يتزايد انتشار مرض لايم الذي يصيب الإنسان نتيجة لدغة القراد، بيد أن العلماء يبحثون عن سبل للوقاية منه.
في كل مرة أنتزع فيها قرادة تتلوى بين فراء كلبي، أتذكر تجربتي مع مرض لايم، وهو عدوى بكتيرية تنتقل عن طريق لدغات القراد. لم أعثر قط على قرادة الغزال (أو القرادة سوداء الأرجل) التي لدغتني، لكنني أذكر حتى الآن تلك القشعريرة الشبيهة بقشعريرة الإنفلونزا، وآلام الجسم، والطفح الجلدي المميز على هيئة عين الثور الذي أصاب ذراعي.
قضيت شهراً أتناول علاجاً مكثفاً من المضادات الحيوية للقضاء على العدوى، ولم أتعرض لأي مشكلات أخرى منذ ذلك الوقت، لكن آخرين لا يحالفهم الحظ لفعل ذلك.
فعلاوة على الطفح الجلدي البيضاوي أو الدائري، يمكن أن يتسبب مرض لايم في ظهور أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا، وقد تؤدي حالات العدوى التي لا تُعالج في المدى القصير إلى حدوث مشكلات أخرى قد تكون متعبة للغاية خلال الأشهر والسنوات اللاحقة، مثل الإرهاق، وآلام الجسم، أو تلف الأعصاب.
في الوقت ذاته، تُشخّص سنوياً إصابة نحو 476 ألف حالة إصابة بمرض لايم في الولايات المتحدة، ومع اتساع نطاق انتشار القراد، يزداد هذا الخطر، ولا توجد حالياً في الولايات المتحدة لقاحات مرخّصة للوقاية من مرض لايم لدى البشر، لكن هذا الوضع قد يتغير قريباً.
كما يعكف العلماء على تطوير استراتيجيات أخرى للمساعدة في الوقاية من العدوى، فهي معركة ضدّ مجموعة من البكتيريا شديدة المقاومة بصفة خاصة، وضد عائلها الشبيه بالعنكبوت، وهذه المعركة تزداد احتداماً.
ويقول توماس هارت، الأستاذ المساعد في علم الأحياء الدقيقة الجزيئي وعلم المناعة في معهد أبحاث وتعليم مرض لايم والأمراض المنقولة بالقراد التابع لجامعة جونز هوبكنز في ماريلاند: "نشهد أعداداً أكبر من المرضى، وأعداداً أكبر من الأشخاص الذين يُصابون بالعدوى بالفعل، إنه وقت مناسب لتطوير وسيلة جديدة للوقاية".
ويتسع نطاق انتشار القراد في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، مدفوعاً بتزايد مساحات الغابات وأعداد الغزلان، فضلاً عن التغير المناخي الذي يؤدي إلى شتاء أكثر اعتدالاً، وفي حين يمتد موسم القراد عادة من الربيع إلى الخريف في كثير من المناطق، فإن تغير المناخ يؤدي بصورة متزايدة إلى إطالة فترات نشاط القراد، وأحياناً إلى نشاط يستمر طوال العام.
ويحمل القراد عدداً من مسببات الأمراض التي يمكن أن تصيب البشر، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث إصابات بأمراض من بينها التهاب الدماغ، وداء الأنابلازما، وداء البابيزيا، وغيرها، بيد أن مرض لايم، الذي تسببه بعض أنواع بكتيريا "بوريليا"، هو أكثر الأمراض المرتبطة بالقراد شيوعاً في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وحتى يومنا هذا، لا يزال كلبي والتر، وهو من فصيلة لابرادور، يركض مرحاً في الأعشاب الطويلة، دون أن يُصاب بالأمراض التي ينقلها القراد، وهو محصّن بلقاح مضاد لمرض لايم، ويتناول قرصه الشهري القابل للمضغ، للقضاء على البراغيث والقراد وداء الديدان القلبية، وهو مرض ينتقل عن طريق لدغات البعوض.
وتوجد حالياً عدة علاجات مضادة للقراد الذي يصيب الكلاب والقطط، وهي تعتمد غالباً على مواد كيميائية تقتل القراد بمجرد أن يبدأ في التغذية، وعادة توضع هذه العلاجات مباشرة على الجلد باعتبارها علاجاً موضعياً، أو تُعطى في صورة أقراص.
أما تطوير أدوية وقائية للبشر، فهو، من ناحية أخرى، ليس بالمهمة اليسيرة، فإجراء دراسات على البشر أكثر صعوبة وتكلفة من إجرائها على الحيوانات، ففي التجارب البشرية، يحتاج العلماء غالباً إلى الاستعانة بعدد كبير من المشاركين ومتابعتهم على مدى فترة من الزمن أثناء مواصلتهم حياتهم اليومية، وذلك لأن نسبة صغيرة فقط منهم ستتعرض للدغات القراد وتُصاب بمرض منقول بالقراد، ومن ثم لا بد من وجود عدد كاف من حالات العدوى لإثبات مدى فاعلية اللقاح أو الدواء.
أما في التجارب الحيوانية، فعادة يضع الباحثون قراداً مصاباً مباشرة على الحيوانات، مما يضمن تقريباً إصابتها بمسبب مرض معين ينقله القراد، الأمر الذي يجعل إجراء التجارب أسهل، بيد أن العلماء يترددون في استخدام ما يُعرف بتجارب التحدي لدراسة مرض لايم لدى البشر، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم رغبتهم في المخاطرة بإصابة الأشخاص بأعراض مستمرة وطويلة الأمد للمرض.
ويقول ليندن هو، أستاذ علم المناعة في كلية الطب بجامعة تافتس في ماساتشوستس، الذي تعاون مع عدة شركات بشأن استراتيجيات مكافحة القراد لدى البشر: "لا أعتقد أن أحداً سيوافق على المشاركة في تجربة لمرض لايم"، ويوضح أن هذا هو السبب في صعوبة الحصول على موافقة لإجراء هذه التجارب.
وعلى الرغم من ذلك، كان هناك لقاح بشري ضد مرض لايم حصل على الموافقة في الولايات المتحدة عام 1998، أُطلق عليه اسم "لايم إريكس"، واختُبر اللقاح في تجربة شملت ما يزيد على 10 آلاف مشارك، وبلغت فعاليته 76 في المئة في الوقاية من المرض.
بيد أن الإقبال عليه كان منخفضاً، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى تقارير ودعاوى قضائية بشأن آثاره الجانبية، وتحديداً الإصابة بالتهاب المفاصل، وراجع مسؤولو الصحة البيانات في عام 2002 ولم يجدوا دليلاً على وجود خطر يتعلق بالسلامة، وعلى الرغم من ذلك، أوقفت الشركة المصنّعة للقاح إنتاجه في العام نفسه، مشيرة إلى نقص الطلب عليه.
أدى تزايد عدد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالقراد إلى تحفيز استثمارات جديدة في مجال الوقاية، وعلى وجه الخصوص، تتسارع وتيرة البحث عن لقاح آخر ضد مرض لايم، وقد بدأت الجهود بالفعل تؤتي نتائج.
وحتى الآن، فإن اللقاح الذي قطع شوطاً أكبر في مسار التطوير هو لقاح طورته فايزر وفالنيفا، ويشترك هذا اللقاح في هدف مشابه مع لقاح "لايم إركس" القديم واللقاحات المصممة للكلاب، وهو جزء من بروتين يُعرف باسم "أو إس بي إيه"، يوجد على سطح بكتيريا "بوريليا بورغدورفيري" المسببة لمرض لايم.
ويحفز اللقاح جهاز المناعة لدى الشخص ويجعله ينتج أجساماً مضادة ضد ستة أشكال شائعة من بروتين "أو إس بي إيه" موجودة في الولايات المتحدة وأوروبا، وعندما تلدغ قرادة مصابة الشخص وتتغذى على دمه، فإنها تمتص أيضاً الأجسام المضادة الموجودة في دم الشخص، وداخل القرادة، ترتبط الأجسام المضادة ببروتين "أو إس بي إيه"، فتمنع البكتيريا من مغادرة القرادة.
ويقول هارت: "تتمكن الأجسام المضادة من مقاومة البكتيريا وهي لا تزال داخل القرادة، وبذلك تمنع حدوث العدوى من البداية".
وكانت شركة فايزر قد أعلنت، في وقت سابق، نتائج تجربة من المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي يقارن فيها العلماء تدخلاً طبياً جديداً بتدخلات قائمة أو بدواء وهمي، ويتحققون من سلامته، وفي هذه الحالة، شملت التجربة ما يزيد على 9400 شخص، وكشفت أن نظاماً من أربع جرعات كان فعالاً بنسبة تجاوزت 70 في المئة في الوقاية من مرض لايم، إلا أن عدداً أقل من المشاركين أُصيبوا بمرض لايم أثناء التجربة مقارنة بما كان متوقعاً، مما جعل النتائج أقل حسماً إلى حد ما مما كان الفريق يأمل.
ولم تُرصد أي مخاوف كبيرة تتعلق بالسلامة، وقالت فايزر في بيان صحفي إنها واثقة من إمكانات اللقاح، وتعتزم تقديمه إلى الجهات التنظيمية الحكومية في الولايات المتحدة لدراسة إمكانية الموافقة عليه.
وتقول لورا غودمان، الأستاذة المساعدة والباحثة في الأمراض المعدية الناشئة في كلية الطب البيطري بجامعة كورنيل في نيويورك: "سأحصل عليه بالتأكيد بمجرد أن يصبح متاحاً".
وبالمثل، تختبر شركة "موديرنا" لقاحين ضد مرض لايم يستهدفان بروتين "أو إس بي إيه"، وكلاهما يخضع لتجارب المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي يُختبر فيها التدخل على مجموعة من الأشخاص أكبر من تلك التي تُستخدم في المرحلة الأولى، لمعرفة مدى سلامته ومدى فعاليته المحتملة.
كما يدرس باحثون في جامعة ييل لقاحاً يحفز جهاز المناعة على الاستجابة للعاب القراد، ولم يخضع هذا اللقاح حتى الآن للتجارب على البشر.
يوجد خيار آخر يتمثل في الاستغناء عن اللقاح تماماً، فمنذ ما يزيد على 10 سنوات، يعكف مارك كليمبنر، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس تشان في ماساتشوستس، على تطوير حقنة تستهدف بروتين "أو إس بي إيه"، وفي حين يعمل اللقاح من خلال تحفيز جهاز المناعة على إنتاج الأجسام المضادة، تعمل هذه الحقنة على إدخال أجسام مضادة مُحضّرة مسبقاً مباشرة إلى جسم الإنسان، ولا يستغرق الأمر سوى يومين لامتصاص كمية كافية من الأجسام المضادة لتوفير الحماية لمدة أربعة أشهر.
جدير بالذكر أنه لا يوجد مرض لايم في جميع المناطق التي يوجد فيها القراد، فعلى سبيل المثال، تندر الإصابة به في جنوب شرق الولايات المتحدة، حيث يفضل القراد لدغ السحالي على لدغ الثدييات، ويقول كليمبنر إن الفكرة وراء الحقنة تتمثل في أن الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون أو يسافرون في المناطق التي ينتشر فيها مرض لايم يمكنهم الحصول عليها في بداية موسم القراد، إلى جانب جرعة ثانية في وقت لاحق.
ويُعرف هذا المنتج باسم "تي إن إكس-4800"، وقد اجتاز بالفعل تجارب سريرية للمرحلة الأولى، التي يُختبر فيها التدخل بهدف تحديد جرعة آمنة والكشف عن الآثار الجانبية المحتملة، وقد حصلت شركة "تونكس" للأدوية على ترخيص إنتاجه في عام 2025، وتعتزم إطلاق تجربة سريرية من المرحلة الثانية العام المقبل، وفقاً لما يذكره موقع الشركة الإلكتروني.
وفي غضون ذلك، تعمل شركة أدوية أخرى، هي "تارسس فارماسوتيكالز"، على تطوير قرص يستخدم المادة الفعالة نفسها الموجودة في دواء مضاد للقراد مخصص للكلاب، ويتداخل الدواء "تي بي-05" مع الجهاز العصبي للقراد ويقضي عليه سريعاً، على أمل أن يحدث ذلك قبل أن تتاح له فرصة نقل البكتيريا المسببة لمرض لايم وغيرها من مسببات الأمراض.
ويُعطى الدواء للكلاب في صورة قرص قابل للمضغ، بينما يُعطى للبشر في صورة قرص، وفي مارس/آذار الماضي من العام الجاري، أعلنت شركة "تارسس" أنها بدأت تجربة سريرية من المرحلة الثانية على البشر، ومن المتوقع صدور النتائج في النصف الأول من العام المقبل.
ويقول دورلاند فيش، الأستاذ الفخري لعلم الأوبئة في كلية ييل للصحة العامة بولاية كونيتيكت، والذي أجرى دراسات لعقود بشأن الأمراض المنقولة بواسطة النواقل، ومنها مرض لايم: "أعتقد أنه سيُحدث تغييراً جذريّاً"، ويضيف أن القرص قد يحمي أيضاً من أمراض أخرى منقولة بالقراد آخذة في الازدياد، ومنها داء البابيزيا وداء الأنابلازما.
بيد أنه من غير الواضح متى، أو ما إذا كانت هذه الخيارات ستصبح متاحة أصلاً. وفي غضون ذلك، تظل أفضل وسيلة للوقاية هي الحيلولة دون لدغات القراد من الأساس، وهذا يعني تجنب الأعشاب الطويلة، وارتداء ملابس واقية، والاستحمام وفحص الجسم بحثاً عن القراد بعد العودة إلى المنزل، ويقول هو إن هذه الوسائل المجربة والفعالة تنجح بالفعل، لكنها قد تكون صعبة على الناس.
ويضيف: "يصاب الناس بالتعب أو يكونون خارج المنزل حتى وقت متأخر من الليل، ويكون الأطفال متذمرين"، ومن هنا، فإن وجود لقاح أو قرص يمكن للناس تناوله، دون أن يضطروا إلى تذكره في كل مرة يخرجون فيها إلى الخارج، يمكن أن يمثل "فائدة حقيقية للصحة العامة".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة