لقاء مع الشاب الصاعد فهيم أمير دكور “عبقري” العزف على الكمان وآلات موسيقية عديدة
ثمة لقاءاتٌ لا تُشبه سواها، خاصة وأنا أجلس أمام أحد طلابي، لا لأمنحه درسًا، بل لأمنح نفسي شرف الإصغاء إلى حكايته. أجري معه هذه المقابلة، وفي داخلي سعادةٌ يصعب أن تختصرها الكلمات؛ فليس أجمل من أن ترى طالبًا يحمل شغفًا حقيقيًا، ويتحدث عن حلمه بعينين تلمعان بالإيمان والمحبة.
في حفل تخريج صفّ الثامن في مدرسة مار يوحنا، وقف هذا العبقريّ المسمّى فهيم أمام مئات الأشخاص ليعزف معزوفة عازف الكمان والملحّن الإسباني Sarasate، صاحب أشهر القطع الموسيقيّة الصعبة التي تعكس حياة الغجر، وهي “Zigeunerweisen”.
كلّي أمل أن يكون هذا الحوار أكثر من مقابلة، فهو نافذةً يطل منها الناس على موهبةٍ تستحق أن تُرى، وعلى شابٍ يؤمن بأن الأحلام تكبر كلما وجد من يصدقها.
أجرت المقابلة المربية: نداء نصير
تولد بعض المواهب من الشغف، بينما تولد أخرى في بيتٍ يتنفس الفن، فتغدو الموسيقا جزءًا من نبض الحياة قبل أن تكون هواية أو مهارة. وحين ينشأ الطفل في عائلة تؤمن بأن الجمال يصنع الإنسان، يجد طريقه إلى الإبداع وكأنه يسير في دربٍ كُتب له منذ البداية.
ينتمي فهيم دكور، مواليد الثاني من حزيران عام 2012-البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، إلى أسرة صغيرة وهبها الله حب الفن بالفطرة. فقد كان والده أمير مهندس برمجة الحواسيب، عازف الدرامز، أول من أمسك بيده، وفتح له أبواب الموسيقا، وغرس في قلبه الإيقاع والثقة، لتكون تلك الخطوات الأولى بذرة حلمٍ أخذ يكبر يومًا بعد يوم. أما والدته روان المُعالِجة بالنطق، فكانت السند الدائم، تؤمن بموهبته، وتشجعه في كل محطة، وتمنحه القوة ليواصل طريقه بعزيمة وثبات، فيما لم يختصر دور الأخت الصغيرة نورا على الاصغاء فحسب، انما أصبحت بحكم البيئة التي عاشتها عازفة كمان أيضا، تشارك فهيم الشغف نفسه وتسير ذات المسار، فتنساب الألحان مجتمعة إلى روحها حتى تحملها برفق إلى عوالم رحبة، يزهر فيها الخيال وتهمس الأحلام.
وفي هذا المناخ المليء بالمحبة والإلهام، وجد عالمه الحقيقي بين الفن والموسيقا. ولم يكن الكمان بالنسبة إليه مجرد آلة يعزف عليها، بل صوتًا لروحه، يترجم بأوتاره ما تعجز الكلمات عن وصفه، ويمنحه مساحة يعبّر فيها عن أحلامه ومشاعره بكل صدق وجمال.
س: خبّرنا عن مسيرتك الفنيّة!
دكور: نشأتُ في بيتٍ كانت الموسيقا فيه حاضرةً بكل تفاصيلها. كان والدي يعزف على آلة الدرامز، فكانت الألحان تملأ أرجاء المنزل، وكانت الآلات الموسيقية جزءًا من المشهد اليومي. بدأتُ أُدندن على الغيتار وأنا في الرابعة من عمري، وعندها أدرك والدي أن لديّ شغفًا فطريًا بالموسيقا وموهبة تستحق أن تُرعى. كان والدي أول من اكتشف هذا الشغف وآمن به، ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلتي مع الموسيقا.
بعد ذلك، انتقلتُ لأخوض تجربتي الأولى مع آلة الكمان. اصطحبني والدي إلى معهد الكرمل للموسيقا في حيفا، الذي يديره الأستاذ ألبير بلّان، ولم أكن قد تجاوزت الرابعة من عمري. التحقت بدورة استمرت نحو عام أو أكثر، وخلالها بدأت ألحظ تطورًا متسارعًا في عزفي، كما لاحظه أساتذتي ووالدي.
ومع مرور الوقت، اكتشفت أنني لا أجد نفسي في عزف الأغاني العربية الشرقية؛ لم أشعر بالمتعة التي كنت أبحث عنها. لذلك اتجهت إلى الموسيقا الغربية الكلاسيكية، وبدأ والدي يبحث لي عن معهد يُعنى بهذا اللون الموسيقي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحمل كماني إلى دروس الموسيقا الكلاسيكية الغربية في معهد روبين للموسيقا في حيفا وقد كان أول من استقبلني هناك الأستاذ “يفغيني أفتر” الذي كان مسؤولا عن اختياري للمعلم والمرشد المناسب لي، وقد اكتشفت مع مرور الوقت أن معلّمي “يفغيني” هو من أفضل معلمي ومرشدي الكمان في البلاد، وكان له الأثر الكبير في تطوري الموسيقي ومسيرتي عمومًا.
س: ما الذي أضافه إليك هذا المعهد، إلى جانب اهتمامه بالموسيقى الغربية الكلاسيكية؟
دكور: وجدت في المعهد أستاذًا آخرَ آمن بموهبتي وشجّعني كثيرًا. وقد لاحظ منذ وقت مبكر أنني أمتلك سمعًا موسيقيًا مطلقًا (שמיעה אבסולוטית)؛ أي القدرة على تمييز النغمات وعزف أي لحن أسمعه بدقة، من دون الحاجة إلى مرجع موسيقي. لذلك بدأ يكلّفني بمعزوفات تتدرج في مستويات الصعوبة، وكان يحرص على أن يتحدى قدراتي ويدفعني إلى التقدم باستمرار.
س: كيف انعكس تطورك في العزف على مكانتك داخل المعهد؟
دكور: انضممت إلى الجوقة الجماعية التابعة للمعهد-الأوركسترا-، وهناك بدأت موهبتي تتجلّى بصورة أوضح. لاحظ أساتذتي، كما لاحظ زملائي، أنني أسرع من الجميع في استيعاب النغمات وإتقان المعزوفات، وأنني أواكب الأعمال الموسيقية بوتيرة تفوق سني وخبرتي. لذلك قرروا نقلي إلى الفرقة المتقدمة- المجموعة الأكبر، التي كانت تضم عازفين أكبر مني سنًا وأكثر خبرة، معظمهم في الثامنة عشرة من العمر. كنت آنذاك في الثامنة فقط، وأصغر عازف في الفرقة، لكن ذلك لم يكن عائقًا، بل كان دافعًا لأن أبذل جهدًا أكبر وأثبت أن الموسيقا لا تقاس بالعمر، بل بالموهبة والاجتهاد.
بدأتُ أحبّ العزف بعمق، غير أن التمرين لم يكن يسير بالنسبة لي بالقدر نفسه من المتعة. ومع ذلك، أدركتُ أن العزف بلا تدريب يشبه البناء بلا أساس، لذلك التزمتُ بروتين يومي صارم، كنت أتمرّن خلاله ساعتين حتى ثلاث ساعات، وأحيانًا أربع ساعات يوميًا، سعيًا إلى تطوير أدائي وصقل موهبتي.
س: أي أبواب جديدة أخرى فُتِحَت أمامك جرّاء هذه الشهرة المبكرة والتعريف بموهبتك؟
دكور: بدأ معهد روبين بنشر أخبار عني وعن قدراتي على صفحاته في فيسبوك، كما شاركت والدتي بنشر هذه الإنجازات. ومع تزايد الاهتمام بي، بدأت الدعوات تصلني للمشاركة في فعاليات ومناسبات موسيقية مختلفة، الأمر الذي فتح أمامي أبوابًا جديدة، وصولًا إلى معهد الموسيقى في القدس، حيث كانت خطوة مهمة ومفصلية في مسيرتي الفنية.
في ذلك المعهد، طُلب مني التقدّم إلى امتحان قصير أمام لجنة مُحكَمة مكوّنة من شخصين. قدّمت حينها عزفًا لمقطوعة Vivaldi Summer، وبعد الأداء مباشرة تم قبولي وانتقالي إلى فرقة “الهارمونية الإسرائيلية”.
هناك أصبحت أحد عازفيها، وبدأت أقدّم معزوفات خاصة بي في القدس وفي عدد من البلدات الأخرى، مما أتاح لي مساحة أوسع للتجربة والانتشار. لاحقًا، تم استقطابي إلى المجموعة الكبيرة في القدس، والتي كانت تضم عازفين أكبر سنًّا وأكثر خبرة، فكانت خطوة جديدة ومهمة في مسيرتي الفنية.
س: كيف توفّق بين الدراسة والموسيقا؟
دكور: أحرص على تخصيص وقت يومي للتدريب على الكمان يتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات. هذا الالتزام يتطلّب مني أحيانًا التنازل عن بعض الأنشطة التي يقوم بها أقراني في مثل سني، بل إنني اضطررت في أوقات معينة إلى “التضحية” ببعض الأمور العائلية، حتى أتمكّن من توفير الوقت الكافي للتدريب والتطوّر. أحيانًا كنت أفكّر بترك العزف لأعيش طفولتي مثل الآخرين، وذلك بسبب الضغط. فالكل ينهي دوامه التعليمي وينشغل بأمور أخرى تلائم جيلنا، أمّا أنا فكان يتوجب عليّ دائمًا الالتزام بالتدريبات اليومية. اليوم أنا مقتنع بأن ثمرة جهدي قد أثمرت وحققت نتيجة. ومع دخولي المرحلة الثانوية، سأكون أكثر حرصًا على التوازن بين الدراسة اليومية والممارسة الموسيقية المنتظمة، وسأستعد للتقدّم لاحقًا لوحدات البجروت في الموسيقا.
س: هل تفكّر في امتهان هذه الموهبة يومًا ما؟
دكور: حتى الآن لم أحسم قراري بشكل نهائي، رغم أن لديّ ميولًا واضحة نحو احتراف الموسيقا. في رأيي، فكرة أن الموسيقا لا يمكن أن تكون مصدر رزق ليست دقيقة؛ فهي يمكن أن تصبح مهنة حقيقية ومصدر دخل، وذلك يعتمد على مستوى العازف، وقدرته على التطور، ومدى الطلب عليه، إضافة إلى فرص الوصول إلى المسارح والمنصات في الخارج، وانتشار اسمه على نطاق أوسع يصل إلى العالمية. أما بالنسبة لدراستي الاكاديمية، قد يكون موضوع عالِم أحياء هو ما يشدّني، وبالإمكان استعمال الموسيقا في الدراسة وربطها معًا. وهذا ما كنت أفعله دومًا- أدرس وأفهم المواد وأحفظها مستعيًنا بالعزف.
س: هل كانت لديك مشاركات في مسابقات او برامج فنيّة خارجيّة؟
دكور: شاركت في عدد من المسابقات الموسيقية، سواء داخل البلاد أو خارجها. كانت لي مشاركات دولية في مسابقات في لندن وألمانيا عن بُعد، إلى جانب مشاركات حضورية داخل البلاد. وأود التوضيح أن معظم مشاركاتي كانت دون مقابل مادي، فيما قُدِّمت لي بعضها ضمن منح أتاحت لي الالتحاق ببرامج الموسيقا للمتميّزين التابعة لوزارة التربية والتعلم، وذلك بعد الاعتراف بتميّزي في الأداء الموسيقيّ، إضافة الى حصولي سابقًا على برنامج المتميّزين العلميّ.
تعتمد هذه المسابقات عادةً على اختيار مقطوعة موسيقية، ثم تسجيلها وإرسالها للجنة التحكيم، حيث يتم تقييم الأعمال وفق معايير فنية دقيقة، ضمن فئات مختلفة للموسيقيين الشباب والملحنين. وفي حال اختيار الأداء، يُمنح العازف فرصة المشاركة إلى جانب موسيقيين معروفين على المستوى العالمي، وهو ما يُعدّ شرفًا كبيرًا وتجربة مهمّة.
وأطمح في المستقبل القريب إلى توسيع مشاركاتي، وربما السفر إلى اليابان للمشاركة في أحد هذه المحافل الدولية. كما وأحلم بالوصول الى مسارح عالمية في المانيا وأمريكا خاصة نيويورك.
س: من هو مثلك الأعلى في الموسيقا والعزف؟
دكور: مثلي الأعلى في عالم الموسيقا هما العازفان راي تشن ” “Ray Chen ويِتسحاق بيرلمان، إذ أجد في أسلوبهما الفني وعمق تعبيرهما مصدر إلهام كبير لي، ودافعًا دائمًا للتطور والسعي نحو مستوى أعلى في العزف.
س: هل تعزف في المناسبات العائلية؟ كيف يكون ردود فعل الأهل والاقارب؟
دكور: جميع أفراد العائلة يشجعونني، وخاصة والدي الذي يعدّ الداعم الأساسي لي منذ البداية. كما أن جدّي وجدّتي يهتمان بي كثيرًا ويحرصان على الاستماع لي كلما أزورهما في قرية عيلبون، وغالبًا ما أجد نفسي أعزف أمامهم في منزلهم وسط حضور سكان “البلدة”. إضافة الى تشجيع جدي وجدتي اللذين يعيشان في حيفا، إذ يحرصان على حضور معظم الحفلات الموسيقيّة لتشجيعي ومساندتي.
ولا يقتصر التشجيع على العائلة فقط، بل يمتد إلى الأصدقاء والجيران أيضًا؛ فعندما أعزف في الحيّ ينضمّ الجميع على السطح للاستماع، كما وأن كثيرًا منهم يحرص على حضور الحفلات الموسيقيّة التي أشارك فيها لتشجيعي. وهذا بحدّ ذاته أكبر دافع لي للاستمرار والتطور. كما أن زملائي في الصفّ ومعلميّ قدّموا لي الدعم والتشجيع في كل مناسبة.
وفي المناسبات العائلية والأعراس أحيانًا تتاح لي فرصة العزف أمام الحضور، وهو ما يمنحني شعورًا جميلًا بالثقة ويجعلني أكثر ارتباطًا بالموسيقى وبالجمهور من حولي.
س: ما هي نقاط القوة لديك في العزف وما الذي بحاجة الى تحسينه في اداءك؟
دكور: تتمثل إحدى نقاط قوتي في سرعة تكيّف أصابعي مع الآلة، إذ أتمكّن من التأقلم مع أي معزوفة بشكل مباشر نسبيًا، إضافة إلى قدرتي على تعلّم المقطوعات وتنفيذها بسرعة.
وأذكر أنه عندما كنت في السادسة من عمري، وكنت أعزف في منزل جدّي في عيلبون، كان الشباك مفتوحًا بالصدفة، فسمعني جار جدّي، وهو عازف تشيلّو، فتعرف على اللحن وطلب من جدّي نشر المقطوعة على صفحات فيسبوك. ومنذ ذلك الوقت ازداد حافزي للعزف، وبدأت أحرص أكثر على التدريب وتطوير مستواي الفني.
أما بالنسبة للجوانب التي أحتاج إلى تطويرها، فأنا أدرك أهمية الاستمرار في التقدّم بشكل دائم، وكما يوجّهني والداي، عليّ التركيز على الديناميكية في العزف، من حيث رفع وخفض الصوت بشكل أدق وأكثر تعبيرًا. أحتاج أيضًا إلى الاستماع للموسيقى بشكل أوسع، والعمل على تحقيق توازن أفضل بين الإحساس الداخلي بالموسيقى وإظهاره أثناء العزف على الكمان، بحيث لا يبقى الشعور داخليًا فقط، بل ينعكس بوضوح في الأداء.
س: ما الذي قدّمته لك الموسيقا والعزف على الكمنجا بشكل خاصّ؟
دكور: أضافت لي الموسيقا، والعزف على الكمان بشكل خاص، الكثير على الصعيدين الشخصي والفني. فهي ساعدتني على تقوية حاسّة السمع لديّ، وجعلتني أكثر انتباهًا للتفاصيل الصوتية الدقيقة. كما أنّها فتحت أمامي آفاقًا للتعرّف إلى ثقافات ولغات مختلفة، مثل الإيطالية والروسية وغيرها، من خلال الأعمال الموسيقية المتنوعة.
والكمان بالنسبة لي آلة عالمية؛ حتى عندما أسافر للمتعة أو الاستجمام، أجد نفسي أشتاق إليها، فأبدأ بالدندنة أو التمرّن ذهنيًا، متخيّلًا النوتات وحركة الأصابع والقوس وكأنني أعزف فعليًا في الهواء. لقد ساعدتني الموسيقى أيضًا على أن أصبح أكثر هدوءًا واتزانًا، ومنحتني طريقة مختلفة للتعبير عن نفسي والشعور بما يدور حولي بشكل أعمق.
س: أين فهيم اليوم؟
دكور: اليوم أتمرّن أسبوعيًا ضمن الجوقة الكبيرة التابعة لمعهد الموسيقى في القدس، وذلك في إطار نشاطي داخل حرم جامعة تل أبيب، حيث يضمّ المعهد مبنى مخصّصًا للموسيقى والتدريب.
كما أن لديّ مشاريع موسيقية خاصة، وقد تلقيت دعوة للعزف مع “فرقة البلد” في الناصرة.
وأمتلك أيضًا قناة على يوتيوب باسم “الكونسيرتات”، بالإضافة إلى قناة أخرى توثّق مسيرتي الفنية منذ سنّ الرابعة وحتى اليوم، حيث أشارك من خلالها مراحل تطوّري وتجربتي مع الموسيقا.
في الختام، يعزف فهيم على الكمان والغيتار والدرامز والبيانو والعود، وكأنه يعزف على القلوب ليمنحها سلامًا وطمأنينة في مجتمع يحتاج إلى بقعة، بل إلى بقع من الضوء.
إنه مثال لشاب اختار أن يجعل من الموسيقا طريقًا نحو التميّز، حاملًا في قلبه حلمًا كبيرًا، وفي يديه موهبة تنمو مع كل نغمة، ليكتب مستقبلًا يليق بما يحمله من إبداع وإنسانية.
المصدر:
الصّنارة