في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع اقتراب الكسوف الشمسي الكلي المرتقب في 12 أغسطس/آب 2026، عادت إلى منصات التواصل الاجتماعي شائعة قديمة تزعم أن الأرض ستفقد جاذبيتها لمدة نحو 7 ثوان، في حدث كارثي سيجعل البشر والسيارات والحيوانات والأجسام تطفو فوق سطح الكوكب، قبل أن تعود الجاذبية فجأة فتسقط هذه الأجسام وتوقع عشرات الملايين من الضحايا.
وتربط المنشورات هذه الرواية بما تسميه "مشروع آنكر" (Project Anchor)، وهو برنامج سري مزعوم تابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، قيل إن وثيقة مسربة عنه ظهرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وإنه يتضمن ميزانية قدرها 89 مليار دولار استعدادا لما وصفته المنشورات بـ"الاضطراب الجاذبي" المتوقع في 12 أغسطس/آب عند الساعة 17:33 بتوقيت مكة المكرمة.
لكن لا توجد أي أدلة على وجود هذا المشروع أو الوثيقة المزعومة، فيما نفت ناسا صراحة أن الأرض ستفقد جاذبيتها في ذلك اليوم.
تتبع موقع "سنوبس" (Snopes) القصة إلى منشور ظهر على إنستغرام في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، نشره حساب أصبح غير متاح بعد أيام، وزعم المنشور أن وكالة ناسا تعرف مسبقا أن الأرض ستتعرض لاضطراب جاذبي يستمر 7.3 ثانية، وأنها تستعد سرا للحدث.
ومع انتشار القصة، أضيفت إليها تفاصيل أكثر إثارة، من بينها أن الأشخاص والسيارات والأجسام غير المثبتة سترتفع إلى ارتفاع يتراوح بين 15 و20 مترا، وأن سقوطها بعد عودة الجاذبية سيؤدي إلى مقتل ما بين 40 و60 مليون شخص، فضلا عن تدمير البنية التحتية وانهيار اقتصادي طويل الأمد.
لكن البحث في المصادر الحكومية والعلمية والسجلات المتاحة لم يكشف أي أثر لوثيقة "مشروع آنكر" أو لميزانية بهذا الحجم، أو لخطة سرية من ناسا تتعلق بفقدان الجاذبية.
عندما تواصلت "سنوبس" مع ناسا للتحقق من الادعاء، نفت الوكالة وقوع أي فقدان للجاذبية في 12 أغسطس/آب، وأوضحت ناسا أن جاذبية الأرض، أو قوة الجذب الكلية للكوكب، مرتبطة بكتلته، ولكي تختفي الجاذبية بالطريقة التي تصفها الشائعة، يجب أن تفقد منظومة الأرض كتلتها، بما في ذلك النواة والوشاح والقشرة والمحيطات والمياه والغلاف الجوي.
وهذا يعني أن الجاذبية ليست نظاما يمكن تشغيله وإيقافه مؤقتا، ولا توجد آلية معروفة في الفيزياء تسمح بإلغائها لعدة ثوان ثم إعادتها إلى حالتها الطبيعية، فهي ليست طوع البشر ولا المؤسسات، ولا يمكن لأحد أن يتحكم بها إلا الخالق سبحانه وتعالى.
وتستند بعض نسخ الشائعة إلى ادعاء أكثر غرابة، مفاده أن موجات جاذبية ناتجة عن تصادم ثقوب سوداء ستتداخل في نقطة معينة وتؤدي إلى "تعطيل" جاذبية الأرض.
وهذا التفسير يخلط بين ظاهرتين مختلفتين. فموجات الجاذبية هي تموجات في الزمكان تنتج عن أحداث كونية عنيفة، مثل اندماج الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية، وعندما تصل إلى الأرض، تكون آثارها بالغة الصغر.
وتوضح منظمة "ليغو" (LIGO Scientific Collaboration) أن الموجات التي تقيسها مراصدها تغير أطوال أذرع الكواشف بمقادير تقل بعشرات الآلاف من المرات عن عرض البروتون. وهذه التأثيرات الدقيقة للغاية لا تعني أن جاذبية الأرض نفسها تتوقف أو تتبدل على النحو الذي تصفه الشائعة.
اللافت أن التاريخ المذكور في الشائعة ليس عشوائيا تماما، إذ سيشهد العالم بالفعل حدثا فلكيا حقيقيا في ذلك اليوم. ففي 12 أغسطس/آب سيحدث كسوف شمسي كلي يعبر مساره مناطق من شمال روسيا وغرينلاند وآيسلندا والمحيط الأطلسي وإسبانيا، مع مرور الكسوف جزئيا على مناطق واسعة من أوروبا وشمال غربي أفريقيا وأجزاء من أمريكا الشمالية.
ويحدث الكسوف عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب قرص الشمس كليا أو جزئيا عن مناطق محددة من سطح الأرض. لكن هذا الاصطفاف لا يؤدي إلى إلغاء جاذبية الأرض.
وتؤكد ناسا أن تأثير جاذبية الشمس والقمر في الأرض معروف وقابل للحساب بدقة، وهو يرتبط خصوصا بظاهرة المد والجزر، ولا يؤدي الكسوف إلى تغيير مفاجئ في قوة جاذبية كوكبنا.
لذلك، فإن الحديث عن ملاجئ سرية، أو استعدادات حكومية بمليارات الدولارات، أو سقوط عشرات الملايين من البشر في 12 أغسطس/آب، لا يستند إلى علم أو إلى أي وثيقة موثوقة.
الحدث الحقيقي الذي يستحق الاستعداد له هو الكسوف نفسه، وخصوصا بالنسبة لمن يخططون لمشاهدته. وخلال المراحل الجزئية من الكسوف، لا يجوز النظر مباشرة إلى الشمس من دون استخدام نظارات أو مرشحات شمسية آمنة ومخصصة للرصد، أو أية طرق فلكية أخرى توفر مشاهدة هذا الحدث دون ضرر على العين، كإسقاط الصورة عبر عدسات التلسكوبات على حواجز بيضاء.
أما الجاذبية، فستبقى تعمل كالمعتاد؛ ولن يحتاج سكان الأرض إلى تثبيت سياراتهم أو ربط أثاث منازلهم خوفا من أن تحلق الأشياء في الهواء.
لقد استندت الشائعة إلى حدث فلكي حقيقي، وأضيفت إليه وثيقة سرية مزعومة وأرقام دقيقة وتوقيت محدد، وهي عناصر تمنح القصة مظهرا علميا، لكنها لا تحولها إلى حقيقة. وفي هذه الحالة، تكفي قوانين الفيزياء الأساسية وسؤال بسيط للمصادر الرسمية لإسقاط واحدة من أكثر شائعات "نهاية العالم" غرابة المرتبطة بكسوف عام 2026.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة