أعلن معهد فيزياء الأرض في باريس بالتعاون مع وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" عن كشف فلكي مثير يخص الكويكب "فيستا"، ثاني أكبر أجرام حزام الكويكبات والذي اكتشفه العالم الألماني "هاينريش أولبرز" عام 1807.
وبدأت فصول هذا الاكتشاف عندما أطلقت ناسا مركبة "داون" (Dawn) الفضائية عام 2007 لرحلة استمرت حتى عام 2018، ووصلت إلى الكويكب في يوليو/تموز 2011، ودارت خلالها حول هذا الكويكب لنحو 14 شهرا لجمع آلاف الصور والبيانات الطبوغرافية.
واليوم، أعادت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "علم الفلك والفيزياء الفلكية" (Astronomy & Astrophysics) العالمية رسم الخريطة الجيولوجية لـ "فيستا"، مؤكدة أن سطحه المليء بالندوب والانهيارات الصخرية يخفي أدلة بصرية تمكّن العلماء من قراءة عمر السطح ودرجة تأثره بالعوامل الفضائية بفضل نموذج إحصائي متطور يفك شفرة الضوء المنعكس من الغبار الكوني.
وتظهر هذه المناطق فائقة السطوع في صور الكويكب، لكن السطوع البصري وحده لطالما كان خادعا للعلماء؛ إذ يمكن أن يتأثر بحجم الجزيئات أو زوايا الإضاءة. ولحل هذا التعقيد، طبّق الباحثون نموذجا فيزيائيا معقدا يُعرف بنموذج "هابكي" الضوئي، ودمجوه في إطار إحصائي يحلل احتمالات سلوك تشتت الضوء.
وأظهرت النتائج أن المناطق الأكثر سطوعا تعكس كفاءة تشتيت عالية جدا لا ترتبط بالخداع البصري الزاوي، بل تعكس طبيعة مادية حقيقية وجديدة كليا لتربة الكويكب التي لم تتعرض للتجوية الفضائية الطويلة.
أثبتت المقارنة بين فوهة "كورنيليا" ومنحدر "ماتروناليا" نمطا متسقا للغاية؛ حيث تبين أن الرواسب الصخرية والانهيارات الحديثة تكون دائما أكثر سطوعا من محيطها القديم. ويُفسر الباحثون في المعهد هذه الظاهرة بأن العمليات الميكانيكية، كالانهيارات والاصطدامات، تقوم بقشر السطح الخارجي للكويكب وإزاحة التربة القديمة.
هذا الفعل يكشف عن حبيبات صخرية أنعم وأصغر حجما لم تتعرض بعد لقصف النيازك الدقيقة والرياح الشمسية الحارقة التي تعمل بمرور الوقت على تعتيم التربة وتغيير تركيبها البصري.
وجاء في التقرير العلمي الصادر عن الفريق البحثي بالمعهد: "إن هذا التدرج الثابت في السطوع يمثل أداة تشخيصية قوية تتيح لنا لأول مرة فصل الخداع البصري الهندسي عن الحداثة الجيولوجية الحقيقية لتربة الأجرام الفضائية".
تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف الكويكب "فيستا" لتشمل كافة الأجرام الفضائية التي تفتقر إلى الغلاف الجوي، مثل القمر والكويكبات الأخرى. وفي ظل غياب التعرية الجوية التقليدية كالرياح والمياه كما يحدث على الأرض، تصبح حركة الغبار والاصطدامات هي المحرك الوحيد للتطور الجيولوجي.
ومن هنا، يتيح الاعتماد على لغة الضوء والسطوع أداة مبتكرة لتصنيف التضاريس وترتيبها زمنيا بحسب حداثتها، حتى في غياب القدرة على تحديد العمر المطلق بالسنوات. وتوفر هذه الطريقة وسيلة غير مباشرة لتتبع معدلات تجدد التربة الفضائية ومعرفة كيفية استجابة الأجرام الصغيرة للقصف الكوني المستمر، متحولة من مجرد رصد بصري إلى أرشيف جيولوجي يروي تاريخ التغيرات الفضائية الصامتة.
إن هذا الكشف العلمي يضعنا أمام حقيقة فلسفية ملهمة؛ فالإنسان الذي يعيش على كوكب تحميه الأجواء والمياه، استطاع بعقله وتلسكوباته الممتدة في الفراغ السحيق أن يترجم صمت الكون وفراغه إلى سطور مقروءة.
إن الضوء المنعكس من غبار صخرة فضائية تبعد عنا ملايين الكيلومترات لم يعد مجرد وميض عابر، بل غدا وثيقة تاريخية وسجلا يروي حركة الزمان الكوني.
وتأتي هذه الأبحاث لتعزز من قيمة الاستكشاف العلمي المستمر، فالأمر لا يتوقف عند فهم الكويكبات فحسب، بل يمتد لتعميق صلة الوعي البشري بالوجود الكوني الواسع، مبرهنا على أن غريزة البحث هي النور الحقيقي الذي يضيء ظلمات المجهول ويؤمّن مستقبل المعرفة الإنسانية في هذا الفضاء الفسيح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة