قد تبدو تموجات الرمل على المريخ مجرد أشكال صغيرة صنعتها الرياح، لكنها بالنسبة إلى العلماء أشبه بصفحات مفتوحة من تاريخ الكوكب. ولهذا وجهت مركبة كيوريوسيتي التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) مجموعة من أدواتها إلى رواسب شكلتها الرياح، بحثا عن أدلة تساعد في فهم كيف تغير سطح المريخ وبيئته عبر الزمن.
وتأتي أهمية العمل من أن شكل الرواسب وترتيب طبقاتها يمكن أن يسجلا اتجاه حركة الرياح وطريقة انتقال الرمال واستقرار السطح في الماضي.
وخلال الأيام المريخية من 5002 إلى 5009 من مهمة المركبة، خطط فريقها لسلسلة معقدة من عمليات الرصد في منطقة جبل شارب داخل فوهة غيل. وتركز جزء أساسي من العمل على تموج رملي طويل وضيق أطلق عليه العلماء اسم شوكولاتال، وهو تكوين نشأ بفعل الرياح ويتيح للمركبة فحص آثاره من زوايا مختلفة.
لم تكتف كيوريوسيتي بتصوير التموج من بعيد، بل استخدمت ذراعها الروبوتية لفحص مناطق محددة منه. وشملت الخطة تحليلات كيميائية بواسطة مطياف الأشعة السينية للجسيمات ألفا، وتصويرا قريبا بواسطة كاميرا التصوير المكبرة.
كما نفذت المركبة تصويرا خاصا يُعرف باسم عين الكلب، يسمح برؤية سطح الرواسب من الجانب، وليس من الأعلى فقط، بهدف البحث عن طبقات قد تُظهر على جوانب أثر احتكاك العجلات بالرمل.
وهذا النوع من التصوير مهم لأن الطبقات الداخلية قد تحمل معلومات لا تظهر على السطح. فإذا أمكن تمييز طبقات مختلفة داخل الرواسب، يستطيع العلماء مقارنة طريقة تراكمها وتشكلها، وربطها بالعمليات التي تعرض لها السطح لاحقا.
كما استخدمت المركبة أدوات أخرى لتحليل صخرة رمادية أثارت اهتمام الفريق، إذ بدت الصخور المحيطة بها محتوية على عقد كبيرة، وهي سمة لم يرها العلماء منذ فترة في المنطقة التي تستكشفها المركبة.
وصلت كيوريوسيتي إلى المريخ في 6 أغسطس/آب 2012، بعد إطلاقها من الأرض في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وهبطت داخل فوهة غيل، التي يبلغ قطرها نحو 154 كيلومترا. وفي مركز الفوهة يرتفع جبل شارب، وهو جبل يبلغ ارتفاعه نحو 5.5 كيلومترات فوق أرضية الفوهة، ويتكون من طبقات رسوبية تراكمت عبر فترات طويلة. وكان اختيار غيل مقصودا لأن طبقاتها يمكن أن تحفظ سجلا للتغيرات التي مر بها المريخ.
ومنذ وصولها، وجدت كيوريوسيتي أدلة على أن غيل احتوت في الماضي على بيئات مائية، بما في ذلك رواسب مرتبطة بالأنهار والبحيرات القديمة. ومع تقدمها صعودا عبر جبل شارب، أصبحت المركبة تدرس كيف تعاقبت العمليات التي شكلت سطح المريخ، من المياه القديمة إلى الرياح التي أعادت تشكيل الرواسب لاحقا.
وفي الأسابيع الأخيرة، سجلت المركبة عدة محطات مهمة، منها إكمال أكثر من 5 آلاف يوم مريخي على سطح الكوكب، وقطع نحو كيلومتر واحد من الارتفاع منذ هبوطها، في حين واصلت استكشاف جبل شارب بعد أكثر من 14 عاما من العمل على المريخ.
ويشارك في إعداد خطط الرصد علماء ومهندسون يعملون على الأرض، ومن بينهم بنيامين توتولو، الأستاذ في جامعة كالغاري، الذي كتب تدوينة ناسا التي عرضت تفاصيل خطة العمل للأيام المريخية 5002 إلى 5009.
لا تتحرك الرمال على المريخ بالطريقة نفسها التي تتحرك بها على الأرض؛ فالغلاف الجوي للمريخ أكثر رقة بكثير، لكن الرياح تستطيع مع ذلك نقل الغبار والرمال وتشكيل تموجات وكثبان واسعة.
ومع مرور الزمن، يمكن لهذه التكوينات أن تحفظ آثارا للظروف التي كانت سائدة عندما تشكلت. لذلك لا يبحث العلماء في شوكولاتال عن شكل جميل للرمال، بل عن أدلة يمكن أن تساعدهم على فهم اتجاهات الرياح وكيف تغير سطح المريخ.
وتكشف هذه المهمة أيضا قيمة الاستكشاف طويل الأمد، فالمعلومة العلمية المهمة لا تأتي دائما من اكتشاف كبير ومفاجئ، بل قد تختبئ في طبقة رقيقة أو تموج رملي صغير.
وبفحص هذه التفاصيل واحدة تلو الأخرى، تبني كيوريوسيتي صورة أكثر اكتمالا عن عالم انتقل من بيئات مائية قديمة إلى الكوكب البارد والجاف الذي نراه اليوم. وهكذا يصبح كل متر تقطعه المركبة وكل صخرة تفحصها جزءا من محاولة أوسع لفهم تاريخ كوكب كامل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة