يوم غدٍ الأربعاء، لن تكون رحلة أرتميس-2 مجرد مهمة فضائية عابرة، بل احتفالا حيا بتاريخ الإنسان في الطيران والاستكشاف، حيث ستحمل المركبة رموزا حية لمحطات التحول الكبرى: قطعة من أول طائرة ميكانيكية مأهولة للأخوين رايت، وعلم أبولو 18 الذي ظل لنحو 56 عاما شاهدا على حلم لم يتحقق، وعلم المكوك كولومبيا الذي رافق أول رحلة مكوك فضائي عام 1981.
وإليك تفاصيل هذهالرموز ومعانيها العميقة:
من أكثر القطع إثارة للمشاعر هي العلم الأمريكي الذي كان مخصصا لمهمة "أبولو 18" في عام 1970، وهي واحدة من 3 رحلات قمرية تقرر إلغاؤها في ذلك العام بسبب تقليص الميزانيات وتغير الأولويات السياسية عقب النجاحات الأولى لبرنامج أبولو.
ظل هذا العلم مخزنا لنحو 56 عاما كشاهد صامت على طموح بشري بُتر في منتصفه، ليعود اليوم محمولا في عهدة رواد "أرتميس-2" لرد الاعتبار لذلك الجيل من المهندسين والرواد، معلنا أن الحلم الذي توقف اضطرارا في السبعينيات قد استعاد أنفاسه أخيرا ليمضي نحو غايته الكبرى.
وبحمله على "أرتميس-2″، تعلن وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) رسميا أنها بصدد "إكمال المشوار"، وهذا العلم الذي لم يصل إلى القمر في السبعينيات، سيطوف حوله الآن في 2026، بعد عقود من التأخير الطويل.
ستحمل الرحلة أيضا العلم الأمريكي الذي طار على متن أول رحلة للمكوك الفضائي "كولومبيا إس تي إس-1" في أبريل/نيسان 1981، حيث كان مكوك الفضاء "كولومبيا" (STS-1) هو الشرارة الأولى التي دشنت عصر المكوكات الفضائية الخمسة (كولومبيا، تشالنجر، ديسكفري، أتلانتس، وإنديفور).
ففي 12 أبريل/نيسان عام 1981، انطلق "كولومبيا" كأول مركبة قابلة لإعادة الاستخدام في التاريخ، معلنا بداية مرحلة استمرت 30 عاما من العمل الدؤوب في مدار الأرض المنخفض، شملت بناء محطة الفضاء الدولية وإطلاق تلسكوب هابل.
وفي عام 2011 أُسدل الستار على هذا البرنامج الرائد ليعود العلم الذي رافق "كولومبيا" في رحلتها الأولى ليحلق اليوم على متن "أرتميس-2" كجسر يربط بين عصر المدار الأرضي وعصر العودة للقمة القمرية، كما يربط بين عصر المكوكات الذي انتهى في 2011، وبين العصر الجديد للذهاب نحو "الفضاء العميق".
فقد تم الاحتفاظ بأجزاء من نسيج أجنحة الطائرة التاريخية وتوزيعها كرموز ملهمة في مهام فضائية كبرى، لتمثل اليوم في رحلة "أرتميس" برهانا على القفزة البشرية الهائلة التي بدأت بمحرك بدائي وقماش بسيط، وانتهت بمركبة فضائية متطورة تطوف حول الأجرام السماوية، مذكرة إيانا بأن كل إنجاز عظيم بدأ بخطوة جريئة في مواجهة الجاذبية.
وفي أقل من 123 عاما، انتقل الإنسان من الطيران بضعة أمتار فوق رمال "كيتي هوك" بمحرك بدائي، إلى الطواف حول القمر بمحركات دفع صاروخية جبارة. وضع هذه القطعة في "أرتميس-2" يذكرنا بأن المستحيل ليس إلا مسألة وقت وإرادة.
ويمكننا تخيل "أرتميس-2" كخيط حريري يربط أطراف التاريخ ببعضها، حيث تبدأ الرحلة بقطعة من طائرة رايت لتمثل البداية الأرضية، وتمر بعلم أبولو 18 كرمز للحلم الأمريكي المبتور الذي استعاد حياته، وتتزين بعلم المكوك كشاهد على سنوات الخدمة في المدار، لتصل إلى محيط القمر وتلتقط صورة "لقاء" جديدة مع الأرض ترد بها على صورة "الوداع" التي التقطتها أبولو 17.
وكأن رسالة التي ترسلها ناسا تقول "إننا لا نذهب إلى القمر هذه المرة لمجرد الزيارة، بل نأخذ معنا كل أرشيفنا لنخبر القمر أننا لم ننسَه طوال الخمسين عاما الماضية، وأننا هذه المرة.. عدنا لنبقى".
إن أرتميس-2 إذن ليست مجرد رحلة، بل متحف أمريكي طائر يحكي قصة الإنسان: بداياته المتواضعة على الأرض، أحلامه المبتورة، إنجازاته المستمرة، ورؤيته الثابتة نحو الفضاء العميق، مؤكدة أن الحلم البشري لا يعرف التوقف، وأن العودة هذه المرة هي للبقاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة