اكتشف مسبار "بيرسيفيرانس" التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) أول دليل على وجود معدن "الكوروندوم" الحامل للكروم في بيئة مريخية، وذلك داخل ثلاث صخور شاحبة عُثر عليها في فوهة جيزيرو، التي يدرسها المسبار منذ هبوطه على الكوكب الأحمر عام 2021. ولا تكمن أهمية الاكتشاف في ارتباط المعدن بالأحجار الكريمة، وإنما في الظروف الجيولوجية غير المعتادة التي يتطلبها تشكله.
وجاء الاكتشاف ضمن دراسة قادتها عالمة الكيمياء الجيولوجية آن أوليلا من مختبر "لوس ألاموس الوطني"، ونُشرت في مجلة "جيوفيزكال ريسيرش ليترز" (Geophysical Research Letters). ويرى الباحثون أن "الكوروندوم" يمكن أن يقدم مؤشرا جديدا على العمليات الحرارية والكيميائية التي شهدتها منطقة جيزيرو في الماضي البعيد.
فـ"الكوروندوم" (corundum) هو الشكل البلوري لأكسيد الألومنيوم، ويضم على الأرض نوعين معروفين من الأحجار الكريمة: الياقوت والياقوت الأزرق. لكن وجوده على المريخ لا يعني العثور على أحجار كريمة كبيرة أو لامعة، إذ تشير البيانات إلى أن المعدن موجود على هيئة حبيبات صغيرة داخل الصخور.
واللافت أن الصخور الثلاث -التي أطلق عليها أسماء "هامبدن ريفر" و"كوفي كوف" و"سميثس هاربور"- غنية بمعدن "البلاجيوكليز"، وهو معدن سيليكاتي يحتوي على الألومنيوم.
ويشكل ذلك لغزا كيميائيا، لأن تكوين "الكوروندوم" يحتاج عادة إلى مادة غنية بالألومنيوم وفقيرة بالسيليكون، في حين يسمح وجود السيليكون للألومنيوم بالدخول في تركيب معادن سيليكاتية مثل البلاجيوكليز.
وفحص "بيرسيفيرانس" الصخور الثلاث في النصف الأول من عام 2025، وكانت جميعها صخورا طافية، أي أنها لم تعد مرتبطة بالصخر الأصلي الذي تكونت فيه، وربما انتقلت من موقع آخر.
تمكن المسبار من التعرف على الكوروندوم باستخدام تقنية تعتمد على قياس اللمعان الناتج عن المعادن بعد إثارتها بالليزر، بواسطة أداة "سوبركام" الموجودة على متن المسبار.
فعندما يسلط الليزر على المعدن، تثار ذراته، ثم تطلق ضوءا مميزا عندما تعود إلى حالتها الطبيعية. وسجلت الأداة إشارتين واضحتين عند طولي موجة يبلغ كل منهما 692.7 و694.1 نانومترا، وهما علامتان مميزتان لانبعاثات الكروم عندما يحل محل بعض ذرات الألومنيوم داخل الكوروندوم.
يعتقد الباحثون أن أكثر التفسيرات إثارة للاهتمام يرتبط بتاريخ فوهة جيزيرو نفسها. فقد تشكلت الفوهة نتيجة اصطدام هائل قبل مليارات السنين، ويمكن لمثل هذه الاصطدامات أن تولد درجات حرارة وضغوطا شديدة قادرة على تغيير المعادن الموجودة في الصخور.
وسبق العثور على "الكوروندوم" في صخور تعرضت لتأثيرات اصطدامية على الأرض والقمر، ولذلك يطرح الباحثون احتمال أن يكون الاصطدام الذي صنع جيزيرو قد وفر الظروف المناسبة لتكوّنه.
كما عُثر على الصخور الثلاث قرب حافة الفوهة وبجوار صخور يُعتقد أنها "بريشيا" اصطدامية، وهي صخور تتكون من شظايا تحطمت وأعيد تجميعها خلال الاصطدام.
ولا يستبعد العلماء دور السوائل الساخنة أيضا. فقد شهدت جيزيرو في الماضي نشاطا حراريا مائيا، وربما ساعد تفاعل السوائل مع الصخور على توفير بيئة غنية بالألومنيوم وفقيرة بالسيليكون، وهي ظروف مناسبة لتكوين "الكوروندوم".
ومع ذلك، لا يزال أصل الصخور الثلاث مجهولا، ولا يمكن الجزم بآلية تشكل المعدن. ويرى الباحثون أن العثور على الصخر الأصلي الذي جاءت منه هذه العينات سيكون خطوة مهمة، بينما قد تمنح عينات تعاد إلى الأرض فرصة لإجراء تحاليل مخبرية أكثر دقة.
ويُظهر هذا الاكتشاف مرة أخرى أن المريخ ليس مجرد عالم من الصخور والغبار، بل سجل جيولوجي غني يحتفظ في معادنه بآثار اصطدامات ومياه وحرارة امتدت عبر مليارات السنين.
فكل حبة معدنية يعثر عليها العلماء هناك قد تكون قطعة صغيرة من قصة كبرى، تذكرنا بأن الاستكشاف العلمي يبدأ أحيانا من صخرة تبدو عادية، لكنه قد يقود إلى فهم أعمق لتاريخ عالم كامل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة