آخر الأخبار

كيف تحول نهر السين إلى أشهر وجهة للسباحة في باريس؟

شارك

(CNN) -- إذا كنت تخطط لزيارة باريس هذا الصيف، فقد ترغب في إضافة تجربة السباحة في نهر السين إلى برنامج رحلتك، خاصة بعد موجات الحر الشديدة التي شهدتها المدينة مؤخرًا.

وقد سجلت باريس درجات حرارة قياسية تجاوزت 40 درجة مئوية، ومع توقع استمرار الطقس الحار، أصبحت العودة إلى السباحة في النهر وسيلة مثالية للتخفيف من الحر.

وابتداءً من هذا الصيف، افتتحت السلطات الفرنسية ثلاثة مواقع مجانية للسباحة في نهر السين، في خطوة تعكس تحولًا كبيرًا بعد حظر استمر أكثر من 100 عام.

ويعود تاريخ السباحة في السين إلى القرن السابع عشر، حين كان السكان يسبحون مباشرة من ضفاف النهر. لكن السلطات فرضت حظرًا عام 1716 بدعوى الحفاظ على الآداب العامة.

مصدر الصورة حسبما تُظهر هذه الصورة من عام 1929، كان الباريسيون يستمتعون بالسباحة في نهر السين قبل أن تتدهور الأوضاع. Credit: /Gamma-Keystone/Getty Images

وفي القرن الثامن عشر، ظهرت الحمامات العائمة التي سمحت للناس بالسباحة داخل مناطق آمنة في مياه النهر. ومع القرن التاسع عشر أصبحت السباحة نشاطًا اجتماعيًا ورياضيًا مهمًا، حيث انتشرت المنشآت التي تضم مطاعم ومقاهي ومدارس لتعليم السباحة، وكان من أشهرها مسبح "ديليني" الذي استضاف بعض منافسات أولمبياد باريس عام 1900.

مع بداية القرن العشرين تراجع هذا العصر الذهبي بسبب تزايد حوادث الغرق وحركة الملاحة النهرية، فأصدرت الحكومة الفرنسية عام 1923 قرارًا يمنع السباحة في السين. ورغم استمرار بعض المنشآت في العمل عبر إنشاء أحواض منفصلة عن مياه النهر، ظل كثير من السكان يسبحون بشكل غير رسمي خلال الصيف، كما استمرت بعض سباقات السباحة الطويلة رغم القيود.

مصدر الصورة كان نهر السين لا يزال شائعاً في الخمسينيات، ولكن بعد عقدين من الزمن، تم إعلانه منطقة محظورة. Credit: Hirz/Archive Photos/Getty Images

لكن السبب الحقيقي لاختفاء ثقافة السباحة لم يكن القوانين وحدها، بل التلوث الشديد. وفي منتصف القرن العشرين، أصبحت مياه السين تستقبل كميات هائلة من مياه الصرف غير المعالجة، ما أدى إلى انهيار النظام البيئي واختفاء معظم أنواع الأسماك، حتى وصف النهر في سبعينيات القرن الماضي بأنه ميت بيولوجيًا.

وبدأت جهود استعادة النهر في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعهد عمدة باريس آنذاك جاك شيراك بالسباحة فيه لإثبات نظافته، إلا أن الوعد لم يتحقق بسبب استمرار التلوث، وأصبح موضوعًا للسخرية لسنوات طويلة. وحتى عام 2013 أُلغيت منافسات الترياثلون في باريس لأن جودة المياه لم تكن آمنة.

مصدر الصورة شهد نهر السين افتتاح أول مسبح عام حديث له في عام 2025. ومن المتوقع أن يكون هذا العام، مع ارتفاع درجات الحرارة، أكثر شعبية من أي وقت مضى. Credit: Tom Nicholson/Getty Images

وعاد المشروع إلى الواجهة مع استعداد باريس لاستضافة الألعاب الأولمبية 2024، حيث استثمرت الحكومة أكثر من مليار يورو في تحديث شبكة الصرف الصحي وإنشاء منشآت حديثة لمعالجة مياه الأمطار ومياه الصرف. وكان أبرز هذه المشروعات حوض ضخم تحت الأرض بالقرب من محطة أوسترليتز، صُمم لتجميع مياه الأمطار الزائدة ومنع اختلاطها بالنهر خلال العواصف، ثم إرسالها لاحقًا إلى محطات المعالجة. وأسهم هذا النظام في تقليل حوادث تلوث النهر بشكل كبير.

وقد استُخدم السين بالفعل في بعض مسابقات السباحة خلال أولمبياد باريس، ورغم تسجيل حالات مرضية محدودة بين بعض الرياضيين، لم يثبت وجود علاقة مباشرة بجودة المياه. وبعد نجاح التجربة، عاد النهر ليستقبل الجمهور، حيث زاره نحو مئة ألف شخص في أول موسم للسباحة العامة.

مصدر الصورة تزامنت الجهود الضخمة لتنظيف النهر مع دورة الألعاب الأولمبية لعام 2024 في باريس، والتي استخدمت نهر السين لمسابقات السباحة. Credit: David Goldman/Getty Images

وتضم مواقع السباحة الحالية ثلاثة أماكن رئيسية: موقع "برا ماري" بالقرب من كاتدرائية نوتردام ويوفر إطلالة رائعة على قلب باريس التاريخي، وموقع "غرونيل" الذي يمنح السباحين منظرًا مباشرًا لبرج إيفل وتمثال الحرية المصغر، إضافة إلى موقع "بيرسي" الذي يعد الأكبر والأفضل للراغبين في ممارسة السباحة الرياضية.

ورغم أن مياه السين ليست صافية كالتي تشتهر بها شواطئ البحر المتوسط، فإن التجربة تبقى مميزة.

وتعتمد السلطات نظامًا من الأعلام يحدد سلامة السباحة؛ فالعلم الأخضر يعني أن المياه آمنة، والأصفر يدعو إلى الحذر، بينما يشير الأحمر إلى منع السباحة بسبب سوء جودة المياه أو الأحوال الجوية. كما تُجرى اختبارات يومية للكشف عن البكتيريا، ويُغلق النهر مؤقتًا إذا ارتفعت مستويات التلوث.

ولا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت تكلفة تنظيف السين، التي تجاوزت مليار يورو، تستحق هذا الاستثمار الضخم. إلا أن عودة السباحة إلى قلب باريس بعد أكثر من قرن تمثل إنجازًا بيئيًا وثقافيًا مهمًا، ومع تزايد موجات الحر، قد يصبح نهر السين ملاذًا صيفيًا دائمًا لسكان المدينة وزوارها، ورمزًا لقدرة المدن على استعادة مواردها الطبيعية وتحويلها إلى فضاءات عامة آمنة وممتعة.

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار