على أعماق سحيقة لا تصل إليها الشمس ولا تتحملها سوى كائنات قليلة في المحيط الهندي، كانت الغواصة الصينية المأهولة "فندوتشه" تبحث في قاع المحيط بحثا عن رؤية أفضل لصخور ورواسب وأشكال متناثرة من الحياة العميقة.
لكن ما كشفه الفريق البحثي كان أكثر غرابة: عظام حيتان، وهياكل شبه كاملة، ممتدة على مسافة هائلة في قاع منطقة ديامانتينا، جنوب شرقي المحيط الهندي.
تكشف الدراسة التي نشرت يوم 10 يونيو/حزيران في دورية "نيتشر" (Nature)، عن واحدة من أعمق وأوسع "مقابر الحيتان" المعروفة حتى الآن. إذ وثق الباحثون تجمعا ضخما من بقايا الحيتان يمتد لنحو 1200 كيلومتر على قاع البحر، عند أعماق تتراوح تقريبا بين 4600 و7000 متر، في بيئة بعيدة جدا عن الضوء، وفقيرة بالغذاء، لكنها ليست خالية من الحياة.
ولا تعني "مقبرة الحيتان" هنا مجرد عظام متناثرة في قاع المحيط؛ فعندما يموت الحوت ويغوص جسده إلى الأعماق، يتحول إلى واحة غذائية نادرة في مكان لا يصل إليه إلا القليل من الطعام القادم من السطح.
تتجمع حول الجثة كائنات متخصصة مثل ديدان تأكل العظام، ومحاريات تعيش مع بكتيريا قادرة على استغلال المواد الكيميائية، ونجوم هشة، وقواقع، وقشريات، وميكروبات تغطي العظام بطبقات بيضاء.
خلال 32 غوصة في عام 2023، رصد الفريق خمسة مجتمعات حديثة نشطة حول بقايا حيتان، إضافة إلى مئات المواقع التي تضم عظاما وأحافير لحيتان قديمة. ومن بين هذه المواقع، سجل الباحثون أحد أعمق المجتمعات النشطة المعروفة على "سقوط حوت"، عند عمق يقارب 6789 مترا، مرتبطا ببقايا حوت منقاري.
وتستخدم عبارة "سقوط الحوت" لوصف اللحظة التي يغرق فيها جسد الحوت بعد موته ويصل إلى قاع البحر، حسب شياوتونغ بنغ، أستاذ علوم البحار في معهد علوم وهندسة أعماق البحار، بالأكاديمية الصينية للعلوم، والمؤلف الرئيسي للدراسة.
ويوضح الباحث في تصريحات للجزيرة نت، أن سقوط الحوت يمثل مصدرا ضخما للطاقة والغذاء، يمكن أن يدعم الحياة في أعماق البحر لسنوات طويلة. فالحوت الكبير يحمل في جسده كمية هائلة من الدهون والأنسجة والعظام، وعندما تتحلل هذه المواد ببطء، تصبح قاعدة لنظام بيئي كامل يعتمد على ما وفره الجسد الغارق.
وأظهرت الصور المأخوذة من الأعماق عالما مدهشا؛ إذ كانت بعض العظام مغطاة بكثافة من الديدان آكلة العظام من جنس "أوسيداكس" ، وهي ديدان متخصصة قادرة على استهلاك المواد العضوية داخل العظام نفسها.
وفي مواقع أخرى، انتشرت محاريات تعتمد على بكتيريا كيميائية التغذية، إلى جانب نجوم هشة وقواقع وكائنات أخرى تعيش على هذه الجزر العضوية الصغيرة وسط قاع شاسع وفقير.
وحدد الباحثون 35 نوعا من الكائنات الكبيرة نسبيا المرتبطة بهذه البقايا، ويعتقدون أن كثيرا منها قد يكون جديدا على العلم. وهذا يعني أن مقابر الحيتان لا تحفظ تاريخ الحيتان فقط، بل تكشف أيضا عن تنوع بيولوجي عميق لا يزال مجهولا بدرجة كبيرة.
يشير بنغ إلى أن الدراسة لم تكشف عن حياة الأعماق الحالية فقط، بل فتحت نافذة على الماضي أيضا؛ إذ حدد الفريق بقايا لحيتان منقارية لا تزال أنواعها تعيش اليوم، مثل حوت أندروز المنقاري والحوت ذي الأسنان الشريطية، إلى جانب أنواع منقرضة.
كما وصف الفريق نوعا أحفوريا جديدا أطلق عليه اسم "تيروسيتوس ديامانتينا"، نسبة إلى منطقة ديامانتينا التي عثر فيها على البقايا.
وباستخدام نظائر السترونتيوم في العظام، وهي طريقة تساعد على تقدير عمر الأحافير من خلال تغيرات كيميائية معروفة في مياه البحر عبر الزمن، قدر العلماء أعمار بعض البقايا.
وأظهرت النتائج أن أقدم هذه الأحافير يعود إلى نحو 5.3 ملايين سنة. وهذا يعني أن المنطقة لم تكن مجرد موقع عابر لسقوط حوت أو اثنين، بل أرشيفا طبيعيا طويل العمر يسجل وجود الحيتان المنقارية وتاريخها في أعماق المحيط عبر ملايين السنين.
ويعتقد الباحثون أن تكوين هذه المقبرة الضخمة يرتبط بعدة عوامل مجتمعة؛ فالحيتان المنقارية معروفة بقدرتها على الغوص العميق بحثا عن الحبار والأسماك، وربما كانت منطقة ديامانتينا، بتضاريسها الوعرة وأخاديدها العميقة، منطقة تغذية مهمة لها.
وعندما ينفق بعضها طبيعيا، أو نتيجة إجهاد الغوص أو عوامل أخرى، تسقط أجسادها إلى القاع. بعد ذلك، تساعد التضاريس على تركيز البقايا في مناطق معينة، بينما تسمح معدلات الترسيب المنخفضة جدا ببقاء العظام مكشوفة لفترات طويلة بدل أن تدفن سريعا تحت الرواسب.
يقول بنغ "كما أن عظام مقدمات جماجم الحيتان المنقارية شديدة الكثافة، ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود والتحجر مقارنة بأجزاء أخرى من الجسم. وبذلك تجتمع عوامل الحياة والموت والجغرافيا لتصنع مقبرة واسعة، لا تحفظ البقايا فحسب، بل تجعلها مرئية للغواصات بعد ملايين السنين".
ينبه المؤلفون إلى أن الغواصات غطت مساحة مسحية صغيرة نسبيا مقارنة باتساع منطقة ديامانتينا، ولذلك قد تكون الأرقام الفعلية لبقايا الحيتان أكبر أو مختلفة عما رصد حتى الآن.
كما أن تأريخ الأحافير بنظائر السترونتيوم لا ينجح دائما؛ إذ أظهرت بعض العينات تبادلا كيميائيا كاملا مع مياه البحر الحديثة، ما يمنع تقدير عمرها بدقة.
وحسب المؤلف الرئيسي للدراسة، فإن الفريق لم يتمكن من تعريف معظم الكائنات المصاحبة إلى مستوى النوع، ما يعني أن فهم التنوع الحيوي الكامل لهذه المجتمعات يحتاج إلى عمل تصنيفي وجيني إضافي.
أقر الفريق البحثي بعدم وجود تضارب مصالح مرتبط بالدراسة، وأشاروا إلى أن الدراسة مولت من البرنامج الوطني الصيني الرئيسي للبحث والتطوير، وبرنامج دعم العلوم الكبرى الدولية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، ومؤسسة العلوم الطبيعية الوطنية في الصين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة