يعدّ اختيار الإنجاب من عدمه وتنظيمه حق أساسي لكل شخص ومسؤولية مشتركة بين الشريكين، رغم أن عبء استخدام وسائل منع الحمل يقع غالبا على النساء، فإن بعض الرجال يلجؤون أيضاً إلى وسائل منع حمل، إلا أن الخيارات المتاحة لهم ما تزال محدودة.
ومع تزايد وعي الشباب بتأثير وسائل منع الحمل الهرمونية وآثارها الجانبية، يبرز طلب متزايد على حلول أكثر أماناً ومرونة، ولهذا يعمل باحثون في عدد من الجامعات الألمانية على تطوير وسيلة منع حمل جديدة للرجال، قد تشكّل ثورة في هذا المجال كونها آمنة وغير هرمونية، وفقاً لبوابة البيانات الصحفية الألمانية.
هنا يأتي دور مشروع البحث متعدد التخصصات "كونترابور" ( ContraPur )، الذي يهدف إلى تطوير وسيلة حمل غير هرمونية للرجال، من خلال فهم العمليات الجزيئية والفيزيولوجية الكامنة في الخصيتين وكيفية التأثير عليها بشكل دقيق على المدى الطويل.
ومستقبلاً قد يكون من الممكن تعطيل حركة الحيوانات المنوية مؤقتاً، وبالتالي جعل الرجال يعانون من العقم المؤقت، دون التأثير بشكل دائم على خصوبتهم.
تموّل الوزارة الاتحادية للبحث والتكنولوجيا والفضاء ( BMFTR ) المشروع الذي تتولى جامعة آخن التقنية تنسيقه، بمبلغ يقارب ثلاثة ملايين يورو، ويشارك في المشروع باحثون من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ (LMU) ، وجامعات بون، وجيسن، ومونستر، ضمن اتحاد "كونترابور" البحثي.
ويتولى تنسيق المشروع البروفيسور مارك شبير، رئيس قسم علوم الحواس الكيميائية في جامعة آخن التقنية، ويوضح أن هدف المشروع تطوير طريقة آمنة، قابلة للعكس، وغير هرمونية، تتيح خيارات جديدة للرجال لتنظيم الأسرة، وتساهم في الوقت نفسه في توزيع أكثر عدلاً للمسؤولية بين الرجل والمرأة.
يركز العلماء في وسيلة منع الحمل هذه على عملية بيولوجية داخل الخصية لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، وهي مسؤولة عن نقل الحيوانات المنوية داخل القنوات المنوية. تعتمد هذه العملية على ما يُسمى بمسار الإشارات البيورينية، وهو نظام اتصال خلوي حيوي يعتمد على إفراز جزيئات تعتمد على البيورينات، مثل جزيء الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) الموجود في الجسم، ويعمل هذا النظام كشبكة تنظيمية أساسية في جميع أنسجة الجسم تقريباً لتنسيق الوظائف الفسيولوجية والاستجابات المناعية، وفقاً لمنصة "ساينس دايركت" العلمية.
ويبدأ هذا النظام عندما يُفرَز جزيء ( ATP ) المعروف بأنه مصدر الطاقة الرئيسي داخل الخلايا، لكن يتبين أنه يلعب أيضاً دوراً مهماً كإشارة تنظيمية، هذه الإشارة تؤدي إلى انقباض خلايا عضلية دقيقة تحيط بالقنوات المنوية داخل الخصية.
تنقل هذه الانقباضات الحيوانات المنوية الناضجة غير المتحركة داخل الخصيتين وتوجهها، وقد يؤدي ذلك إلى منع وصولها إلى البربخ، حيث يتم تخزين الحيوانات المنوية وتجهيزها للتخصيب، دون التأثير بشكل دائم على الخصوبة ، بحسب موقع ZDFقناة الألمانية .
وفي نفس السياق قال الأستاذ الدكتور أرتور مايرهوفر، باحث في مشروع كونترابور البحثي: "ينتج الرجال الأصحاء ملايين الحيوانات المنوية في الساعة. إنها عملية بالغة التعقيد. قد يكون تثبيط حركة الحيوانات المنوية في الخصيتين أسلوباً فعالاً بحد ذاته، بل وأكثر من ذلك، كأسلوب تكميلي محتمل، وعند دمجه مع أساليب أخرى، قد يكون بالغ الفعالية".
ويُجري الباحثون حالياً تجارب عديدة ويختبرون الأدوية المرشحة لمعرفة تأثيرها على انقباض هذه الخلايا، ويهدف المشروع إلى اكتساب فهم أعمق لوظائف الخصية، وتحديد المواد التي يمكنها تعطيل حركة الحيوانات المنوية مؤقتاً دون التأثير سلباً على الخصوبة بشكل دائم، وفقاً لبوابة طب المختبرات ( MedLabPortal ).
ومن المرتق أن يكون استخدام الوسيلة الجديدة لمنع الحمل عند الرجال متاحا في غضون ثلاث سنوات وفقَ بوابة البيانات الصحفية الألمانية، مما ييشكّل ثورة طبية في مجال منع الحمل عند الرجال.
يعدّ تطوير وسائل منع حمل خاصة بالرجال تحدياً كبيراً وأكثر تعقيدا مقارنة بالنساء، إذ تنتج النساء بويضة واحدة فقط شهرياً، بينما ينتج الرجال ملايين الحيوانات المنوية بشكل مستمر. وبذلك يمكن للنساء الاستفادة من نمط الدورة الشهرية الطبيعية لتنظيم الحمل عبر الحبوب الهرمونية لمنع الحمل ، في حين لا يوجد ما يماثل هذا النمط البيولوجي لدى الرجال، مما يجعل تطوير وسائل فعالة لهم أكثر صعوبة.
مراجعة: طارق أنكاي
المصدر:
DW