آخر الأخبار

الحصة الأولى - اللقاء الأول... حين تبدأ الحكاية قبل أن يبدأ الدرس

شارك

تخيّل أن يكون اليوم الأول من العام الدراسي أكثر من مجرد بداية لدرس جديد؛ أن يكون بداية لعلاقة، وبناءً للثقة، وفتحًا لباب الأمل. فالحصة الأولى ليست مجرد وقت لتوزيع الكتب أو شرح القوانين والتعليمات، بل هي لحظة تربوية استثنائية يترك فيها المعلم بصمته الأولى، وقد تمتد آثارها طوال العام، وربما أبعد من ذلك.

عندما يدخل المعلم إلى الصف، فإنه لا يحمل معه خطة دراسية فحسب، بل يحمل رسالة إنسانية أعمق تقول لكل طالب: " أنا أراك، أؤمن بقدراتك، وأريد أن أساعدك على النمو والنجاح".

في تلك اللحظة، لا يستمع الطلاب إلى الكلمات فقط، بل يقرأون مشاعر المعلم في نظراته، ونبرة صوته، وطريقة استقباله لهم، ومدى اهتمامه بهم. فالبداية الحقيقية لا تُبنى بما نقوله فقط، وإنما بما نجعل الطلاب يشعرون به.

الحصة الأولى ليست مجرد درس؛ إنها وعد بأن المدرسة ستكون مكانًا آمنًا ومحترمًا، وأن الخطأ ليس عدوًا للتعلم، بل فرصة لاكتشاف الذات والتقدم. ومن هنا تبدأ الثقة، وهي ليست ترفًا تربويًا، بل شرطًا أساسيًا للتعلم.

فالطالب الذي يشعر بالأمان يجرؤ على رفع يده، ويشارك دون خوف، ويسأل عندما لا يفهم، ويحاول مرة أخرى عندما يخطئ. أما المعلم الذي يزرع الثقة في نفوس طلابه، فإنه لا ينقل إليهم المعرفة فحسب، بل يمنحهم الشجاعة لخوض تجربة التعلم.

ومع ذلك، علينا أن نتذكر أن كل طالب يدخل الصف حاملاً قصة مختلفة. هناك من يدخل وهو يشعر بالقلق، ومن يحمل آثار تجربة سابقة لم تكن ناجحة، ومن ينتظر فقط فرصة حقيقية ليُظهر قدراته. لذلك، فإن الحصة الأولى ليست وقتًا للتدريس فقط، بل فرصة للتعرّف إلى الطلاب، والاستماع إلى أصواتهم، وفهم احتياجاتهم، واكتشاف ما يثير شغفهم وما يقلقهم.

وهنا تظهر أهمية دور المدرسة بأكملها. فالمعلم ليس وحده في صناعة هذه البداية. المدير الذي يهيئ بيئة مدرسية تقوم على الاحترام والعلاقات الإنسانية، والأهل الذين ينظرون إلى المعلم بوصفه شريكًا في رحلة أبنائهم التعليمية، والزملاء الذين يساهمون في خلق مناخ إيجابي؛ جميعهم شركاء في بناء بداية ناجحة.

قد ينسى الطالب بعد أشهر الكلمات التي قيلت في الحصة الأولى، وقد لا يتذكر تفاصيل النشاط الذي شارك فيه، لكنه غالبًا لن ينسى الشعور الذي رافقه في تلك اللحظة.

هل شعر بأنه مهم؟

هل شعر بالأمان؟

هل شعر بأن صوته مسموع؟

هل شعر بأن هذا الصف مكان يستطيع أن يكون فيه نفسه؟

تلك هي الأسئلة التي تستحق أن نفكر فيها قبل أن نبدأ الحصة الأولى.

قد تستمر الحصة الأولى خمسين دقيقة أو ساعة، لكن أثرها قد يمتد طوال العام الدراسي. وربما تكون تلك الدقائق الأولى هي التي تحدد شكل العلاقة بين المعلم وطلابه، وبين الطالب والتعلم، وبين المدرسة وذاته.

لذلك، فلنجعل الحصة الأولى أكثر من بداية أكاديمية. لنجعلها بداية لعلاقة تقوم على الثقة، ولحظة تُشعل الفضول، ومساحة تمنح الأمل، ورسالة واضحة لكل طالب: أنت مهم، صوتك مسموع، وقدراتك تستحق أن تُكتشف.

فالحصة الأولى ليست بداية العام الدراسي فحسب؛

إنها بداية الحكاية. فلنحرص أن تكون حكاية نجاح لا تُنسى

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا