آخر الأخبار

الحج الذكي.. كيف تدير الخوارزميات أكبر حشود الأرض؟

شارك

يعد موسم الحج التجمع البشري السنوي الأكبر والأكثف في مكان وزمان محددين على وجه الأرض، حيث يجتمع في بقعة جغرافية محدودة أكثر من مليوني حاج بالتزامن عبر مسارات محددة وفي مواقيت شرعية لا تقبل التأجيل. وهذا النموذج التشغيلي الفريد يمثل التحدي الأكبر لمهندسي إدارة الحشود وعلماء البيانات عالميا.

في السنوات الأخيرة، انتقلت إدارة الحشود في الحج من إدارة الأزمات وردود الفعل القائمة على الملاحظة البشرية والخبرات المتراكمة، إلى الإدارة الاستباقية التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والخرائط التفاعلية وإنترنت الأشياء وتحليلات البيانات الضخمة، في خطوة تسعى من خلالها المملكة العربية السعودية إلى توظيف التكنولوجيا في خدمة ضيوف الرحمن.

مصدر الصورة الكاميرات المدعومة بالرؤية الحاسوبية تحلل الكثافة البشرية في المتر المربع الواحد لإطلاق إنذارات مبكرة (شترستوك)

التحول من التقليدية إلى الرقمنة

في العقود الماضية، كانت إدارة الحشود تعتمد على خطط تشغيلية جامدة، قائمة على التوزيع الزمني المسبق -أي التفويج- ومراقبة الممرات بالعين المجردة عبر الشاشات، مع التدخل اليدوي لرجال الأمن باستخدام الحواجز البشرية والميكانيكية عند رصد تكدس.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أم ماهر.. مسنة لبنانية تعيش آلام الفقد وحلم السفر إلى الحج
* list 2 of 2 بين لوعة الشوق وضيق اليد.. رحلة الحج "حلم صعب المنال" للبنانيين end of list

أما اليوم، فتحولت العملية إلى أنظمة ديناميكية مرنة، حيث يكمن الفارق الجوهري في مفهوم "الرؤية الشاملة والموحدة"، فبدلا من جزر البيانات المعزولة، أصبحت حركة كل حاج وحافلة وقطار مغطاة بشبكة رقمية ترسل بياناتها لحظيا إلى مراكز تحكم مركزية، مما يتيح نمذجة الحشود كـ"سوائل هيدروليكية" تحكمها قوانين الفيزياء والرياضيات، بدلا من التعامل معها ككتل عشوائية.

الخرائط الذكية ونظم المعلومات الجغرافية

تشكل نظم المعلومات الجغرافية الذكية البنية التحتية والمكانية لإدارة الحج، حيث لا تقتصر هذه الخرائط على تحديد المواقع التقليدي، بل تعتمد على الخرائط الطبوغرافية ثلاثية الأبعاد وعالية الدقة للمشاعر المقدسة.

إعلان

آلية العمل والربط المكانية


* التوأمة الرقمية: تنشأ نسخة رقمية مطابقة تماما للمسجد الحرام والمشاعر المقدسة، تشمل الممرات والمنحدرات والمخارج وأعمدة الإنارة.
* الخرائط الحرارية الحية: تترجم الخرائط الذكية البيانات القادمة من الميدان إلى ألوان تعبر عن كثافة البشر في المتر المربع الواحد.
* توجيه الحجاج الديناميكي: عبر تطبيق "نسك" الموحد، يحصل الحاج على مسارات مخصصة مرنة، إذ إنه إذا رصدت الخريطة الذكية ارتفاعا في الكثافة في المسار (أ)، يعدل النظام برمجيا المسار على هواتف الحجاج المتوجهين لتلك النقطة ويوجههم إلى المسار (ب) البديل تلقائيا لتوزيع الكثافة البشرية. مصدر الصورة مفهوم "التوأم الرقمي" يتيح بناء محاكاة افتراضية للمشاعر المقدسة لاختبار خطط التفويج وهندستها قبل بدء الموسم (شترستوك)

الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالازدحام قبل حدوثه

أبرز قفزة تقنية شهدتها إدارة الحشود هي الانتقال من رصد الازدحام بعد وقوعه إلى التنبؤ به قبل حدوثه بمدد زمنية، حيث تعتمد هذه التقنية على خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية.

كيف يتنبأ النظام بالتكدس؟

يتم تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي ببيانات تاريخية ضخمة لمواسم الحج السابقة، تشمل معدلات التدفق وسلوكيات الحشود في نقاط الاختناق مثل جسر الجمرات ومداخل صحن المطاف. وأثناء البث الحي، تقارن الخوارزميات السلوك الحالي بالأنماط التاريخية، وتأخذ في الحسبان متغيرات مثل معدل تدفق البشر في الدقيقة، وسرعة المشي المتوسطة، ومعامل الانضغاطية للحشد.

وإذا وجد النظام أن خط سير حشد معين يتجه للالتقاء بحشد آخر في زاوية حرجة وبمعدل سرعة يتجاوز القدرة الاستيعابية للممر، يطلق الذكاء الاصطناعي إنذارا مبكرا لغرف العمليات، موضحا نسبة الخطر والوقت المتبقي للوصول إلى حالة الانسداد البشري، وبناءً على هذا التنبؤ، يتم غلق بوابات إلكترونية أو تحويل مسارات التفويج مسبقا.

مصدر الصورة التقارير الرسمية أثبتت أن التكنولوجيا قلصت وقت إنهاء الإجراءات ورفعت كفاءة التفويج بنسب قياسية (شترستوك)

كاميرات الرؤية الحاسوبية وتحليل الفيديو الذكي

تمت تغطية المشاعر المقدسة بعشرات الآلاف من الكاميرات المتطورة المرتبطة بأنظمة تحليل الفيديو الذكي مثل منصات "بصير" و"سواهر" المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وهذه الكاميرات لم تعد مجرد أدوات تسجيل، بل أصبحت بمثابة العيون الرقمية، التي تحلل ما تراه بدقة متناهية.

وتتمثل قدرات تحليل الفيديو اللحظي في:


* العد الآلي للحشود: تستطيع الخوارزميات حساب عدد الأفراد الذين يعبرون خطا وهميا على الشاشة بدقة تتجاوز 95%، حتى في ظروف الإضاءة العالية أو الكثافات المرتفعة جدا.
* تحليل الاتجاه: يرصد النظام أي فرد أو مجموعة تسير عكس الاتجاه العام للتدفق، وهو ما يعد من أبرز مسببات التدافع، ويتم تنبيه أقرب فرقة أمنية بالموقع إلكترونيا.
* كشف السلوكيات الشاذة: يتعرف النظام تلقائيا على حالات السقوط الأرضي، أو توقف شخص ما فجأة وسط ممر حيوي، أو ترك حقائب وأمتعة مهملة قد تعيق الحركة.

دمج البيانات الضخمة واتخاذ القرار الفوري

تكمن القوة الحقيقية لهذه المنظومة في "صهر البيانات"، حيث لا يعمل كل نظام بمعزل عن الآخر، بل تتدفق البيانات الضخمة المتنوعة من مصادر متعددة في ذات الوقت إلى منصة مركزية موحدة، تكون فيها مصادر البيانات المدمجة معتمدة على:

إعلان

* بيانات إنترنت الأشياء: القادمة من بطاقات الحجاج الذكية (شعائر) وأساور اليد، التي تحدد بدقة هويات المجموعات ومواقعها ومؤشراتها الحيوية.
* بيانات قطار المشاعر والحافلات: تتبع لحظي عبر "جي بي إس" (GPS) لمعرفة مواعيد وصول الرحلات ومعدلات تفريغ الحجاج في المحطات.
* بيانات البلاغات الميدانية: عبر التطبيقات المخصصة للعاملين في الميدان.

هندسة اتخاذ القرار الفوري

تعرض هذه البيانات المدمجة على لوحات قيادة رقمية تفاعلية أمام متخذي القرار في مركز القيادة والسيطرة لأمن الحج. وعندما تندمج بيانات الكاميرات التي توضح تكدسا عند مدخل محطة القطار، مع بيانات الـ "جي بي إس" (GPS) التي توضح تأخر وصول قطار معين، يقوم النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي باقتراح حلول فورية، مثل إيقاف تفويج الحجاج من مخيمات منى لمدة زمنية محددة، وتحويل مسار حافلات الدعم إلى النقطة (ج)، ويضغط القائد على زر الاعتماد، لتصل التعليمات فورا كرسائل وتنبيهات آلية على هواتف رجال الأمن بالميدان والمسؤولين عن المخيمات.

مصدر الصورة منظومة الحج الذكية باتت نموذجا عالميا يحتذى به في إدارة الفعاليات المليونية وبناء المدن الذكية المؤقتة (شترستوك)

مستقبل إدارة الحج

مع استمرار تطور البنية الرقمية السعودية، أصبح الحج يمثل نموذجا عالميا لكيفية إدارة التجمعات البشرية الضخمة باستخدام التكنولوجيا، حيث انتقلت العملية من الاعتماد على المراقبة البشرية التقليدية إلى منظومة ذكية متكاملة تعتمد على البيانات والتحليل الفوري والتنبؤ الاستباقي، ما يفتح الباب أمام عصر جديد من إدارة الحشود المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتُشير الهيئة السعودية للذكاء الاصطناعي (سدايا) إلى أن "منصات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الرؤية الحاسوبية رفعت من مستوى القدرة التنبؤية للمخاطر والتكدسات في المسجد الحرام والمشاعر المقدسة إلى درجات غير مسبوقة، مما جعل من إدارة الحشود منظومة ذكية تستبق الأزمات قبل وقوعها وتتعامل مع البيانات كأصول أمنية وتشغيلية لحماية الأرواح".

وهذا الأمر يثبت أن التكنولوجيا قد أعادت تعريف مفهوم إدارة الحشود عالميا، محولة رحلة الحج إلى نموذج يُحتذى به في بناء المدن الذكية المؤقتة وإدارة الأزمات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار