آخر الأخبار

صِناعةُ العَدُوِّ في الخِطابِ الأَيْديولوجيِّ وإِنْتاجُ الآخَرِ المُعادي.

شارك

12.92026


صِناعةُ العَدُوِّ في الخِطابِ الأَيْديولوجيِّ وإِنْتاجُ الآخَرِ المُعادي.

الباحثُ الدّكتورُ الشّيخُ رافعُ حلبي – داليةُ الكرمل

إنَّ الأيديولوجيا المغلقةَ لا تكتفي غالبًا بتقديمِ رؤيةٍ خاصَّةٍ للإنسانِ والمجتمعِ والعالمِ، بل تعملُ على بناءِ منظومةٍ متكاملةٍ مِنَ التَّصوُّراتِ الَّتي تحدِّدُ مَنْ ينتمي إليها، ومَنْ يقعُ خارجَ حدودِها، ومَنْ ينبغي الوثوقُ بهِ، ومَنْ ينبغي الحذرُ منهُ، ومن هنا تنشأُ إحدى أخطرِ آليَّاتِ التَّطرُّفِ الفكريِّ والاجتماعيِّ، وهيَ صناعةُ العدوِّ، إذْ تتحوَّلُ صورةُ الآخرِ مِنْ إنسانٍ مختلفٍ في الرُّؤيةِ أو العقيدةِ أو الموقفِ إلى كيانٍ يُقدَّمُ باعتبارِهِ مصدرًا دائمًا للخطرِ، ثمَّ تُبنى حولَهُ منظومةٌ مِنَ الخوفِ والشَّكِّ والرَّفضِ والكراهيةِ، ولا تكمنُ خطورةُ هذهِ الظَّاهرةِ في وجودِ خصومةٍ بينَ جماعاتٍ بشريَّةٍ فحسبُ، فالاختلافُ والتَّنافسُ والصِّراعُ ظواهرُ عرفتها المجتمعاتُ عبرَ تاريخِها، وإنَّما تكمنُ الخطورةُ في تحويلِ الخصومةِ إلى هُويَّةٍ، وتحويلِ الآخرِ إلى عدوٍّ دائمٍ، وتحويلِ العداءِ إلى جزءٍ مِنْ تعريفِ الجماعةِ لنفسِها، فعندما تحتاجُ الجماعةُ إلى وجودِ خصمٍ دائمٍ لكي تثبتَ تماسكَها، فإنَّها لا تعودُ تبحثُ عن الحقيقةِ وحدَها، بل تبدأُ في البحثِ عن صورةٍ مقابلةٍ لذاتها، تقولُ من خلالها: «نحنُ» لأنَّ هناكَ «هم».

هنا يتحوَّلُ الآخرُ مِنْ شخصٍ أو جماعةٍ لها خصائصُها المتنوِّعةُ إلى صورةٍ نمطيَّةٍ جامدةٍ، فلا يعودُ الفردُ يُرى بما هوَ عليهِ، وإنَّما بما نُسبَ إليهِ مِنْ صفاتٍ بحكمِ انتمائِهِ، وقد يكونُ هذا الانتماءُ دينيًّا أو مذهبيًّا أو قوميًّا أو سياسيًّا أو فكريًّا أو اجتماعيًّا، لكنَّ النَّتيجةَ واحدةٌ: إلغاءُ الفردِ لحسابِ الصُّورةِ الجماعيَّةِ، وهذهِ الآليَّةُ تمثِّلُ خللًا عميقًا في الوعيِ، لأنَّ الإنسانَ يصبحُ عندَئذٍ محكومًا بهُويَّتِهِ قبلَ أنْ يُحكَمَ عليهِ بفعلِهِ، فإذا انتمى شخصٌ إلى جماعةٍ ما، حُمِّلَ أحيانًا مسؤوليَّةَ ما يفعلهُ بعضُ أفرادِها، وإذا اختلفَ معَ جماعةٍ أخرى، نُسبتْ إليهِ صفاتُها السَّلبيَّةُ كلُّها، وهكذا تتحوَّلُ المسؤوليَّةُ الفرديَّةُ إلى مسؤوليَّةٍ جماعيَّةٍ متخيَّلةٍ، ويتحوَّلُ الإنسانُ مِنْ كائنٍ مستقلٍّ إلى مجرَّدِ ممثِّلٍ قسريٍّ لهُويَّةٍ لم يخترْ كلَّ تفاصيلِها، ومن أخطرِ ما تنتجُهُ هذهِ العمليَّةُ أنَّها تمنعُ الإنسانَ مِنْ رؤيةِ التَّنوُّعِ داخلَ الجماعةِ الأخرى، فالأيديولوجيا المغلقةُ تميلُ إلى النَّظرِ إلى «الآخرِ» باعتبارِهِ كتلةً واحدةً لا اختلافَ بينَ أفرادِها، وبذلكَ يصبحُ الملايينُ مِنَ البشرِ صورةً واحدةً في الوعيِ المؤدلجِ، وتختفي الفروقُ بينَ الإنسانِ المعتدلِ والمتطرِّفِ، وبينَ النَّاقدِ والمتحيِّزِ، وبينَ المسالمِ والعنيفِ.

إنَّ هذا التَّعميمَ ليسَ مجرَّدَ خطأٍ في التَّفكيرِ، بل قد يكونُ مقدِّمةً أخلاقيَّةً للعنفِ، لأنَّ الإنسانَ حينَ يتوقَّفُ عن رؤيةِ الآخرِ بوصفِهِ فردًا، يصبحُ أكثرَ استعدادًا للحكمِ عليهِ بوصفِهِ جزءًا مِنْ كتلةٍ معاديةٍ، وعندَئذٍ قد يُعاقَبُ الإنسانُ على ما لم يرتكبْهُ، ويُرفضُ بسببِ ما لم يخترْهُ، ويُدانُ لأنَّهُ ينتمي إلى فئةٍ لا لأنَّهُ ارتكبَ فعلًا يستوجبُ الإدانةَ، وفي هذا السِّياقِ تكتسبُ الآيةُ القرآنيَّةُ الَّتي تشيرُ إلى اختلافِ ألسّنةِ البشرِ وألوانِهم دلالةً فلسفيَّةً عميقةً، إذْ يقولُ سُبحانَهُ تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الرُّومِ: 22[.

فالاختلافُ في هذا التَّصوُّرِ ليسَ عيبًا في الخلقِ، ولا خللًا ينبغي إلغاؤهُ، وإنَّما هوَ جزءٌ مِنْ آياتِ الوجودِ، وهذا يفتحُ أمامَ الفكرِ الدِّينيِّ والاجتماعيِّ سؤالًا جوهريًّا: إذا كانَ التَّنوُّعُ مِنْ سننِ الوجودِ، فلماذا يحاولُ الإنسانُ أحيانًا أنْ يحوِّلَ الاختلافَ إلى عداوةٍ؟ إنَّ المشكلةَ إذنْ ليستْ في التَّنوُّعِ، بل في الوعيِ الَّذي يعجزُ عن استيعابِهِ، فالمجتمعُ الَّذي لا يستطيعُ أنْ يحتملَ الاختلافَ يحتاجُ باستمرارٍ إلى صناعةِ صورةٍ موحَّدةٍ للإنسانِ الصَّحيحِ، ثمَّ يبحثُ عمَّنْ لا يطابقُها ليضعَهُ في خانةِ الانحرافِ أو الخطرِ، وهنا تتحوَّلُ الهُويَّةُ مِنْ مصدرٍ للانتماءِ إلى أداةٍ للفرزِ والإقصاءِ، والأيديولوجيا المغلقةُ لا تخشى الاختلافَ لأنَّهُ اختلافٌ فحسبُ، بل لأنَّ الاختلافَ يكشفُ نسبيَّةَ التَّصوُّراتِ البشريَّةِ، فوجودُ الآخرِ المختلفِ يذكِّرُ الجماعةَ بأنَّ تفسيرَها ليسَ بالضَّرورةِ هوَ التَّفسيرَ الوحيدَ الممكنَ، وأنَّ تجربتَها ليستْ التَّجربةَ الإنسانيَّةَ الوحيدةَ، وأنَّ ما تراهُ يقينًا قد يكونُ في جانبٍ منهِ اجتهادًا بشريًّا قابلًا للمراجعةِ، ولهذا قد يصبحُ المفكِّرُ النَّاقدُ أكثرَ إزعاجًا للأيديولوجيا مِنَ الخصمِ الصَّريحِ، لأنَّ الخصمَ الواضحَ يمكنُ مواجهتُهُ، أمَّا السُّؤالُ فإنَّهُ يدخلُ إلى داخلِ البناءِ نفسِهِ، والسُّؤالُ لا يهدمُ الحقيقةَ، وإنَّما يهدمُ احتكارَ الحقيقةِ، ولذلكَ فإنَّ الجماعاتِ الَّتي تبني تماسكَها على اليقينِ المغلقِ قد تنظرُ إلى النَّقدِ بوصفِهِ تهديدًا، لا لأنَّ النَّقدَ باطلٌ، بل لأنَّهُ يفتحُ المجالَ أمامَ احتمالاتٍ لم تكنِ الجماعةُ مستعدَّةً لمناقشتِها، وهنا تبدأُ صناعةُ العدوِّ في الانتقالِ مِنَ المجالِ الخارجيِّ إلى المجالِ الدَّاخليِّ، فبعدَ أنْ يكونَ العدوُّ هوَ المختلفَ خارجَ الجماعةِ، يصبحُ العدوُّ المحتملُ هوَ المختلفُ داخلَها، وكلَّما ازدادتِ الأيديولوجيا انغلاقًا، أصبحتْ أكثرَ حساسيَّةً تجاهَ الاختلافِ الدَّاخليِّ، لأنَّها تريدُ من أتباعِها درجةً عاليةً مِنَ التَّطابقِ، وقد يكونُ أخطرُ أشكالِ العدوِّ هوَ العدوُّ الَّذي تصنعُهُ الجماعةُ داخلَ ذاتِها، لأنَّهُ يكشفُ أنَّ الخطرَ لم يعدْ خارجَ الحدودِ، بل أصبحَ أداةً لضبطِ السُّلُوكِ الدَّاخليِّ، وهنا يمكنُ أنْ تتحوَّلَ الاتِّهاماتُ إلى وسيلةٍ لإخضاعِ الأفرادِ، ويصبحُ الخوفُ مِنَ النَّبذِ الاجتماعيِّ أقوى مِنَ الخوفِ مِنَ الخطأِ الفكريِّ نفسِهِ.

إنَّ هذهِ العمليَّةَ تُنتجُ ما يمكنُ تسميتُهُ «الطَّاعةَ النَّفسيَّةَ»، أيْ أنْ يصبحَ الفردُ مستعدًّا للتَّخلِّي عن جزءٍ مِنْ استقلالِهِ الفكريِّ خشيةَ أنْ يُصنَّفَ خارجَ الجماعةِ، وفي هذهِ المرحلةِ لا تحتاجُ السُّلطةُ الأيديولوجيَّةُ إلى استعمالِ القوَّةِ بصورةٍ مباشرةٍ، لأنَّ الفردَ يبدأُ بمراقبةِ نفسِهِ بنفسِهِ، ويقيسُ كلماتِهِ وأفكارَهُ ومواقفَهُ بما تسمحُ بهِ الجماعةُ، ومن هنا يتَّضحُ أنَّ صناعةَ العدوِّ تؤدِّي وظيفةً اجتماعيَّةً مزدوجةً: فهيَ من جهةٍ توجِّهُ الغضبَ إلى الخارِجِ، ومن جهةٍ أخرى تضبطُ السُّلُوكَ في الدَّاخلِ، وبذلكَ تصبحُ صورةُ العدوِّ وسيلةً لتماسكِ الجماعةِ، وأداةً للمُحافَظةِ على سلطتِها الرَّمزيَّةِ، لكنَّ التَّماسكَ الَّذي يقومُ على الخوفِ مِنَ الآخرِ يظلُّ تماسكًا هشًّا، لأنَّهُ يحتاجُ باستمرارٍ إلى تجديدِ الخطرِ، فإذا انتهى عدوٌّ، وجَبَ العثورُ على عدوٍّ جديدٍ، وإذا تراجعَ خطرٌ، أُعيدَ تضخيمُ خطرٍ آخرَ، وهكذا تتحوَّلُ الجماعةُ إلى مجتمعٍ يعيشُ في حالةِ استنفارٍ دائمٍ، ويصبحُ الخوفُ جزءًا مِنْ بنيتِهِ النَّفسيَّةِ، وهنا لا يعودُ «العدوُّ» مجرَّدَ شخصٍ أو جماعةٍ، بل يصبحُ وظيفةً أيديولوجيَّةً، إنَّهُ ضرورةٌ لبقاء الخطابِ في حالةِ تعبئةٍ مستمرَّةٍ، لأنَّ الجماعةَ الَّتي تقولُ لأتباعِها إنَّ الخطرَ دائمٌ تستطيعُ أنْ تطلبَ منهم طاعةً دائمةً، وتستطيعُ أنْ تبرِّرَ لهم كثيرًا مِنَ القيودِ باعتبارِها ضروراتٍ لحمايةِ الجماعةِ، وهنا تتقاطعُ صناعةُ العدوِّ معَ السُّلطةِ، إذْ إنَّ الخوفَ مِنَ الآخرِ يمكنُ أنْ يتحوَّلَ إلى وسيلةٍ لتوسيعِ السُّلطةِ الدَّاخليَّةِ، وكلَّما ازدادَ الشُّعورُ بالخطرِ، أصبحَ الإنسانُ أكثرَ استعدادًا لقبولِ التَّضييقِ على حُرِّيَّتِهِ، وأقلَّ استعدادًا لمساءلةِ مَنْ يقدِّمُ نفسَهُ بوصفِهِ حاميًا للجماعةِ، وهذا يفسِّرُ لماذا تكونُ صناعةُ العدوِّ خطيرةً حتَّى عندما لا تؤدِّي مباشرةً إلى العنفِ، لأنَّها قد تؤسِّسُ لبيئةٍ اجتماعيَّةٍ يصبحُ فيها الاختلافُ خطرًا، والسُّؤالُ تهديدًا، والنَّقدُ خيانةً، والحوارُ ضعفًا. وعندما تتكرَّسُ هذهِ البيئةُ، يصبحُ العنفُ نتيجةً محتملةً لمسارٍ فكريٍّ طويلٍ، لا حادثةً منفصلةً عن سياقِها.

إنَّ مقاومةَ هذهِ البنيةِ تبدأُ بإعادةِ تعريفِ الآخرِ، فالآخرُ ليسَ بالضَّرورةِ خصمًا، والخصمُ ليسَ بالضَّرورةِ عدوًّا، والعدوُّ ليسَ بالضَّرورةِ فاقدًا لإنسانيَّتِهِ، وهذهِ التَّمييزاتُ ضروريَّةٌ للمحافظةِ على العقلِ الأخلاقيِّ للمجتمعِ، لأنَّ إزالةَ الفروقِ بينها تجعلُ الطَّريقَ مِنَ الاختلافِ إلى العنفِ أقصرَ بكثيرٍ، والقرآنُ الكريمُ يقدِّمُ في هذا السِّياقِ قاعدةً مهمَّةً في العلاقةِ معَ المختلفِ الَّذي لا يمارسُ العدوانَ، فيقولُ سُبحانَهُ تَعالى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنةِ: 8[.

تَكْمنُ أهميَّةُ هذهِ الآيةِ في أنَّها تفصلُ بينَ الاختلافِ وبينَ العدوانِ، فليسَ كلُّ مَنْ يختلفُ معَ الإنسانِ في الدِّينِ أو الهُويَّةِ أو الانتماءِ يصبحُ عدوًّا، إنَّ معيارَ العلاقةِ هنا يرتبطُ بالسُّلوكِ العدوانيِّ، لا بمجرَّدِ الاختلافِ، وهذهِ قاعدةٌ شديدةُ الأهميَّةِ في تفكيكِ الخطابِ الأيديولوجيِّ الَّذي يحوِّلُ الاختلافَ في ذاتهِ إلى حالةِ حربٍ دائمةٍ، إنَّ «الآخرَ» في المَنظورِ الإنسانيِّ ليسَ كتلةً واحدةً، كما أنَّ المُجتمعاتِ ليستْ أجسادًا متجانسةً لا اختلافَ داخلَها، وفي كلِّ جماعةٍ بشريةٍ تنوُّعٌ في المواقفِ والقِيَمِ ودرجاتِ الوعيِ، ولذلكَ فإنَّ تحميلَ جماعةٍ بأكملِها مسؤوليَّةَ فعلِ بعضِ أفرادِها ليسَ فقطَ ظلمًا للأفرادِ، بل هوَ كذلكَ خطأٌ معرفيٌّ يُفسدُ فهمَ الواقعِ ويغذِّي الصِّراعَ، ومن هنا فإنَّ بناءَ السَّلامِ الاجتماعيِّ لا يبدأُ فقطَ بإيقافِ العُنفِ، بل يبدأُ بإيقافِ إنتاجِ الصُّورةِ الَّتي تجعلُ العنفَ مفهومًا أو مبرَّرًا، فلا يمكنُ بناءُ مجتمعٍ متماسكٍ إذا ظلَّتِ الجماعاتُ تعيشُ على رواياتٍ متبادلةٍ عن الخطرِ والخيانةِ والمؤامرةِ، إنَّ المصالحةَ الحقيقيَّةَ تحتاجُ إلى مراجعةِ الصُّورِ الذِّهنيَّةِ الَّتي يحملُها كلُّ طرفٍ عن الآخرِ.

هنا تبرزُ قيمةُ الحوارِ لا بوصفِهِ مجرَّدَ وسيلةٍ دبلوماسيَّةٍ، بل باعتبارِهِ آليَّةً لإعادةِ إنسنةِ الآخرِ، فعندما يسمعُ الإنسانُ الآخرَ ويتعرَّفُ إلى تجربتِهِ، يتراجعُ أحيانًا ذلكَ الحاجزُ النَّفسيُّ الَّذي تصنعُهُ الصُّورةُ الأيديولوجيَّةُ، إنَّ الحوارَ لا يعني بالضَّرورةِ الاتِّفاقَ، وإنَّما يعني الاعترافَ بأنَّ الاختلافَ لا يُسقطُ حقَّ الآخرِ في الوجودِ والكرامةِ والتَّعبيرِ،
ومن هذا المنظورِ يصبحُ الخطابُ الدِّينيُّ مسؤولًا عن مقاومةِ صناعةِ العدوِّ، لا عن إعادةِ إنتاجِها، فالدِّينُ الَّذي يُرادُ لهُ أنْ يكونَ قوَّةً أخلاقيَّةً في المجتمعِ لا يستطيعُ أنْ يكتفي بإدانةِ العنفِ بعدَ وقوعِهِ، بل ينبغي أنْ يفكِّكُ المنظومةَ الَّتي تسبقُ العنفَ: لغةَ التَّصنيفِ، والتَّعميمِ، والتَّحقيرِ، والتَّخويفِ، والتَّشيطنِ، ونزعِ الشَّرعيَّةِ الإنسانيَّةِ عن الآخرِ، ويؤكِّدُ القرآنُ هذا الاتِّجاهَ في توجيهِهِ إلى مواجهةِ الإساءةِ بمنهجٍ أخلاقيٍّ يفتحُ بابَ التَّحوُّلِ بدلَ تثبيتِ العداوةِ، فيقولُ تعالى:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: 34[.

وهذهِ الآيةُ تنقلُ العلاقةَ مِنْ منطقِ التَّماثلِ في العداءِ إلى إمكانِ تحويلِ العلاقةِ نفسِها. فالعداوةُ ليستْ قدرًا أبديًّا، ولا ينبغي أنْ تتحوَّلَ إلى هُويَّةٍ ثابتةٍ بينَ البشرِ. وإذا كانَ الخطابُ المتطرِّفُ يبني العداوةَ على أساسِ التَّراكمِ والتَّكرارِ، فإنَّ الخطابَ الأخلاقيَّ يستطيعُ أنْ يقطعَ هذا المسارَ بإنتاجِ سلوكٍ مختلفٍ يعيدُ فتحَ إمكانِ التَّواصلِ، ومن هنا فإنَّ الدِّينَ الَّذي يواجهُ العداوةَ بالأخلاقِ لا ينكرُ وجودَ الصِّراعِ، ولا يطلبُ منَ الإنسانِ أنْ يتخلَّى عن حقوقِهِ، وإنَّما يمنعُ الخصومةَ مِنْ أنْ تتحوَّلَ إلى حالةٍ تلغي كلَّ معيارٍ أخلاقيٍّ، وهذهِ نقطةٌ أساسيَّةٌ في بناءِ خطابٍ دينيٍّ عقلانيٍّ، لأنَّ المطلوبَ ليسَ إزالةَ الاختلافِ، وإنَّما إزالةُ قابليَّةِ الاختلافِ للتحوُّلِ إلى كراهيةٍ وعنفٍ، وفي هذا السِّياقِ أيضًا، لا بدَّ للخطابِ الدِّينيِّ مِنْ أنْ يربطَ الحكمَ على الأخبارِ والمواقفِ بالتحقُّقِ والمعرفةِ، لا بالإشاعةِ والانفعالِ، يقولُ سُبْحانَهُ تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحُجُراتِ: 6[.

إنَّ هذهِ القاعدةَ القرآنيَّةَ تكتسبُ أهميَّةً مضاعفةً في عصرِ الاتِّصالِ السَّريعِ وانتشارِ المعلوماتِ، لأنَّ صورةَ العدوِّ قد تُصنعُ أحيانًا بخبرٍ غيرِ متحقَّقٍ منهُ، أو روايةٍ مبتورةٍ، أو حادثةٍ فرديَّةٍ تُعمَّمُ على جماعةٍ بأكملِها، ومن ثمَّ فإنَّ التَّحقُّقَ ليسَ إجراءً معرفيًّا فقطَ، بل هوَ فعلٌ أخلاقيٌّ، لأنَّ الخبرَ الكاذبَ قد يظلمُ إنسانًا، وقد يشوِّهُ جماعةً، وقد يشعلُ خصومةً، وقد يمهِّدُ لعنفٍ لا يمكنُ التَّراجعُ عن آثارِهِ بسهولةٍ، وبذلكَ يتَّضحُ أنَّ صناعةَ العدوِّ تقومُ على ثلاثِ عمليَّاتٍ مترابطةٍ: اختزالُ الآخرِ، وتعميمُ الصُّورةِ، ثمَّ تحويلُ الخوفِ إلى حكمٍ أخلاقيٍّ عليهِ، فإذا قيلَ إنَّ جماعةً بأكملِها خطرٌ، أصبحَ أفرادُها موضعَ شبهةٍ، وإذا أصبحتِ الشُّبهةُ حكمًا، أصبحَ الإقصاءُ مقبولًا، وإذا أصبحَ الإقصاءُ مقبولًا، أمكنَ أنْ يجدَ العنفُ طريقَهُ إلى الوعيِ قبلَ أنْ يجدَ طريقَهُ إلى الواقعِ، ولهذا فإنَّ مواجهةَ التَّطرُّفِ لا ينبغي أنْ تبدأَ منَ النِّهايةِ، أيْ منَ لحظةِ العنفِ، بل مِنَ البدايةِ، أيْ مِنَ اللُّغةِ الَّتي تصنعُ الآخرَ، فحينَ تتغيَّرُ اللُّغةُ تتغيَّرُ الصُّورةُ، وحينَ تتغيَّرُ الصُّورةُ تتغيَّرُ العلاقةُ، وحينَ تتغيَّرُ العلاقةُ يصبحُ التَّعايشُ ممكنًا، إنَّ الإنسانَ الَّذي يتعلَّمُ أنْ يختلفَ دونَ أنْ يكرهَ، وأنْ ينتقدَ دونَ أنْ يُهينَ، وأنْ يرفضَ فكرةً دونَ أنْ يُلغي صاحبَها، وأنْ يحمي حقَّهُ دونَ أنْ يسلبَ حقَّ غيرِهِ، يكونُ قد تجاوزَ أحدَ أهمِّ الشُّروطِ النَّفسيَّةِ الَّتي تنتجُ التَّطرُّفَ، ومن هنا فإنَّ صناعةَ العدوِّ ليستْ أوَّلَ مظاهرِ التَّطرُّفِ فحسبُ، بل هيَ إحدى الآليَّاتِ الَّتي تمنحهُ القدرةَ على الاستمرارِ، لأنَّ الجماعةَ الَّتي ترى العالمَ منقسمًا إلى «نحنُ» و- «هم»، تفقدُ تدريجيًّا قدرتَها على التَّعرُّفِ إلى المشتركِ الإنسانيِّ، بينما الجماعةُ الَّتي تستطيعُ أنْ ترى اختلافَ البشرِ دونَ أنْ تجعلَهُ ذريعةً للعداءِ تكونُ أكثرَ قدرةً على بناءِ مجتمعٍ متوازنٍ، وهكذا فإنَّ الدِّينَ حينَ يُفهمُ بوصفِهِ رسالةً أخلاقيَّةً لا يحتاجُ إلى صناعةِ عدوٍّ لكي يثبتَ ذاتَهُ، لأنَّ قوَّتَهُ لا تأتي مِنْ حجمِ الخوفِ الَّذي يصنعُهُ، وإنَّما مِنْ مقدارِ العدلِ والرَّحمةِ والعقلِ والإنسانيَّةِ الَّتي يزرعُها في الإنسانِ، أمَّا حينَ يتحوَّلُ الدِّينُ إلى أيديولوجيا مغلقةٍ، فإنَّ الآخرَ قد يصبحُ ضرورةً لبقاءِ الجماعةِ في حالةِ تعبئةٍ، ويصبحُ الخوفُ منهُ وسيلةً لحمايةِ الهُويَّةِ والسُّلطةِ معًا، وعليهِ، فإنَّ إعادةَ بناءِ الخطابِ الدِّينيِّ تقتضي الانتقالَ مِنْ منطقِ «صناعةِ العدوِّ»، إلى منطقِ «فهمِ الآخرِ»، ومِنْ تصنيفِ الإنسانِ إلى التَّعرُّفِ إليهِ، ومِنْ الحكمِ على الهُويَّةِ إلى الحكمِ على الفعلِ، ومِنْ التَّعميمِ إلى المسؤوليَّةِ الفرديَّةِ، ومِنْ الخوفِ إلى المعرفةِ، ومِنَ الكراهيةِ إلى إمكانِ الحوارِ.

وفي هذا تكمنُ إحدى أهمِّ الوظائفِ الاجتماعيَّةِ للدِّينِ: أنْ يمنعَ الاختلافَ مِنْ أنْ يتحوَّلَ إلى عداوةٍ، وأنْ يمنعَ العداوةَ مِنْ أنْ تتحوَّلَ إلى إلغاءٍ، وأنْ يمنعَ الإلغاءَ مِنْ أنْ يتحوَّلَ إلى عنفٍ، فحينَ يحافظُ الخطابُ الدِّينيُّ على إنسانيَّةِ المختلفِ، فإنَّهُ لا يحمي الآخرَ وحدَهُ، بل يحمي المجتمعَ كلَّهُ مِنْ الانزلاقِ إلى دائرةٍ لا يعرفُ فيها الإنسانُ أينَ ينتهي الخلافُ وأينَ يبدأُ العنفُ.

إنَّ أخطرَ ما يمكنُ أنْ تفعلهُ الأيديولوجيا بالإنسانِ ليسَ أنْ تقنعَهُ بأنَّهُ على حقٍّ، بل أنْ تقنعَهُ بأنَّ الآخرَ لا حقَّ لهُ في أنْ يكونَ مختلفًا، وعندما تصلُ الفكرةُ إلى هذهِ المرحلةِ، تكونُ قد تجاوزتْ حدودَ الفكرِ إلى بناءِ بنيةٍ اجتماعيَّةٍ قابلةٍ لإنتاجِ الإقصاءِ والكراهيةِ والعنفِ، ومن هنا فإنَّ تحريرَ الدِّينِ مِنْ الأيديولوجيا لا يكونُ بإقصائِهِ عن حياةِ المجتمعِ، بل بإعادتهِ إلى وظيفتِهِ الأخلاقيَّةِ: بناءُ الإنسانِ الَّذي يستطيعُ أنْ يختلفَ دونَ أنْ يتحوَّلَ إلى عدوٍّ، وأنْ يؤمنَ دونَ أنْ يحتكرَ الحقيقةَ، وأنْ يدافعَ عن قناعتِهِ دونَ أنْ يسلبَ الآخرينَ إنسانيَّتَهم.


كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا