما بأحد التجارب، فإن ذلك لا يعني أن نعامل النتيجة التي توصلت إليها على أنها حقيقة علمية، فقد تكون ه ....

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي

إقرأ أيضا

رياضة عالميّة

مفاجأة كبرى في "يورو 2024"