آخر الأخبار

نموذج أسترا الخارق.. هل خدع سام ألتمان العالم؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

725 مليار دولار؛ هذا ما تخطط أربع شركات أمريكية كبرى لإنفاقه خلال عام 2026 وحده على مراكز بيانات ورقائق وشبكات ومحطات طاقة. الشركات هي مايكروسوفت وأمازون وألفابت المالكة لغوغل وميتا المالكة لفيسبوك. وفي العام السابق، أنفقت الشركات نفسها 410 مليارات دولار، وكان ذلك رقما قياسيا حينها. أي أن الزيادة في 12 شهرا تقارب 77%.

وتشير تقديرات وكالة "ستاندرد آند بورز غلوبال " إلى أن الرقم المتوقع لعام 2027 يقارب 878 مليار دولار. لهذا الإنفاق غاية واحدة معلنة، تسميها هذه الصناعة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، ويُقصد به نظام ذكي لا يتقن مهمة بعينها، بل يؤدي العمل الذهني البشري على وجه العموم.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا تتصارع أمريكا وأوروبا على خط غاز في البوسنة؟
* list 2 of 2 علي الطاهر.. كيف تحدد التلة مصير الحرب في لبنان؟ end of list

وفي 6 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلن جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، أكبر شركة رقائق في العالم، أن شركة أوبن إيه آي قد بلغت تلك الغاية، بعد إطلاق نموذجها الأحدث "أسترا". فكيف نعرف أنه على حق؟

قد يبدو السؤال غريبا، لكنه في الواقع بلا إجابة متفق عليها، ليس لأن التعريفات معدومة، فبعضها موجود ودقيق ومعه امتحان يمكن إجراؤه على أي نظام في أي وقت. لكن الشركات التي تنفق أكثر من غيرها تعمل بتعريف من نوع آخر، تعريف لا يمكن لأحد أن يجري عليه امتحانا، ولا أن يعلن رسوب أحد فيه.

وفي غياب امتحان من هذا النوع، حل حجم الإنفاق محل الامتحان. فما دام الرقم صاعدا، تُؤجَّل المخاوف من انفجار الفقاعة لأسابيع أخرى، أي أن الدليل على صحة الطريق صار هو مقدار المال المنفق على السير فيه.

نحاول هنا أن نفهم سببا واحدا لهذا الغياب: ليس لماذا تأخر التعريف الدقيق لمصطلح الذكاء الاصطناعي العام، بل لماذا لم يُطلب ذلك التعريف أصلا، ولم يظل هدفا غامضا إلى الآن.

مصدر الصورة شركة أوبن إيه آي أطلقت نموذجها الأحدث "أسترا" (أدوبي ستوك)

التفرد التقني

لنبدأ من الغاية نفسها، ولنسأل عما تعنيه بالضبط عند من ينفقون عليها كل تلك الأموال. ففي 25 يوليو/تموز الماضي، نشر البودكاست الأمريكي "ريلنتلس " (Relentless)، الذي يقدمه المستثمر تي مورس، حلقة مع المدير التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، عنوانها "كيف تبدأ شركة ناشئة". حديث على مدار 70 دقيقة، أكثره عن التوظيف وإدارة الفوضى وألعاب الطاولة وإدمانه تطبيق تيك توك.

إعلان

وفي الدقيقة 17 تقريبا، سُئل ألتمان عن الفارق بين طريقته في العمل اليوم وطريقته قبل 10 سنوات، فأجاب أن يفعل الآن هو أهم عمل يستطيع أن يتخيله، وأنّنا "الآن، نوعا ما، في نقطة التفرد التقني". ومصطلح التفرد (singularity) مستعار من الفيزياء والرياضيات، حيث تشير الكلمة إلى نقطة تكف عندها المعادلات عن إعطاء نتائج ذات معنى، كمركز الثقب الأسود. وقد صاغ عالم الحاسوب والروائي الأمريكي فيرنور فينج معناها الحديث مطلع تسعينيات القرن الماضي، فجعلها تعني اللحظة التي تصير فيها الآلة قادرة على تحسين نفسها بنفسها، فيصمم كل جيل منها جيلا أذكى، حتى يتجاوز إيقاع التغير قدرة البشر على التنبؤ به أو التحكم فيه. والمهم في التعريف الأصلي أنه يصف حدثا يقع في الآلة، ويمكن من حيث المبدأ التحقق منه بالنظر إليها.

لم تكن تلك الجملة السابقة جديدة على قائلها، ففي 10 يونيو/حزيران 2025 نشر سام ألتمان على مدونته الشخصية مقالا عنوانه "التفرد الهادئ" (The Gentle Singularity)، افتتحه بجملة يقول فيها إنّنا "تجاوزنا أفق الحدث، وإن الإقلاع قد بدأ". ووضع في المقال تواريخ محددة، فقال إن عام 2025 شهد ظهور وكلاء ذكاء اصطناعي يؤدون عملا ذهنيا حقيقيا، وإن عام 2026 سيشهد على الأرجح أنظمة تتوصل إلى رؤى جديدة، وإن عام 2027 قد يشهد روبوتات تنجز مهاما في العالم المادي.

"يبدأ التفرد بأن تكتب الآلة فقرة جميلة، ثم نسأل متى تكتب رواية، فتتحول العجائب إلى روتين، ثم تصبح الحد الأدنى الذي يمكن قبوله"

ثم عرف الكلمة في المقال نفسه، قال إن التفرد يمضي على هذا النحو، ننبهر بأن تكتب الآلة فقرة جميلة، ثم نسأل متى تكتب رواية، فتتحول العجائب إلى روتين، ثم تصبح الحد الأدنى الذي يمكن توقعه أو قبوله.

وفي المقال ذاته اعتراف يستحق التسجيل، إذ يقول ألتمان إن ما يجري اليوم نسخة جنينية من التحسين الذاتي، ويقر بأنه لا يبلغ مرتبة نظام يعدل شفرته بنفسه باستقلال تام. أي أنه، بمعيار فينج الأصلي، يقول إننا لم نصل بعد للتفرد، ولكن بمعيار مقاله هو، يقول إننا وصلنا. فهل الرجل يحاول بيع بضاعته ببساطة؟

القراءة الأسهل تقول ذلك، لكن ألتمان نقض هذه القراءة بنفسه حين أوضح أننا في فترة قد يميل فيها المنحنى إلى أي من الجهتين (قد يتجه الذكاء الاصطناعي نحو مزيد من التفرد أو ربما تنهار هذه الافتراضات). ويعرض شكه في نفسه كذلك، فيقول إنه في سنوات التأسيس الأولى، حين كان الجميع يرفض أطروحته، لم يكن أكثر ما يقلقه أن يكون الآخرون مخطئين، وإنما أن يكون هو ومن معه قد صدقوا دعايتهم الخاصة.

وفي موضع ثالث يقول ما لا يقوله بائع، حين سُئل عن أثر الذكاء الاصطناعي في العمل، فأجاب أن التقنية ظلت زمنا طويلا تعد الناس بأوقات عمل أقل وأوقات فراغ أكثر، وأن وعد أسبوع العمل القصير لم يتحقق أبدا، وأنه لا يتوقع من الذكاء الاصطناعي أن يغير هذه القاعدة.

فلنفترض أنه صادق في كل ما يقول، ذلك أن المؤسسة التي يقودها رجل يؤمن بما يقول أمتن من المؤسسة التي يقودها رجل يؤدي دورا كمدير تنفيذي. الأول يُقنع مهندسيه ومورديه ومستثمريه لأنه مقتنع ويصدق فرضيته، ولا يحتاج إلى أن يتذكر روايته في كل مرة، لأنها روايته فعلا. لن نحلل نية الرجل أو إن كان يؤمن بما يقوله فعلا، بل نحاول تحليل التعريف الذي يضعه. هذا التعريف الذي لا يملك أحد أن يُخضعه لامتحان، ولا أن يقول عنه في يوم من الأيام إنه لم يتحقق.

مصدر الصورة يطمح الذكاء الاصطناعي العام إلى أداء وظائف تفوق قدرات البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية (غيتي)

غاية بلا نهاية

المبدأ البديهي أن الغاية المحددة يمكن حسابها، فإذا قيل إن النظام المطلوب يجتاز امتحانا بعينه في وقت بعينه، صار في وسع أي محلل أن يسأل عن كلفة الوصول إليه، وعن احتمال الإخفاق، وعن العائد المتوقع إن نجح المشروع أو تعثر. وهذه أسئلة يُردّ عليها بأرقام، والأرقام قد تقول "لا، أنتم تحرقون الأموال دون اكتراث". أما الغاية التي لا تُحدد بهذه الصورة فلا تدخل هذا الحساب من الأساس.

إعلان

ولننظر في التعريف الذي تعمل به شركة "أوبن إيه آي " نفسها، إذ تقول الشركة في ميثاقها المنشور منذ عام 2018 ولم يتغير منذئذ إن مهمتها أن يعود الذكاء الاصطناعي العام بالنفع على البشرية جمعاء، وتعرّفه بأنه "أنظمة عالية الاستقلالية تتجاوز أداء البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية".

"تعرف أوبن إيه آي الذكاء الاصطناعي العام بأنه أنظمة عالية الاستقلالية تتجاوز أداء البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية"

لاحظ هنا أن الحد الفاصل ليس صفة في الآلة، وإنما هو صفة في السوق، فما دام مقياس الوصول هو قيمة العمل الذي تؤديه الآلة، فلا يوجد امتحان يُجرى على النظام في غرفة مغلقة ثم يُقال بعده إنه بلغ الغاية أو لم يبلغها.

وحين سُئل سام ألتمان، في حلقة البودكاست، عن آخر مرة أدرك فيها أن طموحه كان أقل مما ينبغي، لم يذكر خطأ تقنيا، بل قال إنه قصر كثيرا في حجم استثماره في القدرة الحاسوبية، وإن ما أوقفه أن الأسواق المالية "أفزعته"، ثم وصف ذلك بأنه كان خطأ واضحا، أي أن الحساب المالي، في روايته هو، كان العائق الذي وجب تجاوزه.

وقد جرى تجاوزه فعلا، ففي الربع الثاني من عام 2026، أنفقت ألفابت على بنيتها التحتية أكثر مما أنتجته عملياتها من نقد، فسجّلت أول تدفق نقدي حر سالب في تاريخها منذ إدراجها في البورصة عام 2004، بنحو 5 مليارات و900 مليون دولار، وامتنعت عن إعادة شراء أسهمها للربع الثاني على التوالي، وهبط سهمها 7%. ثم رفعت توقعات إنفاقها للعام إلى 205 مليارات دولار، وهو الارتفاع الثالث خلال العام الواحد، وقالت مديرتها المالية أنات أشكنازي إن إنفاق عام 2027 سيرتفع ارتفاعا كبيرا وسيواصل الضغط على الأرباح.

وجاء جزء من هذا الإنفاق من الاقتراض، فقد ارتفع الدين طويل الأجل لدى ألفابت إلى 98.2 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي، بعد أن كان 46.5 مليار دولار في ختام عام 2025، ونحو 16 مليار دولار قبل ذلك بعام واحد. أي أن الدين تضاعف نحو 6 مرات في عامين. والدين يفعل شيئا لا يفعله المال السائب، إذ يرتب أقساطا وفوائد تُدفع في مواعيدها سواء بلغت الشركة غايتها أو لم تبلغها. وبهذا يصير جزء من إيرادات السنوات المقبلة مرهونا سلفا لغاية لا يملك أحد أن يقول متى تتحقق، ولا كيف نعرف أنها تحققت.

تملك الشركات ردا على هذه النقطة، وهو رد جدي ينبغي عرضه بأمانة، إذ تقول إن ما يقيدها اليوم هو العرض لا الطلب، وإن الطاقة والرقائق هي الحد، وإن لديها تعاقدات موقّعة تنتظر التنفيذ، وقد بلغت التعاقدات المؤجّلة لخدمات غوغل السحابية وحدها 514 مليار دولار في الربع نفسه. وعلى هذه القراءة، لا يكون الإنفاق الضخم إيمانا بغاية بعيدة، وإنما استجابة لطلبات قائمة بالفعل، وهي قراءة منطقية، ولا نملك ما ينقضها.

لكن على أي حال، فالتعريف الذي لا يُخضَع لامتحان واضح المعالم لا يصلح أساسا لحساب أي شيء، لا كلفة مركز بيانات، ولا قيمة الرجل الذي يبني النموذج داخله، ولا قيمة المنتج نفسه. والسبب في تقديرنا أن التسعير هنا لا يستند إلى شيء يمكن قياسه، إذ حين تعرف ما تشتريه يمكنك أن تحسب قيمته. أما المنتج في هذا المجال فيُسعَّر في مقابل غاية لم يتفق أحد على تعريفها، ولا على علامة واضحة تقول إنها بلغت تلك الغاية، وحين يغيب المقياس يصير السعر رهن ما قد يدفعه المنافس في السباق. وما قد يدفعه المنافس بلا سقف، للسبب نفسه.

سباق إلى أين؟

كلمة "السباق" هنا ليست وصفا محايدا، بل تُستعمل لغرض محدد. فالسباق، في تعريفه البسيط، يقتضي خط نهاية معروفا. ولهذا لا يوجد ما يسمى سباقا في الناتج المحلي الإجمالي، كما يلاحظ الباحثان ليونارد دونغ وماكس هيلريغل-هولدرباوم في ورقة بحثية نُشرت العام الماضي. الناتج المحلي يرتفع وينخفض، وتتقدّم دولة على أخرى، لكن لا أحد يعبر خطا محددا فيُعلن فائزا.

إعلان

وحين استُخدمت الاستعارة سابقا كان لها خط نهاية، ففي مشروع مانهاتن، وهو البرنامج الأمريكي السري الذي أنتج القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية، كانت الغاية صنع سلاح فعال قبل ألمانيا. وفي برنامج أبولو كانت الغاية إنزال إنسان على سطح القمر وإعادته سالما قبل نهاية العقد. في الحالتين كان في وسع أي مراقب أن يقول متى انتهى السباق.

ومع ذلك، أوصت لجنة المراجعة الأمريكية للشؤون الاقتصادية والأمنية مع الصين، وهي هيئة استشارية تابعة للكونغرس، في تقريرها لعام 2024 بإنشاء برنامج "على غرار مشروع مانهاتن" مخصص للسباق نحو الذكاء الاصطناعي العام. وحملت خطة العمل الأمريكية للذكاء الاصطناعي الصادرة في عام 2025 عبارة "الفوز بالسباق" في عنوانها.

ومن هذا الباب دخلت الحجة إلى النقاش التنظيمي، فقد اعترضت أوبن إيه آي على قواعد مقترحة تخص استخدام المواد المحمية بحقوق النشر في تدريب النماذج، وكان من حججها أن مثل هذه القواعد تضر بموقع الولايات المتحدة في السباق أمام الصين. الحجة ذاتها التي يسوقها ألتمان في حلقة البودكاست، حين يقول إنّ "تصوّرات شركات أخرى للمستقبل مرعبة، وإنه سيعمل على منع تحققها". وقد سمى باحثون هذا النمط "الاستباق الخيّ"، أي أن يعجّل طرف خطاه بحجة أن منافسه أقل حرصا منه على السلامة.

"خط النهاية الذي لا يستطيع أحد تحديده هو خط لا يستطيع أحد أن يُعلن عبوره"

وهنا يلزم إفراد مساحة للاعتراض، فدونغ وهيلريغل-هولدرباوم يريان أننا لسنا في سباق أصلا، ودليلهما أن الحكومات تستثمر قليلا في بناء النماذج المتقدمة، وأن كثيرا من النماذج تُنشر بأوزان مفتوحة، وأن المواهب في المجال ما زالت تنتقل بحرية بين المختبرات المتنافسة، وهي أمور يستبعد حدوثها في سباق حقيقي.

فإذا صح ما يقولانه، بقي أن نفسر لماذا يصر الجميع على كلمة السباق. والتفسير الذي نرجحه أن خط النهاية الذي لا يستطيع أحد تحديده هو خط لا يستطيع أحد أن يُعلن عبوره. وما دام العبور غير قابل للإعلان، فلا فائز، ولا خاسر، ولا نهاية، فيبقى السباق مفتوحا، ويبقى معه كل ما يبرره من إنفاق مفرط وإعفاء من القيود.

ماذا لو كان المصطلح بلا معنى؟

يبقى اعتراض واحد ينبغي عرضه قبل المضي، فقد يقال إن مفهوم الذكاء نفسه استعصى على التعريف قرنا كاملا من الزمن. اختلف فيه علماء النفس، وتباين حوله دارسو الإدراك، ولم يتفق أحد على مقياس نهائي له. فإذا كان هذا حال الذكاء البشري، فلماذا نطالب هذه الشركات بامتحان حاسم للذكاء الآلي؟ ربما كان الغموض هنا صدقا وليس مراوغة.

ولهذا الاعتراض سند في تاريخ المصطلح نفسه، إذ ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي العام على يد الفيزيائي مارك أفروم غوبرود في عام 1997، وشاع بعد سنوات بين باحثين ضاقوا بانكماش مجالهم. كانت أنظمة مثل "ديب بلو "، التي هزمت بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، تتقن مهمة واحدة وتعجز عما عداها. فأرادوا بالكلمة إعادة الحقل إلى هدفه الأول، آلة عامة القدرة تشبه ما يفعله الإنسان، ثم تحرّك المعنى مرتين.

في المرة الأولى، تخلى عن الجسد، إذ تشرح ميلاني ميتشل، الأستاذة في معهد سانتا في الأمريكي والباحثة في الذكاء الاصطناعي وعلوم الإدراك، أنه حين اتضح أن الآلات ستظل تتعثر في مسك الأشياء وطي الملابس، فقدت التعريفات صلتها بالعالم المادي. صار المصطلح يعني إتقان المهام الذهنية وحدها، ثم صار يعني ما يستطيع إنسان أن يفعله وهو جالس أمام حاسوب متصل بالإنترنت.

وفي المرة الثانية، صار يبتعد كلما اقتربت الآلة، إذ يرى عالم الإدراك دوغلاس هوفستادتر أننا كلما بلغت الآلة قدرة كانت حكرا علينا، نزعنا عنها صفة الذكاء وسميناها مهارة آلية. أي تتجاوز الآلة العتبة، فنرفع بدورنا تلك العتبة.

ويذهب باحثان آخران أبعد من ذلك، إذ يقول أستاذ علوم الحاسوب في جامعة برينستون أرفيند نارايانان وزميله سياش كابور، إن الذكاء الاصطناعي العام ليس محطة في الطريق. فلو أعلنت شركة غدا أنها بلغته، بأي تعريف كان، لما ترتب على الإعلان شيء، والحكم بأن نظاما بلغ هذه الصفة لا يصح في رأيهما إلا بأثر رجعي، بعد أن يتبين أثره في العالم.

هذا هو الاعتراض في أقوى صوره، وهو اعتراض جدي، من أهل المجال لا من خصومه.

"ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي العام على يد الفيزيائي مارك أفروم غوبرود في التسعينيات"

غير أن من ينفقون كل تلك الأموال على هذه الغاية لا يتصرفون تصرف من يراها غامضة، فمن يرى المفهوم غير قابل للتحديد لا يضع له تواريخ، وقد وضع ألتمان ثلاثة تواريخ متتالية في مقاله. ومن يرى الحكم ممكنا بأثر رجعي فقط، لا يقول إننا وصلنا إلى تلك اللحظة الآن، كما قال ألتمان. ومن يرى المصطلح بلا معنى لا يكتبه شرطا في عقد ملزم، كما سنرى.

إعلان

ثم إن التعريف الدقيق موجود منذ عام 2019، ومعه امتحان يُجرى على أي نظام في أي وقت، والشركات الكبرى تستشهد بهذا الامتحان في بطاقات نماذجها، ولكنها لم تتبن تعريفه. وكما كتبت ميلاني ميتشل في دورية "ساينس"، فإن معنى المصطلح، بل وما إذا كان يحمل معنى متماسكا أصلا، محل خلاف حاد داخل المجال نفسه. ومع ذلك تبني كبرى الشركات وحكومات بأكملها قراراتها على ما تظن أنه سيترتب عليه.

مصدر الصورة سام ألتمان (غيتي)

حين وجب التعريف

في 22 يوليو/تموز 2019، أعلنت أوبن إيه آي أن مايكروسوفت سوف تستثمر فيها مليار دولار. وحمل الإعلان على موقع الشركة عنوانا صريحا: "استثمار مايكروسوفت وشراكتها مع أوبن إيه آي لدعمنا في بناء ذكاء اصطناعي عام نافع". وفي متن الإعلان جملة تبدو تفصيلا إداريا، حيث قالت الشركة إنها تنوي ترخيص "بعض تقنياتها السابقة على الذكاء الاصطناعي العام" لمايكروسوفت، بوصفها الشريك المفضل لتسويقها تجاريا. أي أن الغاية صارت حدا، فما قبلها تجارة، وما بعدها خارج الاتفاق.

هذا الحد يحتاج إلى تعريف، وهنا يبدأ الأمر المثير للانتباه، إذ تعطي الصفحة نفسها تعريفا. تقول إن الذكاء الاصطناعي العام سيكون نظاما قادرا على إتقان مجال معرفي إلى مستوى خبراء العالم، وعلى إتقان مجالات أكثر مما يستطيع أي إنسان واحد، أشبه بأداة تجمع مهارات ماري كوري وآلان تورينغ ويوهان سباستيان باخ.

وميثاق الشركة، المنشور قبل ذلك بعام والباقي على حاله، يعطي تعريفا آخر: أنظمة عالية الاستقلالية تتجاوز أداء البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية. لنجد أمامنا تعريفين من شركة واحدة، عن المصطلح نفسه، أحدهما يقيس بالخبرة العلمية والآخر يقيس بقيمة العمل في السوق، وكلاهما منشور على الموقع ذاته.

والفارق بينهما ليس في الصياغة وحدها، فتعريف كوري وتورينغ وباخ يصف حالة في الآلة، ويمكن من حيث المبدأ أن يقول أحد يوما إنها لم تبلغه. أما تعريف الميثاق فيقيس بما يدفعه السوق في مقابل العمل، والتعريف الذي بقي قيد الاستعمال، ويُكتب في وثائق المستثمرين، وفي العقد، هو التعريف الثاني.

ثم يأتي تعريف ثالث، غير منشور، فقد ذكر موقع "ذي إنفورميشن"، في ديسمبر/كانون الأول 2024، أن الوثائق التي وزعتها أوبن إيه آي على مستثمريها تضع لتلك الغاية تعريفا ماليا، هو اللحظة التي تصير فيها أنظمتها قادرة على تحقيق أرباح تقارب 100 مليار دولار.

"كان الذكاء الاصطناعي العام ركنا في صفقة أوبن إيه آي ومايكروسوفت، لكنه اختفى تدريجيا"

وفي الشهر ذاته، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" أن أوبن إيه آي تدرس إلغاء الشرط المتعلق بالوصول إلى تلك الغاية، لتفتح الباب أمام استثمار إضافي من مايكروسوفت. وفي الأسبوع نفسه، قال ألتمان في مؤتمر "ديل بوك"، نظمته صحيفة نيويورك تايمز، إن تقديره أن الذكاء الاصطناعي العام سيصل "أسرع مما يظن معظم الناس، وسيكون أقل أهمية بكثير".

ثم جرى تعديل على مرحلتين، ففي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت الشركتان أن إعلان أوبن إيه آي بلوغ الغاية صار يخضع للتحقق من "لجنة خبراء مستقلّة". وأن حقوق مايكروسوفت في استخدام تقنيات الشركة تمتد حتى عام 2032، وتشمل الآن النماذج اللاحقة لبلوغ الذكاء الاصطناعي العام. وأن مايكروسوفت صار في وسعها أن تسعى إلى الذكاء الاصطناعي العام بمفردها أو مع شركاء آخرين. أي أن الحد فقد أثره، ففي عام 2019 كان بلوغ الغاية ينهي وصول مايكروسوفت، وبعد أكتوبر/تشرين الأول 2025 صار بلوغها لا يغير شيئا.

وفي 27 أبريل/نيسان الماضي، جاء الإعلان الثاني. صار الترخيص غير حصري، وتوقفت مايكروسوفت عن دفع حصة من إيراداتها لأوبن إيه آي، واستمرت مدفوعات أوبن إيه آي لمايكروسوفت حتى عام 2030 "بمعزل عن تقدم تقنيات أوبن إيه آي".

ومصطلح الذكاء الاصطناعي العام ورد 8 مرات في بيان أكتوبر/تشرين الأول. ولم يرد ولا مرة واحدة في بيان أبريل/نيسان الماضي. ولم تعلن أوبن إيه آي أن الشرط أُلغي، لكنّ سيمون ويليسون، وهو مطوّر برمجيات مستقلّ، تتبّع صياغات الشرط على صفحات الشركة نفسها سبع سنوات، وخلص إلى أنه لم يعد قائما، وخلص موقع "ذي فيرج" إلى الاستنتاج نفسه.

إعلان الوصول

ولكن بعد بضعة أشهر من ذلك البيان الذي خلا من المصطلح، عاد المصطلح للظهور من جديد.

ففي 3 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت أوبن إيه آي نموذجها الجديد "أسترا "، ووصفته في بيانها بأنه "أذكى نماذج العالم وأكثرها اتّساقًا". وهو ثمرة أكبر عملية تدريب أجرتها الشركة، إذ استُخدم فيها أكثر من 100 ألف وحدة معالجة رسومية في موقع "ستارغيت " بمدينة أبيلين في ولاية تكساس، وهي أول مرة تشرف فيها نماذج الشركة السابقة على تدريب النموذج الجديد. وقال غريغ بروكمان، رئيس الشركة، إنّه "من المعقول أن نشعر بأننا في عصر الذكاء الاصطناعي العام".

ثم جاء الإعلان الأكثر صراحة من خارج الشركة نفسها، ففي 6 سبتمبر/أيلول، كتب الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا المصنعة للرقائق جنسن هوانغ على منصة إكس أنّ الطريق من شات جي بي تي إلى أسترا استغرق أربع سنوات، وأنّ "الذكاء الاصطناعي العام قد وصل"، مهنئا فريق أوبن إيه آي على ذلك الإنجاز.

وأضاف أن نموذج أسترا دُرِّب على أكثر من 100 ألف من منظومات إنفيديا، وأن 400 ألف وحدة أخرى ستدخل الخدمة قريبا، ووصف المدينة التي جرى فيها التدريب بأنها مسقط رأس الذكاء الاصطناعي العام.

ولنقف عند موقع القائل، فشركة إنفيديا هي التي باعت الرقائق التي دُرِّب عليها النموذج، وهي التي ستبيع 400 ألف وحدة تالية، وقيمتها السوقية تقارب 5.5 تريليونات دولار. أي أن الجهة التي أعلنت بلوغ الغاية هي المورد، وليست جهة القياس المحايدة.

وليست هذه المرة الأولى بالنسبة للرجل، ففي مارس/آذار الماضي، سُئل هوانغ في بودكاست عن الوقت الذي تحتاجه الآلة لتبتكر منتجا وتجد له زبائن وتدير فريقا لبناء شركة قيمتها مليار دولار، فأجاب أن ذلك ممكن الآن، وأن "الذكاء الاصطناعي العام قد تحقّق". أي أن التعريف الذي يعمل به تعريف مالي صريح، مقياسه القدرة على بناء شركة بمليار دولار.

فإن كان الوصول قد أُعلن، فمن يتحقق منه فعلا؟

مصدر الصورة الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا المصنعة للرقائق جنسن هوانغ (رويترز)

الامتحان وثمنه

لنعد إلى الامتحان الذي ذكرناه، إذ صاغه المهندس الفرنسي فرانسوا شوليه عام 2019، وتشرف عليه اليوم مؤسسة "آرك برايز " (ARC Prize) الأمريكية غير الربحية، وهي تزود به مركزا تابعا للمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية. وفكرته بسيطة، فلا يسأل النظام عما حفظه، بل يضعه أمام مسائل لم يرها في تدريبه، ليرى هل يستنتج القاعدة من أمثلة قليلة، وهذا قريب مما نسميه ذكاء حين نراه في الإنسان.

ولمعرفة ما إذا كانت هذه المسائل في متناول البشر، أجرت المؤسسة دراسة ميدانية في مدينة سان دييغو الأمريكية مطلع عام 2025، شارك فيها أكثر من 400 شخص من عامة الناس. ولم تبق في الامتحان مسألة واحدة إلا حلها اثنان منهم على الأقل، في محاولتين أو أقل، فأين الآلات من هذا؟

في تقريرها السنوي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت المؤسسة ثلاثة أرقام، كلها على الامتحان نفسه، وكلها من الشهر نفسه: 24% بتكلفة تقارب 20 سنتا للمسألة الواحدة، و37%، بتكلفة دولارين و20 سنتا للمسألة، و54%، بتكلفة تقارب 31 دولارا للمسألة. الامتحان واحد والشهر واحد، والفارق بين أعلى درجة وأدناها يزيد على الضعف، أما الفارق بين أرخص محاولة وأغلاها فيقارب 150 ضعفا.

هناك مقايضة حادة بين التكلفة والأداء: تحسين النسبة من 24% إلى 54% لا يتطلب مضاعفة بسيطة في الإنفاق، بل قفزة هائلة في التكلفة. بالمقانة مع البشر، يتطلب الأمر شخصان فقط لحل كل مسألة. يعني ذلك أن التنوع البشري (حتى بين غير المتخصصين) ما زال يتفوق على أي نموذج لغوي، بينما تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تكاليف باهظة للاقتراب للوصول إلى معدلات أداء تجاوز النصف بالكاد.

ثم تضيف المؤسسة ما هو أثقل من ذلك، إذ تقول إنها ترجح أن أسئلة الامتحان تسربت إلى النماذج أثناء تدريبها، أي أن بعض ما تحله اليوم قد تكون رأته من قبل. أما هل جرى ذلك عن عمد، فتقول إنه حدث "عن غير قصد أو بقصد، لا نستطيع الجزم". فالدرجة تتحرك بظروف الامتحان، وقد تقوم على أسئلة مسرّبة، والجهة الوحيدة القادرة على الحكم في ذلك تقول إنها لا تستطيع الحكم.

وقد اختبرت المؤسسة نموذج أسترا نفسه في اليوم الذي أُعلن فيه، فحصل على 62.7% بتكلفة 26 ألف دولار حين شُغِّل بالواجهة المحايدة التي تستخدمها المؤسسة مع كل النماذج، وعلى 99.9% بتكلفة 19 ألف دولار حين شُغِّل بواجهة صممتها أوبن إيه آي نفسها وتحتفظ بذاكرة تفكيره بين الخطوات. النموذج واحد، وأوزانه واحدة، والفارق سبع وثلاثون نقطة، والرقم الذي عرضته أوبن إيه آي في بيانها هو الأعلى.

ومع ذلك، كتبت المؤسسة في اليوم نفسه أنها حين أطلقت هذا الامتحان أوضحت أن استنفاده لن يكون دليلا على بلوغ الذكاء الاصطناعي العام، وأنها لا تدّعي أن نموذج أسترا قد بلغه. وأعلنت في الفقرة التالية أنها بدأت تدرس الجيل المقبل من الامتحان.

يبقى خط الوصول نفسه، وشوليه يعرفه تعريفا صعبا، إذ يقول إننا سنعرف أن الغاية بُلغت حين يصير تأليف مسألة سهلة على إنسان عادي وصعبة على الآلة أمرا مستحيلا. وإلى أن يحدث ذلك، يُعاد بناء الامتحان كلما اقتربت الآلة منه، فيبتعد الخط بمقدار ما تتقدم الآلة. وهو تعريف أمين، لأنه يعترف بأن ما نقيسه يتغير تحت أيدينا، وهو في الوقت ذاته تعريف لا يبلغه أحد قبل أن ينفد خيالنا في تأليف الأسئلة. وحين طرحت المؤسسة على نفسها في التقرير سؤال ما إذا كنا قد بلغنا تلك الغاية، أجابت بأننا لم نبلغها بعد.

لننظر الآن أين انتهينا، بدأنا من ميثاق يعرّف الذكاء الاصطناعي العام بقيمة العمل في السوق. ومررنا بعقد جعل منه شرطا، وبتعريف مالي غير منشور، وبإعلان وصولٍ صدر عمن يبيع الرقائق ويقيس الغاية بتأسيس شركة قيمتها مليار دولار. وانتهينا إلى الامتحان المستقل الذي يقيسه، فوجدناه يعلن نتائجه بالدولار للمسألة الواحدة.

المال ليس عارضا في هذه القصة، بل هو اللغة الوحيدة التي عُرّفت بها الغاية في كل مرة لزم فيها تعريفها.

وهكذا ننتهي ومعنا رقمان؛ 725 مليار دولار أُعلنت في أبريل/نيسان وارتفعت منذ ذلك الحين، ودرجة على امتحان واحد تتراوح بين 62% و99% لنموذج واحد. وبينهما غاية لم يتفق أحد على معناها، ويقول من ينفق عليها إننا بلغناها. فمن يملك أن يقول لنا متى وصلنا حقا؟ ومن سيصدّقه حينها؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار