القائمة الموحدة بين خيار الانضمام وخطر الاندثار: ماذا يحدث بين منصور عباس وسيغالوفيتش؟
بقلم : خالد خليفة
لم يكن رفض القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس الانضمام إلى القائمة المشتركة، رغم توصيات لجنة الوفاق، مجرد قرار انتخابي عابر، بل كشف عن مسار سياسي مختلف اختار عباس أن يسلكه، حتى لو كان هذا المسار يضعه في مواجهة مباشرة مع جزء من المزاج العام داخل المجتمع العربي. فبدلا من أن تكون الأولوية لتوحيد القوة الانتخابية العربية في إطار واحد، اختار عباس الحفاظ على مشروعه السياسي المستقل، القائم على الدخول في لعبة الائتلافات الإسرائيلية ومحاولة التأثير من داخل المؤسسة الحاكمة، حتى لو تطلب من ذلك لتقديم تنازلات سياسية وفكرية كبيرة.
فالسؤال اليوم لم يعد فقط لماذا رفض عباس الانضمام إلى القائمة المشتركة، وإنما إلى أين يقود هذا الخيار القائمة الموحدة؟ وهل يستطيع الحزب أن يحافظ على تماسكه الداخلي في ظل التحولات التي يقودها رئيسه، ولا سيما مع الحديث عن ضم يوآف سيغالوفيتش، السياسي القادم من حزب «يش عتيد» والخلفية الأمنية والسياسية الإسرائيلية، إلى صفوف القائمة؟
فمنذ دخوله إلى حكومة نفتالي بينيت في الدورة الماضية، حاول منصور عباس أن يؤسس لنموذج جديد في السياسة العربية داخل إسرائيل. الفكرة الأساسية كانت أن الأحزاب العربية لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة التأثير، وأن بإمكانها استخدام قوتها البرلمانية للحصول على ميزانيات وقرارات وخدمات للمجتمع العربي، حتى لو كان ذلك عبر التعاون مع حكومات صهيونية إسرائيلية متطرفة لا تتبنى بالضرورة الموقف السياسي العربي أو الفلسطيني.
وقد حقق هذا النهج لعباس حضورًا سياسيًا غير مسبوق في الساحة السياسية الاسرائيلية، لكنه في الوقت نفسه فتح نقاشًا عميقًا حول حدود البراغماتية السياسية. فهناك فرق بين أن تكون براغماتيًا في تحقيق مصالح المجتمع الذي تمثله، وبين أن تتحول البراغماتية إلى إعادة تعريف للهوية السياسية نفسها.
وهنا تكمن واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية بين عباس وزملائه في القائمة الموحدة. فجزء من القيادات والكوادر العربية قد يقبل فكرة التعاون مع الحكومة الإسرائيلية من أجل تحقيق إنجازات مدنية، لكنه لا يريد أن يتحول هذا التعاون إلى قطيعة مع الرواية الفلسطينية أو إلى تخلٍّ عن القضايا التاريخية التي تشكل جزءًا أساسيًا من وعي المجتمع العربي في البلاد.
ولعل المثال الأوضح على ذلك هو موقف منصور عباس من قضية النكبة والتهجير والرواية الفلسطينية. فقد أثارت مواقفه السابقة بشأن هذه القضايا جدلًا واسعًا، خصوصًا عندما بدا أنه يتجنب تبني السردية الفلسطينية التقليدية أو وضع القضية الوطنية في مركز خطابه السياسي. وبالنسبة إلى منتقديه، فإن المشكلة ليست في اختيار لغة سياسية أكثر واقعية، وإنما في أن هذا المسار قد يصل في نهايته إلى إعادة تعريف علاقة المواطن العربي بتاريخه وهويته.
وفي المقابل، حاول عدد من زملائه الدفاع عنه، مؤكدين أن ما يقوم به عباس هو محاولة للفصل بين الموقف الأيديولوجي وبين العمل السياسي اليومي، وأن الحفاظ على الهوية لا يعني بالضرورة رفض التعاون مع الدولة ومؤسساتها. لكن هذا الدفاع نفسه يكشف عمق الأزمة؛ لأن القائمة الموحدة أصبحت مطالبة باستمرار بتفسير الفرق بين ما هو سياسي تكتيكي وما هو موقف فكري واستراتيجي.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: كيف يمكن الجمع بين مشروع منصور عباس السياسي وبين مشروع سياسي لشخصية مثل سيغالوفيتش دون أن يتحول الحزب إلى إطار هجين تتعايش داخله رؤى متناقضة؟
قد يقول عباس إن استقدام سيغالوفيتش هو محاولة لتطوير أدوات جديدة لمواجهة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، أو لجلب خبرات سياسية وأمنية قادرة على التأثير في مؤسسات الدولة. وقد يرى أن وجود شخصية يهودية ذات خبرة في العمل الحكومي والأمني يمكن أن يمنح القائمة قدرة إضافية على التحرك داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
لكن المشكلة أن السياسة ليست مجرد جمع شخصيات ذات خبرات مختلفة. الأحزاب تحتاج أيضًا إلى أرضية فكرية مشتركة، وإلى إجابات واضحة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمواطنة والقضية الفلسطينية والعلاقة مع الدولة.
سيغالوفيتش، حتى لو دخل القائمة تحت عنوان محاربة الجريمة أو تعزيز الأمن الشخصي للمواطنين العرب، سيحمل معه مواقفه وتاريخه السياسي. ومن الصعب تصور أنه سيتحول ببساطة إلى نائب ينفذ رؤية منصور عباس أو يلتزم بالضرورة بكل مواقف القائمة الموحدة. وعلى الأرجح سيحتاج الطرفان إلى تفاهمات واضحة تمنح سيغالوفيتش هامشًا من الاستقلالية، وهو ما قد يزيد من تعقيد العلاقة داخل القائمة.
وهنا قد تبدأ الخلافات الحقيقية بين عباس وزملائه. فالمشكلة ليست فقط في دخول شخصية جديدة، وإنما في السؤال عن طبيعة الحزب الذي سيولد بعد هذا الدخول. هل تبقى القائمة الموحدة حزبًا عربيًا ذا مرجعية إسلامية واجتماعية واضحة، أم تتحول تدريجيًا إلى إطار سياسي براغماتي مفتوح على شخصيات وأفكار من خارج المجتمع العربي؟
فإذا حدث التحول الثاني، فإن الخطر لا يتمثل بالضرورة في انهيار القائمة في الانتخابات المقبلة. قد تحقق القائمة نتائج جيدة، وقد ينجح عباس في الحصول على أربعة مقاعد أو أكثر، وقد يثبت مرة أخرى أن نموذجه السياسي قادر على جذب أصوات من قطاعات مختلفة. لكن النجاح الانتخابي في دورة واحدة لا يعني بالضرورة وجود مستقبل سياسي طويل الأمد.
فالخطر الأكبر سوف يظهر في الدورة التي تليها. فإذا شعر جزء من الناخبين العرب أن القائمة الموحدة ابتعدت تدريجيًا عن القضايا التي يعتبرونها أساسية، وإذا تزايدت الخلافات بين قيادتها حول الهوية والمواقف الوطنية، وإذا أصبحت شخصية مثل سيغالوفيتش عنوانًا دائمًا للجدل داخل الحزب، فقد يبدأ التآكل من الداخل قبل أن يظهر في صناديق الاقتراع.
وهذا هو التحدي الذي يواجه منصور عباس اليوم. فقد نجح في نقل القائمة الموحدة من موقع الحزب العربي التقليدي إلى موقع سياسي مختلف، لكنه قد لا يحسم بعد والسؤال الأهم: ما الحدود التي يمكن أن تصل إليها البراغماتية من دون أن تفقد الحركة هويتها؟
قد يستطيع عباس إدارة هذه التناقضات في المدى القصير، مستفيدًا من قوته الشخصية ومن سيطرته على القرار داخل القائمة. لكن الأحزاب لا تعيش على قوة شخص واحد إلى الأبد. وعندما تتراكم الاختلافات بين القيادة والكوادر، وبين الخطاب السياسي والقاعدة الشعبية، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام أزمة لا يستطيع حلها بالترتيبات التنظيمية وحدها.
فالقضية إذن ليست في سيغالوفيتش كشخص، ولا في رفض القائمة الموحدة للقائمة المشتركة بحد ذاته. القضية أعمق من ذلك: إنها تتعلق بالاتجاه الذي تسير فيه القائمة الموحدة، وبالهوية التي تريد أن تقدمها للناخب العربي. فمنصور عباس اختار طريقًا مختلفًا، وربما ينجح هذا الطريق في تحقيق مكاسب سياسية على المدى القصير. لكن كل خطوة إضافية في هذا الاتجاه تفرض عليه وعلى زملائه الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة وهو: ماذا سوف يتبقى من القائمة الموحدة إذا تخلت تدريجيًا عن بعض الثوابت التي قامت عليها؟
وقد لا يكون الاندثار قريبًا، ويمكن ان تحقق القائمة نتيجة انتخابية محدودة في هذه الدورة، ولكن استمرار التناقضات الفكرية والسياسية من دون تسوية واضحة قد يجعل الخطر الحقيقي مؤجلًا إلى الدورة التي تليها. عندها لن يكون السؤال كم مقعدًا حصلت عليه القائمة، بل ما إذا كانت لا تزال تمثل مشروعًا سياسيًا عربيًا واضح المعالم، أم أنها تحولت إلى تحالف انتخابي يجمع شخصيات ومصالح مختلفة تحت سقف واحد. وهنا تحديدًا تكمن نهاية الطريق المحتملة: ليس في خسارة الانتخابات، وإنما في فقدان الهوية.
المصدر:
كل العرب