تتمتع ملصقات عبوات الأطعمة بأثر كبير على صحتنا، فهي ليست مجرد تفاصيل على عبوات الطعام، بل رسائل توجه اختياراتنا اليومية.
وتلعب البيئة المحيطة بنا دوراً كبيراً في تحديد ما نأكله، وتشير الأدلة إلى أن تحسين مستوى هذه الملصقات وزيادة الوعي الغذائي أمران أساسيان لتشجيع المستهلكين على اتخاذ خيارات أكثر صحة.
فعند دخول أي متجر كبير، يجد المستهلك نفسه أمام مجموعة واسعة من الأطعمة غير الصحية فائقة المعالجة (UPFs)، والتي غالباً ما تكون مغرية ويصعب مقاومتها.
ونعيش الآن في عصر الوفرة، حيث يواصل متوسط وزن الإنسان الزيادة، وهو ما يرتبط بشكل وثيق بالاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة.
لكننا أصبحنا أكثر فهماً لأثر الرسائل الموجودة على عبوات الطعام على ما نشتريه وما نأكله. فقد تحدث تغييرات بسيطة في طريقة عرض المعلومات على الملصقات فارقاً ملحوظاً في قرارات الشراء، كما أن الارتقاء بالمعرفة ذات الصلة بالتغذية يساعد على اتخاذ خيارات أكثر وعياً.
ويؤكد العديد من الخبراء أن البيئة الغذائية نفسها أصبحت "مسببة للسمنة"، أي أنها توفر ظروفاً تدفع الناس إلى سلوكيات تؤدي إلى زيادة الوزن. فمن طريقة إنتاج الطعام وتسويقه إلى طريقة عرضه في المتاجر، تؤثر عوامل عدة في سلوك المستهلك وتدفعه نحو خيارات غير صحية.
ولمواجهة المستويات المتزايدة من السمنة، نحن بحاجة إلى تغيير النمط الغذائي. وتشير أبحاث حديثة إلى أن التدخلات السلوكية، إلى جانب السياسات العامة، يمكن أن تحدث فرقاً ملموساً، سواء عبر تعديل البيئة الغذائية أو تعزيز الوعي الصحي، بما يسهم في الحد من تفاقم المشكلة عالمياً.
وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يصاب أكثر من نصف البالغين في العالم بالسمنة إذا استمرت اتجاهات التغذية الحالية، وفقاً لدراسة نشرت في مجلة ذا لانسيت العلمية في عام 2025.
المشكلة أن البيئة الغذائية نفسها تعد جزءاً من الأزمة، إذ تصمم في كثير من الأحيان لتعظيم الأرباح على حساب الصحة العامة. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يمكن فعله؟
يقول فرانكو ساسي، الباحث البارز في مجال الصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، إن الناس يشعرون وكأنهم يملكون حرية الاختيار فيما يشترونه ويأكلونه، لكن الأدلة العلمية تظهر صورة مختلفة. ويضيف: "البيئة هي التي تحدد ما ستختاره، حتى لو كنت تعتقد أنك تتحكم في قرارك". وهذا الواقع يقود الناس بشكل متكرر إلى خيارات غير صحية.
وتلعب عوامل عدة دوراً كبيراً في القرارات التي نتخذها في نهاية الأمر، أبرزها كيف تسوّق المنتجات لنا وأين تعرض داخل المتاجر. ويقول ساسي: "فكل ما في حياتنا يتحكم فيه ما نراه في البيئة من حولنا".
وأثبتت أبحاث عديدة أن اختياراتنا الغذائية تتأثر بشدة بما يحيط بنا، وبما هو متاح وأسعاره، أكثر مما تتأثر بقرارات واعية نتخذها بأنفسنا.
ما يثير القلق هو أن ملصقات الأطعمة فائقة المعالجة تصمم لتكون شديدة الجاذبية، بل يصفها البعض بأنها قد تكون مسببة للإدمان. ويأتي ذلك رغم تزايد الأدلة التي تربط بين هذه الأطعمة وآثار صحية خطيرة، قد تصل إلى حد الوفاة المبكرة.
كما أن كتابة الحقائق الغذائية بوضوح على هذه الملصقات قد تغير سلوك المستهلك إلى حد كبير. ففي عام 2016، ألزمت السلطات في تشيلي الشركات المصنعة للأغذية بوضع ملصقات سوداء إلزامية على المنتجات التي تحتوي على نسب عالية من السكر أو الملح أو السعرات الحرارية. وكانت النتيجة انخفاض مبيعات المنتجات الغذائية عالية السعرات بنسبة 23.8 في المئة.
وأدى تطبيق هذه السياسات في عدد من دول أمريكا الوسطى بالفعل إلى زيادة وعي المستهلك، وفقاً لفابيو غوميز، المستشار في منظمة الصحة للبلدان الأمريكية، وهي وكالة دولية للصحة العامة. وقال في مؤتمر استضافته كلية إمبريال كوليدج لندن: "هذا هو الحد الأدنى من المعلومات التي يجب أن نوفرها للمستهلكين". وأضاف أن أي خفض، حتى ولو كان بسيطاً، في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يعد مكسباً صحياً مهماً.
وفي أوروبا، بدأت دول عدة استخدام ملصق أمامي على العبوات يعرف باسم "نوتري-سكور" (Nutri-Score)، والذي طبّق لأول مرة في فرنسا. ويعتمد هذا النظام على ألوان وحروف تتدرج من الأكثر صحة غذائياً، أي الأخضر الداكن A، إلى الأقل صحة، أي الأحمر E. وأوضحت ماتيلد توفييه، مديرة الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية والمشاركة في تطوير الشعار، أن الهدف منه هو مساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات أكثر وعياً عند شراء الطعام. وحتى الآن، تستخدم 1,500 علامة تجارية هذا الملصق، وهناك ضغط متزايد باتجاه جعله إلزامياً على مستوى أوروبا.
وجاء تطوير "نوتري-سكور" بعد دراسات واسعة أجرتها توفييه وزملاؤها، كشفت عن ارتباط بين جودة التغذية وآثار صحية سلبية، من بينها السرطان. وأثارت هذه النتائج نقاشاً واسعاً في وسائل الإعلام، مما أدى إلى شعور عام بأن الناس "يتعرضون للتسميم" من قبل صناعة الأغذية، وفقاً لتوفييه. ودفع هذا الضغط المجتمعي شركات الأغذية إلى إجراء تغييرات فعلية.
واستجابة لذلك، خفض بعض المصنعين نسبة السكر في منتجاتهم، وانتقلوا من الحبوب المكررة إلى الدقيق الكامل. كما بدأت المتاجر الترويج للمنتجات الأكثر صحة، مما أدى إلى زيادة مبيعات منتجات "نوتري-سكور" التي تحمل تصنيف "A"، في حين انخفضت مبيعات المنتجات التي تحمل تصنيف "E"، وهو ما يشير إلى مستوى أدنى من الجودة الغذائية. ونتيجة لذلك، أثبتت ملصقات "نوتري-سكور" قدرتها على تغيير سلوك المستهلكين أيضاً.
بعيداً عن التغييرات النظامية في البيئة الغذائية، يبرز سؤال مهم: هل يمكن للمستهلكين التعامل مع هذه البيئة بشكل أفضل لاتخاذ خيارات صحية؟
وتشير أبحاث إلى أن تشجيع الأفراد على تغيير سلوكهم يمكن أن ينعكس على عاداتهم الغذائية. وأظهرت دراسة حديثة بقيادة صامويل ديكن وآبي فيشر، من جامعة كلية لندن، أن الدعم الفردي المباشر ساعد 45 مشاركاً على تقليل استهلاكهم من الأطعمة فائقة المعالجة.
وحصل المشاركون على جلسات تدريب فردية شملت معلومات حول أماكن شراء الطعام الصحي، وخطط وجبات منخفضة المعالجة، بالإضافة إلى إرشادات حول الطهي من الصفر.
وقال ديكن: "نعلم أننا بحاجة إلى تحسين البيئة الغذائية، لكننا بحاجة أيضاً إلى تزويد الناس بالمهارات والخطوات العملية لتحسين نظامهم الغذائي". وأضاف: "من السهل أن نقول للناس: أعدوا وجبة في المنزل، لكن إذا لم يكن لديهم مطبخ، أو أوان، أو حتى ثلاجة لحفظ الطعام، فلن يكون ذلك ممكناً".
وبنهاية فترة الدراسة، التي استمرت ستة أشهر، أبلغ المشاركون عن انخفاض بنسبة 25 في المئة في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، إلى جانب فقدان الوزن، وتراجع مؤشر كتلة الجسم، وتحسن واضح في الشعور العام بالصحة. ورغم أنها كانت دراسة تجريبية صغيرة من دون مجموعة مقارنة، فإن الفريق البحثي يأمل في توسيعها ضمن تجربة أكبر. ويشير الباحثون إلى أن استجابة المشاركين لهذه التدخلات كانت إيجابية للغاية.
مع ذلك، تحتاج التدخلات السلوكية الفردية إلى وقت وتكلفة مرتفعة لتنفيذها، كما أن الطعام الصحي غالباً ما يكون أغلى من الخيارات الأقل صحة. ولهذا، يؤكد ساسي أن إحداث تغيير حقيقي يتطلب مجموعة من التدخلات المتزامنة، لأن أي حل منفرد لن يكون كافياً. ويقول: "نحن بحاجة إلى كل هذه الإجراءات معاً، لأن البيئة الغذائية معقدة للغاية".
وعندما تطبق هذه الجهود بشكل متكامل، يشير كل من ساسي وتوفييه إلى أن مزيداً من الأفراد قد يتمكنون من التعرف على الأنظمة الغذائية التي تحتوي على نسبة كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة والحد منها، مما ينعكس إيجاباً على صحتهم العامة.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة