(CNN)-- قبل ثلاث سنوات، تعرّض الأسترالي فليتشر كرولي لحادث دراجة تسبّب بإصابة خطيرة في ظهره. وبعد تشخيصه بالشلل السفلي، أبلغه الأطباء بأنه لن يستطيع المشي مجددًا .
لكن ذلك لم يمنعه من خوض مغامرات استثنائية برفقة صديقه لاشي بينيت خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وقد شملت تسلّق قمم جبلية، وعبور مناطق مكسوّة بالثلوج، وخوض تجارب مثيرة في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية .
وتجسيدًا لقوة الصداقة وروح "قل نعم"، ابتكر الصديقان طرقًا مكّنت كرولي من الوصول إلى معالم يصعب عادةً على مستخدمي الكراسي المتحركة بلوغها.
وقال كرولي لـCNN، إنه خلال الأيام الأخيرة من رحلتهما في جنوب إفريقيا، وفيما كانا يعبران ممرًّا جبليًا لخوض تجربة الطيران الشراعي: "كانت خطّتنا ببساطة أن نعيش التجربة بأنفسنا، وأخذ الكرسي المتحرّك معنا".
في شهر مايو/أيّار، استقبلت العائلة والأصدقاء الثنائي لدى عودتهما إلى منزلهما في مدينة سيدني الأسترالية، بعد رحلة حافلة بالمغامرات شملت 10 دول، شاركا تفاصيلها مع 140 ألف متابع عبر حسابهما على منصة "إنستغرام"، والمعروف بـ" twomates1chair ".
بعد حادث الدراجة الجبلية الذي تعرّض له كرولي في سبتمبر/أيلول 2023، أمضى 6 أشهر في المستشفى، خضع خلالها لبرنامج إعادة تأهيل مُكثّف .
وفي تلك الفترة، تواصل كرولي مجددًا مع صديقه من أيام الدراسة، بينيت، الذي كان يعمل في منشأة تضم مركزًا مُتخصصًا في دعم ذوي إصابات الحبل الشوكي وفندقًا في منطقة الشواطئ الشمالية بمدينة سيدني .
ومع تردّده إلى المنشأة لتلقّي جلسات العلاج الطبيعي، أسهم شغفهما المشترك بالمغامرة في توطيد صداقتهما .
حتى ذلك الحين، كان كلٌّ منهما يسافر إلى خارج البلاد بمفرده، ولم يسبق لهما أن سافرا معًا سوى في بضع رحلات داخل أستراليا .
بعد ذلك، بدأت تتبلور فكرة القيام بأول رحلة مشتركة بينهما، على أن تكون لأسبوعين في أمريكا الجنوبية، بداية .
لكن عرضًا مغريًا من وكالة السفر " Flight Centre " فتح أمامهما فرصة زيارة 4 قارات بتذكرة واحدة وبالسعر عينه، أي 1,480 دولارًا أمريكيًا لكلّ منهما .
وقال بينيت: "لم نتردّد لحظة واحدة، وانتهزنا الفرصة فورًا.. لم تكن أوروبا وهونغ كونغ ضمن خططنا أصلًا، لكنّنا وجدنا أنفسنا فجأة في طريقنا إليهما".
وعوض حصر خياراتهما في أماكن إقامة وأنشطة مهيّأة لمُستخدمي الكراسي المتحركة، قرر الصديقان التركيز على التجارب التي يرغبان بخوضها، انطلاقًا من قناعة مفادها: "سنجد طريقة لإنجاح الأمر"، وفق كرولي .
وفي هونغ كونغ، أولى محطاتهما، حمل بينيت صديقه على ظهره صعودًا إلى تمثال بوذا الهائل المصنوع من البرونز والمنتصب وسط الجبال. كما تسلّقا قمة "فيكتوريا"، البالغ ارتفاعها 360 مترًا، للاستمتاع بإطلالات بانورامية على أفق المدينة .
بعد 5 أيام حافلة بالنشاط والأجواء الإيجابية في هونغ كونغ، توجّه بينيت وكرولي إلى إيطاليا، حيث انطلقا في رحلة بريّة عبر أوروبا .
وفي ميلانو، تابعا منافسات دورة الألعاب البارالمبية الشتوية 2026، ثم واصلا رحلتهما متنقلين بين بيزا وفلورنسا وروما والبندقية، حيث استكشفا "المدينة العائمة" على متن قارب "الغوندول"، قبل أن يتوجها إلى منطقة الدولوميت الجبلية .
وهناك، دعاهما أحد السكان المحليين إلى ركوب عربة ثلجية، فلم يتردّدا بقبول الدعوة.
وبينما ترك كرولي كرسيه المتحرك، تولّى بينيت دعمه خلال تحركهما عبر الثلوج، مستعدين للانطلاق إلى أي مكان قد تقودهما إليه المغامرة .
ويعاني كرولي من شلل سفلي غير كامل جرّاء إصابة في الحبل الشوكي، ما يعني أن بعض الإشارات العصبية لا تزال تصل من دماغه إلى الجزء السفلي من جسده .
وقال: "أستطيع المشي لمسافة 10 أمتار، لكنني أشعر بإنهاك كبير بعدها".
وفي منزله بمدينة سيدني، يعيش كرولي حياة مستقلّة، كما أنه من عُشّاق الرياضات المتنوعة، من بينها التزلج جلوسًا، وركوب الأمواج، وركوب الدراجات الجبلية التكيفية .
وقال: "أستطيع عيش حياة رائعة بمفردي تمامًا، لكنني أحتاج أحيانًا إلى مساعدة بينيت أو إلى يد إضافية لأتمكن من القيام بالأشياء التي أريدها".
بعد عبورهما الحدود إلى سويسرا بالسيارة، استضافت عائلة محليّة كرولي وبينيت في منزلها، بعدما تعرّف ابنهما البالغ من العمر 10 سنوات إلى مغامرات الثنائي في هونغ كونغ عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
وقال بينيت: "لم نتخيل قط أن تُتاح لنا فرصة الإقامة لدى ألطف عائلة سويسرية على الإطلاق.. وقد تكرّرت التجربة بعد ذلك مرّات عدّة".
وأضاف: "بالطبع، يجب أن تتصرّف بحكمة وتحافظ على سلامتك، لكن كرم الغرباء كان يفوق كل التوقعات".
وكانت دعوتهما التالية من بادي، وهو أسترالي آخر انتقل إلى فرنسا لبدء حياة جديدة، إذ استضافهما في مزرعة الأغنام الخاصة به، بعدما غادر الصديقان بلدة "بياريتز" الشهيرة بركوب الأمواج .
وكانت المساعدة في رعاية الأغنام "إحدى أكثر محطات الرحلة غرابة وخلودًا في الذاكرة".
وبدوره، ثبّت كرولي عجلة مُخصّصة للطرق الوعرة في مقدمة كرسيه المتحرك، ما سهّل على بينيت دفعه عبر القشّ داخل الحظيرة .
وفي إطار رحلتهما الأوروبية، استقلّ الصديقان طائرة إلى هولندا لاستكشاف القنوات الشهيرة في العاصمة أمستردام .
وهذه المرّة، اعتمدا دراجة شحن مستأجرة للتنقل، تُعرف محليًا باسم "باكفيتس"، حيث قاد بينيت الدراجة، فيما جلس كرولي داخل الصندوق الخشبي الواقع بين المقود والعجلتين الأماميتين.
وبعد استكشاف شمال إسبانيا برفقة والدي كرولي، استأنف الصديقان رحلتهما منفردين، متجهين إلى الريفييرا الفرنسية، حيث اختتما جولتهما الأوروبية .
ولم تخلُ أماكن إقامتهما من المغامرة أيضًا؛ إذ أمضى الصديقان إحدى الليالي في كنيسة صغيرة تعود إلى القرن العاشر، وتضم مسبحًا، وتقع على قمة تلّ يتطلّب الوصول إليها صعود ألف درجة .
وقال كرولي: "كانت السلالم في كلّ مكان، لكن بينيت حملني على ظهره في بعض الأجزاء، بينما زحفتُ في أجزاء أخرى، وتمكّنا في النهاية من الوصول".
ورغم التحديات التي واجهها الصديقان خلال رحلتهما، إلّا أنها حملت أيضًا بعض المزايا، مثل استخدام مواقف السيارات المُخصّصة لذوي الإعاقة، والاستفادة من كرسي كرولي المتحرك كـ"صندوق أمتعة على مدار الساعة" .
صورة تجمع الصديقين في جزيرة "فلوريانوبوليس" بالبرازيل. Credit: Lachlan Bennet and Fletcher Crowley
لم تمنع السلالم الصديقين من مواصلة مغامرتهما في البرازيل، حيث استمتعا بحفلات على أسطح المباني في مدينة ساو باولو، واستكشفا الكهوف في مدينة بيلو هوريزونتي .
وفي إحدى محطات رحلتهما في البلاد، تحوّلت مغامرة القيادة على الطرق الوعرة إلى حادث غير متوقع، بعدما اصطدمت مركبة كرولي بنتوء في المسار الترابي، وانقلبت مرّتين حتى ارتطمت أخيرًا بالشجرة.
لكن لحسن الحظ نجا الجميع من دون إصابات .
صورة تجمع الصديقين في البرازيل. Credit: @twomates1chair
بعد ذلك، خاض الصديقان رحلة قيادة ملحمية استغرقت 18 ساعة في يوم واحد، وصولًا إلى جزيرة فلوريانوبوليس. وهناك، اختارا الإقامة في نُزُل بسيط على الشاطئ، واضعين التجربة في مقدمة أولوياتهما على حساب سهولة الوصول .
اختتم الصديقان رحلتهما في جنوب إفريقيا، حيث أمضيا 5 ليالٍ في العاصمة كيب تاون، قبل أن يتوجها لزيارة الأحياء السكنية ومشاهدة طيور البطريق على شاطئ "بولدرز"، وخوض تجربة الطيران الشراعي، والقيام برحلة برّية على طول طريق "غاردن روت".
وفي قرية "غانسباي"، استقلّ بينيت وكرولي قاربًا وجهته عرض المحيط الأطلسي لمشاهدة أسماك القرش من داخل قفص. ثم واصلا رحلتهما إلى محمية "أمالاها"، حيث خاضا أول تجربة سفاري لهما بحثًا عن الأسود والنمور والزرافات ووحيدي القرن الأسود والأبيض .
وأكثر اللحظات التي لا تنتسى في ختام رحلة الصديقين، كانت زيارتهما نتوء "كيب بوينت"، الواقع عند أقصى جنوب القارة الأفريقية .
ورغم الانتقادات التي طالت الصديقين بشأن بعض مخاوف السلامة، واصلا التركيز على الجوانب الإيجابية في رحلتهما، التي أعادت طرح مفهوم سهولة الوصول.
وقال كرولي: "يمكن جعل العالم أكثر سهولة بمساعدة الآخرين.. ومن دون دعم بينيت، لما كنت قريبًا من جعل هذه الرحلة ممكنة".
المصدر:
سي ان ان