حمّل وزير الصحة الأميركي روبرت إف. كينيدي جونيور إجراءات الحجر خلال جائحة كوفيد 19 مسؤولية تفشي الحصبة مجدداً في الولايات المتحدة، لكن ماذا تقول البيانات؟
مع عودة الحصبة إلى الولايات المتحدة بمعدلات لم تشهدها البلاد منذ عقود، يطرح وزير الصحة الأميركي روبرت إف. كينيدي جونيور تفسيراً مختلفاً عن ذلك الذي تقدمه مؤسسات الصحة العامة. فبحسب كينيدي، ساهمت إجراءات الإغلاق وإبقاء الأطفال بعيداً عن المدارس خلال جائحة كوفيد 19 في إحداث اضطراب في المناعة المجتمعية، ما ساعد لاحقاً على عودة الحصبة.
العامل الأكثر وضوحاً في البيانات هو انخفاض معدلات التطعيم ضد الحصبة في بعض المجتمعات، إلى مستويات تقل عن نسبة الـ95% التي يحتاج إليها المجتمع للحفاظ على مناعة جماعية قوية ضد مرض شديد العدوى.
الحصبة من أكثر الأمراض المعدية المعروفة، ويمكن أن تنتشر بسرعة عندما تصل إلى مجتمع توجد فيه أعداد كبيرة من الأشخاص غير المحصنين.
ويؤكد أميش أدالجا، الباحث البارز في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، في حديث للموقع الإخباري الأمريكي تيكساس تريبيون، أن انتشار الحصبة في المناطق التي تنخفض فيها معدلات التطعيم إلى ما دون 95% يمكن أن يستمر إلى أن يصاب الأشخاص المعرضون للعدوى أو يحصلوا على اللقاح.
وتشير تحليلات الخبراء إلى أن المشكلة تكمن أيضا في وجود مناطق محددة تتجمع فيها أعداد كبيرة من الأطفال غير المطعمين. وفي هذه المناطق، يكفي وصول شخص مصاب بالحصبة من الخارج لبدء تفشٍ واسع.
تراجعت خدمات الرعاية الصحية الروتينية خلال جائحة كوفيد 19 ، وأُجلت بعض مواعيد التطعيم، كما أدى إغلاق المدارس وتراجع حركة الناس إلى انخفاض انتقال عدد من الأمراض المعدية.
لكن هذا لا يعني أن الإغلاق تسبب مباشرة في المتفشيات الحالية.
فالبيانات التي تتبع حالات الحصبة تشير إلى وجود علاقة أوضح بين التفشي الحالي وبين انخفاض التغطية بلقاح MMR وارتفاع الإعفاءات من متطلبات التطعيم في بعض المناطق.
وتؤكد مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن اللقاح المركب ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) هو الأداة الأساسية للوقاية من الحصبة، فيما تشير بيانات المتفشيات إلى أن الأشخاص غير المطعمين يمثلون الغالبية العظمى من الحالات في بؤر التفشي.
يأتي هذا الجدل في وقت تتغير فيه سياسة التطعيم الأميركية نفسها.
فإدارة ترامب دفعت خلال العامين الماضيين باتجاه إعادة النظر في جدول تطعيم الأطفال، في حين واجه كينيدي انتقادات بسبب مواقفه المتذبذبة من لقاح الحصبة.
وفي مايو/أيار 2026، وثقت منصة FactCheck.org سلسلة من تصريحات كينيدي بشأن لقاح MMR. ففي إحدى المناسبات وصف اللقاح بأنه "أكثر الطرق فعالية" لمنع انتشار الحصبة، لكنه في تصريحات أخرى أضاف معلومات اعتبرها خبراء مضللة أو قد تدفع الآباء إلى التشكيك في اللقاح. وفي جلسة استماع أمام الكونغرس في أبريل/نيسان، قال كينيدي إن اللقاح آمن وفعال، لكنه أضاف أنه آمن "بالنسبة إلى معظم الناس".
أما جاي بهاتاشاريا، مدير المعاهد الوطنية للصحة والقائم حينها بأعمال مدير CDC، فقد اتخذ موقفاً أكثر وضوحاً من كينيدي بشأن الحصبة . وقال للمجلة الشهرية الأمريكية ذا أتلانتيك، إن البيانات تقنعه بعدم وجود علاقة بين لقاح MMR والتوحد، كما أعرب عن قلقه من انخفاض الإقبال على اللقاح.
وفي المقابل، انتقدت ديبرا هوري، المسؤولة الطبية السابقة في CDC، طريقة تعامل كينيدي مع تفشي الحصبة. وقالتل سي بي إس نيوز إن المعلومات التي كان كينيدي وحلفاؤه يبحثون عنها لم تكن، في رأيها، مبنية على العلم أو الواقع، بل كانت تهدف إلى دعم أجندة موجودة مسبقاً.
وتقول الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال إن تغيير توصيات التطعيم من دون أدلة علمية جديدة قد يؤدي إلى إرباك الأسر وتأخير التطعيم، خصوصاً في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة ارتفاعاً في حالات الحصبة. كما حذرت من أن إعادة النظر في جدول التطعيم يمكن أن تقوض الثقة في اللقاحات حسب ما ورد في وكالة الأنباء الأمريكية أسوشيتد برس.
أما كينيدي نفسه، فقد دعا في أغسطس/آب 2026 الآباء إلى تطعيم أطفالهم ضد الحصبة، في موقف بدا أكثر وضوحاً من بعض تصريحاته السابقة. لكنه واصل في الوقت نفسه الترويج لمواقف مثيرة للجدل بشأن لقاحات أخرى.
قد يعود إنخفاض مستويات معدلات التطعيم بما يكفي بعد انتهاء الجائحة الى عوامل أخرى من بينها التأخر في الحصول على اللقاحات، وازدياد الإعفاءات من متطلبات التطعيم المدرسية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الصحية ، وانتشار المعلومات المضللة حول اللقاحات.
وفي ظل قرار إدارة ترامب الأخير بإعادة تصنيف عدد من لقاحات الأطفال، وتقسيم لقاح MMR إلى جرعات منفصلة ضمن التوصيات الجديدة، يخشى خبراء الصحة من أن تؤدي الرسائل السياسية المتضاربة إلى زيادة المشكلة بدلاً من حلها.
فالبيانات لا تقول إن الحصبة عادت لأن الأطفال أُجبروا على البقاء في منازلهم خلال كوفيد 19 فحسب، بل تشير إلى أن الفيروس وجد فرصته عندما تراجعت الحماية التي كان التطعيم يوفرها للمجتمع.
أعده للعربي: أ.ف (ع.ج.م)
المصدر:
DW