في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أيام قليلة، في مؤتمر دافوس، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجوما قويا على توربينات الهواء، قائلا إنه كلما ازدادت أعداد توربينات الهواء في الدولة، فإن ذلك يعني فقدان الكثير من المال.
هجوم دونالد ترمب على توربينات الرياح ليس موقفا طارئا، بل خطاب قديم يعيده ويكرره بشكل يذكرنا بشخصية "دون كيشوت" في رواية الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، التي تحكي قصة نبيل ريفي يقرأ كتب الفروسية حتى يختلط عليه الخيال بالواقع، فيقرر أن يصير فارسا جوالا يصلح مظالم الدنيا.
في هذا السياق، يرافقه خادمه سانشو بانثا، وفي مغامراتهما يهاجم طواحين الهواء ظانا أنها عمالقة، فتغدو القصة سخرية مؤثرة عن الأوهام وأحلام البطولة.
إلا أن ترمب يعي بالضبط ما يفعل حينما يهاجم توربينات الهواء الدوارة، فهو يستدعي هذا الخطاب كلما أراد مهاجمة سياسات الطاقة الخضراء أو حشد أنصاره، فترمب وجمهوره ضد قضايا تغير المناخ، وبالتبعية ضد كل ما يمكن أن يحاول حلها.
من جانب آخر فإن الهجوم على تلك التوربينات يعد جزءا من هجومه على الصين، فترمب يربط توربينات الرياح بسلاسل التوريد الصينية، ويقول إن بكين تصنعها للتصدير وتستفيد ماليا، بينما لا تعتمد عليها كما يفعل الغرب.
وتنقل صحيفة الغارديان أن جزءا من عدائه للرياح تغذيه تجربة شخصية، حيث خاضت شركته نزاعا قانونيا طويلا ضد مزرعة رياح قرب منتجعه للغولف في أبردينشاير، وخسر وتحمّل تكاليف قانونية.
يبرر ترمب هجومه بعدة أسباب، منها أنها تقتل الطيور بأعداد هائلة، وتتسبب بإزعاج الحيتان نتيجة الضوضاء، وتسبب السرطان للسكان في الأماكن القريبة وتؤدي إلى انخفاض أسعار عقاراتهم.
بعيدا عن السياسة، يبقى السؤال قائما: هل حقا تتسبب توربينات الرياح في كل هذا؟
تقتل توربينات الرياح طيورا بالفعل عبر اصطدام بالشفرات أو الأبراج، لكن وصف ذلك بأنه "أعداد هائلة" يصبح مضللا إذا قُدِّم بلا أرقام.
وينص تقدير مُحكَّم واسع الاستشهاد، أجراه باحثون من مركز الطيور المهاجرة الأمريكي، إلى أن عدد وفيات الطيور من اصطدامات توربينات الرياح بنطاق يقارب 140–328 ألف طائر سنويا وهي أعداد ليست صغيرة، وقد تكون مُقلقة لأنواع معينة (خصوصا الجوارح) أو في ممرات الهجرة.
لكن عند المقارنة "لكل كمية كهرباء مُنتَجة" تظهر دراسات عدة أن الوفيات لكل غيغاواط-ساعة من الرياح أقل بكثير من الوقود الأحفوري، لأن الأحفوري يضيف مصادر قتل مباشرة وغير مباشرة على نطاق أوسع.
على سبيل المثال، قدرت دراسة منشورة في دورية رينيوابل إنرجي (Renewable Energy) أن الرياح تسهم بنحو 0.3–0.4 وفاة لكل غيغاواط/ساعة مقابل نحو 5 وفيات لكل غيغاواط/ساعة تقريبًا لمحطات الوقود الأحفوري.
لا توجد حتى الآن أدلة معتبرة تربط نفوق الحيتان أو جنوحها بوجود مزارع رياح بحرية كسبب مباشر، الضوضاء تحت الماء قد تُزعج الكائنات وتدفعها لتجنب مناطق مؤقتا، لكن ادعاء قتل الحيتان غير مدعوم بالبيانات المتاحة.
الإدارة الأمريكية الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي تقول صراحة إنها لا تتوقع وفيات أو إصابات خطيرة للحيتان من أنشطة الرياح البحرية كما تُدار حاليا، وأنها لم تمنح تراخيص قتل ثدييات بحرية لأن ذلك غير متوقع ضمن التقييمات.
على الجانب الآخر، فإن تقرير خدمة أبحاث الكونغرس يؤكد كذلك أنه لم يعثر على دليل يربط مسوحات أو تطوير توربينات الرياح البحرية بوفيات الحيتان الأخيرة.
في المقابل، فإن الأحداث غير المعتادة لنفوق الحيتان على ساحل الأطلسي تُظهر أدلة متكررة على أسباب بشرية معروفة مثل اصطدام السفن والتشابك في معدات الصيد، لا التوربينات.
لا يوجد دليل وبائي موثوق يثبت أن العيش قرب توربينات الرياح يسبب السرطان. هذا الادعاء يتكرر سياسيا، لكنه لا يصمد أمام مراجعات الأدلة.
وفي دراسة صدرت عام 2019 اختبرت علاقة كثافة التوربينات بمعدلات السرطان على مستوى المقاطعات، لم يظهر أي نمط يدعم زيادة السرطان، وكانت النتائج غير داعمة للادعاء.
وكانت مراجعات علمية واسعة عن الصحة وتوربينات الرياح قد خلصت إلى أن المشكلة الأكثر ثباتا هي الانزعاج عند بعض السكان بحسب مستوى الضوضاء المسموع والموقف النفسي والاجتماعي من المشروع، وليس السرطان.
التأثير على أسعار العقارات ليس صفرا دائما ولا كارثة دائما، فالنتائج تختلف حسب المسافة والتوقيت والسوق المحلي، وخصائص المشروع، لذا فإن التعميم بالقول "تؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات" على إطلاقه مبالغة.
وفي دراسة حديثة من مختبرات جامعة بيركلي، وجدت أنه في المتوسط، فمنازل ضمن ميل واحد قد تشهد انخفاضا يقارب 11% بعد إعلان المشروع مقارنةً بمنازل أبعد على مسافة 3–5 أميال.
في المقابل، ترى دراسات أخرى أن هذا الأثر قد يتلاشى بمرور الوقت، بمعنى أن سعر العقار قد ينخفض مع إعلان اقتراب إنشاء مشروع توربينات رياح، ثم يرتفع مرة أخرى.
لكن الخلاصة في هذا السياق أنه لا يوجد اتفاق حول دور التوربينات في خفض أسعار المنازل في المناطق المحيطة بها، ولا يزال الأمر بحاجة لمزيد من البحث العلمي.
القول إن الصين تصنع توربينات الرياح وتبيعها لكنها لا تستخدمها لا تدعمه البيانات، فالصين هي أكبر سوق للرياح عالميا من حيث الإضافات السنوية والسعة المركّبة.
وكالة الطاقة الدولية على سبيل المثال تذكر أن الصين قادت إضافات سعة الرياح في عام 2023 بإضافة نحو 76 غيغاواط، بينها قرابة 5 غيغاواط بحرية.
أما على مستوى السعة الإجمالية الأحدث، فتشير بيانات نقلتها وكالة رويترز عن الإدارة الوطنية للطاقة في الصين إلى أن سعة الرياح المركبة وصلت إلى نحو 520 غيغاواط، بحلول نهاية عام 2024 وبداية 2025، وهو رقم يعكس استخداما واسعا لا مجرد تصنيع للتصدير.
ومن ثم فالإجابة على ترمب هي "نعم، الصين تهيمن على سلاسل التوريد العالمية لتوربينات الرياح، لكنها في الوقت نفسه تركب وتشغل توربينات بكميات هي الأكبر عالميا"
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة