آخر الأخبار

قنابل غارقة وسموم متسربة.. ماذا يحدث في بحار ألمانيا؟

شارك
ان إزالة الذخائر القديمة من المياه الألمانية مهمة ضخمة تتطلب موارد متزايدة ومن المرجح أن تستغرق عقودًا.صورة من: Jana Ulrich/Forschungstauchzentrum CAU Kiel/dpa//picture alliance

تتآكل ببطء آلاف القنابل والأسلحة الأخرى في قاع بحر البلطيق قبالة السواحل الشمالية لألمانيا ، ضمن مخزون ضخم من الذخائر التقليدية يُقدَّر بنحو 1.6 مليون طن متري في بحر الشمال وبحر البلطيق، يعود جزء كبير منه إلى الحربين العالميتين وعمليات التخلص من الأسلحة التي أعقبت عام 1945.

كيف أصبحت الأسلحة القديمة تهديدًا جديدًا؟

لعقود طويلة، تُركت الذخائر الغارقة في قاع البحار من دون معالجة تُذكر، طالما أنها لم تُشكّل خطرًا مباشرًا من ناحية الانفجار. إلا أن مرور الزمن وتآكل أغلفتها المعدنية كشفا عن تهديد مختلف يتمثل في التلوث البيئي.

وتشمل هذه الذخائر مخلفات الحروب، مثل الألغام والقنابل غير المنفجرة والذخائر التي فُقدت في البحر. كما أُلقيت كميات هائلة منها عمدًا في المياه عقب استسلام ألمانيا النازية عام 1945، ضمن جهود قوات الحلفاء للتخلص من الترسانة العسكرية الضخمة التي خلّفتها الحرب. وهكذا تحوّل ما كان يُنظر إليه لعقود على أنه خطر انفجار محتمل إلى أزمة  بيئية متفاقمة.

وقال إدموند ماسر، أستاذ علم السموم في جامعة كيل، لـDW: "من الواضح أن تآكل هذه الذخائر يؤدي إلى تسرب مركبات كيميائية إلى البيئة البحرية، حيث تنتقل إلى الكائنات الحية". وأضاف أن هذه المواد "ثبتت سميتها وقدرتها على التسبب في السرطان، سواء لدى البشر أو الأحياء البحرية".

ومن بين أخطر المواد التي تحتويها هذه الذخائر القديمة مركب ثلاثي نترو التولوين (TNT)، وهو مادة شديدة الانفجار تُستخدم على نطاق واسع في الذخائر العسكرية.

وفي إطار دراسة آثار هذا المركبات على البيئة البحرية، سعى يورن شارساك، الباحث في معهد ثونين لبيئة المصايد السمكية في ألمانيا، إلى تتبع وجوده في أسماك الداب، وهي من الأسماك المفلطحة التي تعيش في قاع البحر.

وأكد شارساك: نعثر في الأسماك على آثار مادة ثلاثي نيترو التولوين (TNT)، أو بشكل أدق على نواتج تحللها .

ورغم أن التركيزات المكتشفة ضئيلة للغاية وتُقاس بالنانوغرام، ولا تظهر بمستويات قابلة للرصد في جميع الأسماك، فإن الباحثين يواصلون العثور على هذه المركبات مرارًا في المناطق القريبة من مواقع إغراق الذخائر القديمة. ويؤكد شارساك: الكميات صغيرة جدًا، لكنها موجودة بالفعل .

كيف تلوث الذخائر السامة البحر؟

وقال يورن شارساك لـDW: "تبدو الأسماك سليمة عند إخراجها من البحر، ولا تعاني من معدلات أعلى للإصابة بالأمراض الفيروسية أو البكتيرية أو الطفيلية". غير أن الباحثين رصدوا مؤشرًا مقلقًا يتكرر باستمرار.

كما عثر فريق إدموند ماسر على مركبات مرتبطة بالذخائر في الأسماك وبلح البحر. وبالتعاون مع معهد ألفريد فيغنر (AWI) في بريمرهافن، وجد الباحثون اضطرابات وتشوهات في الكبد لدى أكثر من 50% من الأسماك التي تعيش بالقرب من بعض مواقع إغراق الذخائر وحطام السفن، مقارنة بالمعدلات الطبيعية التي تتراوح بين 1 و2% فقط.

وفي المقابل، أظهرت عينات من بلح البحر مؤشرات كيميائية حيوية على الإجهاد التأكسدي، إذ يؤدي تفكيك مادة "تي إن تي" إلى إنتاج أشكال شديدة التفاعل من الأكسجين قادرة على إلحاق الضرر بالبروتينات والدهون وحتى الحمض النووي . ويرى ماسر أن ذلك قد يشكّل خطوة نحو الإصابة بـ السرطان .

ولا يقتصر أثر هذا التلوث على الأسماك وبلح البحر. فقد رصد فريق ماسر أيضًا مركبات مرتبطة بمادة "تي إن تي" في عينات أنسجة مأخوذة من حوتين جنحا إلى الشاطئ، ما يشير إلى أن هذه المواد الكيميائية وصلت إلى كائنات تقع في قمة السلسلة الغذائية البحرية. وأكد ماسر أن هذا يعني وصول هذه المركبات إلى المفترسات العليا في النظام البيئي البحري.

تفجير الذخائر تحت الماء ليس حلاً مثاليًا، إذ يمكن لموجات الانفجار أن تلحق أضرارًا بالحياة البحرية، فضلًا عن إطلاق مواد سامة في المياه.صورة من: Carsten Rehder/dpa/picture alliance

هل تهدد الذخائر القديمة في بحار ألمانيا البشر؟

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: إذا كانت المركبات المرتبطة بمادة "تي إن تي" تصل إلى الحيوانات المفترسة في قمة السلسلة الغذائية البحرية، فهل تشكل خطرًا على البشر الذين يستهلكون المأكولات البحرية؟ في الوقت الراهن، يرى العالمان أن الإجابة هي: لا.

فالحيتان تتعرض لهذه المواد بشكل مستمر عبر فرائسها والمياه المحيطة بها، في حين يقتصر تعرض البشر لها على تناول المأكولات البحرية بين حين وآخر.

يؤكد شارساك: يحتاج الإنسان إلى تناول كميات كبيرة جدًا من الأسماك حتى يصل إلى مستوى قد يشكل خطرًا فعليًا. ومع ذلك، ما زلت أسبح في البحر وأتناول الأسماك. لكن القلق الحقيقي يكمن فيما قد يحدث مع استمرار تآكل هذه الذخائر وتحللها بمرور الوقت. ويضيف شارساك: أعتقد أن الوضع سيتفاقم مع استمرار تآكل هذه الذخائر.

وتبدو المشكلة أكثر حدة في بحر البلطيق مقارنة ببحر الشمال، إذ إن ضعف التيارات المائية ومحدودية تجدد المياه يسمحان للملوثات المتسربة بالبقاء لفترات أطول بدلًا من التشتت، مما يزيد من تأثيرها المحتمل على البيئة البحرية.

ماذا يكشف بلح البحر عن التلوث بمادة "تي إن تي"؟

وتشير أبحاث ماسر إلى أن هذا التوجه قد بدأ بالفعل. فقد حلّل فريقه عينات محفوظة من بلح البحر تعود إلى عام 1985، وأظهرت النتائج أن مستويات التلوث المرتبطة بمادة "تي إن تي" (TNT) تشهد ارتفاعًا مطّردًا منذ بداية الألفية تقريبًا وحتى عام 2022.

وقال ماسر: "لا تزال المستويات منخفضة، لكنها آخذة في الارتفاع. ونتوقع أنه خلال العقود المقبلة، وربما خلال عقدين أو ثلاثة أو أربعة عقود، قد تصل إلى مستويات يمكن أن تضر بمستهلكي المأكولات البحرية من البشر".

وتواجه الحياة البحرية بالفعل ضغوطًا متزايدة نتيجة ما وصفه ماسر بـ"مزيج من الملوثات التي ينتجها الإنسان، مثل جزيئات البلاستيك الدقيقة، والمبيدات الحشرية، وبقايا الأدوية ،والعقاقير". وتضيف الذخائر الغارقة مصدرًا جديدًا للتلوث إلى هذا الخليط المتنامي.

وعلى عكس كثير من الملوثات المنتشرة بالفعل في البحار والمحيطات، تبقى القنابل والألغام أجسامًا مادية يمكن انتشالها والتخلص منها.

فعلى مدى عقود، ركزت ألمانيا على إزالة الذخائر التي تشكل خطرًا مباشرًا على الملاحة أو السلامة العامة، لكنها لم تبدأ إلا مؤخرًا تنفيذ مشاريع تجريبية لإزالة الذخائر الغارقة بصورة منهجية، بهدف الحد من آثارها البيئية قبل تفاقم المشكلة. وأشار شارساك: لقد جرى تجاهل هذه القضية لعقود طويلة، ولم يكن أحد يرغب في الحديث عنها.

ما الصعوبات التي تواجه إزالة الذخائر؟

في دراسة نُشرت في شهر يوليو/ تموز، حدد الباحث تورستن فراي، من مركز جيومار (GEOMAR) للأبحاث، وزملاؤه 484 موقعًا معروفًا أو يُحتمل وجود ذخائر فيها، وذلك في منطقتين من بحر البلطيق. وأشار فراي لـ DW إنه من بين نحو 1.6 مليون طن من الذخائر الموجودة في المياه الألمانية، لم يتم حتى الآن تحديد مواقع أو رسم خرائط لنحو 1.5 مليون طن منها.

في الماضي، كانت القنابل تُنتشل غالبًا من البحر ونقلها إلى اليابسة للتخلص منها، لكن هذا النهج سيتغير مستقبلًا.صورة من: Christian Charisius/dpa/picture alliance

وأوضح فراي أن انتشال الذخائر من المواقع المعروفة لم يعد المشكلة الرئيسية، إذ أصبحت الشركات المتخصصة قادرة على إزالة كميات كبيرة منها بسرعة نسبية. وقال إن المشكلة الرئيسية تكمن في التخلص من الذخائر التي يتم انتشالها وتدميرها.

وتعمل ألمانيا حاليًا على تطوير منصة لمعالجة الذخائر في البحر، للمساعدة في زيادة القدرة على التخلص منها. وأشار فراي: ستكون هذه العملية أشبه بسباق ماراثون، وليست سباقًا قصيرًا وسريعًا.

وحتى بعد إزالة الذخائر، ستبقى منها بقايا صغيرة من المواد المتفجرة، قد يكون حجم بعضها مثل مكعب السكر ويجري الباحث ماسر دراسات لمعرفة ما إذا كانت البكتيريا والفطريات البحرية قادرة في النهاية على تفكيك هذه البقايا وتحويلها إلى ثاني أكسيد الكربون والماء.

ولا تزال هذه الطريقة قيد الدراسة في المختبر، ويؤكد ماسر أنها لا يمكن أن تحل محل إزالة الذخائر وانتشالها من البحر.

وأضاف ماسر: "إذا انتظرنا نحو 40 عامًا، فقد تتآكل جميع هذه الأغلفة المعدنية، وعندها لن تكون لدينا أي فرصة لاستخراج المواد السامة المتسربة من الذخائر في المياه. ولهذا السبب، يجب أن نتحرك الآن".

أعدته للعربية: ندى فاروق

تحرير: عادل الشروعات

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار