تثير الأحداث التي شهدتها قرية قصرة خلال الأيام الأخيرة نقاشًا واسعًا حول واقع الضفة الغربية ومستقبل العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، والجدل حول دور قوات الأمن والسياسات الحكومية تجاه الاستيطان.
وفي حديث لموقع بكرا مع د. ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، قال إن ما يجري في قصرة لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا، وإنما هو جزء من تطورات أوسع مرتبطة بما وصفه بـ"الثورة" في الضفة الغربية وتداعياتها.
وأشار ميلشتاين إلى أن أحداث قصرة تكشف، بحسب رأيه، عن مسار آخذ في التبلور، يقوم على فرض واقع جديد في الضفة الغربية، بينما يجري تقديم هذا المسار أمام الجمهور الإسرائيلي باعتبارات استراتيجية وأمنية، رغم أن خلفيته، وفقًا له، ترتبط بصورة أساسية بالأيديولوجيا والدين.
قصرة ليست حادثًا عابرًا
قال د. ميخائيل ميلشتاين إن ما شهدته قصرة خلال نحو أسبوع "لا يثير الدهشة"، سواء من ناحية "العنف الوحشي للمستوطنين ضد الفلسطينيين"، أو "عجز قوات الأمن"، أو مشاركة الجنود في "حصار" منازل القرية، أو ما وصفه بـ"الصمت المريب من صناع القرار"، وحتى الإدانة الأمريكية القاسية التي يرى أنها تُظهر أن إسرائيل ترسخ تدريجيًا صورة دولة مضطربة.
وأضاف أن المفاجأة الحقيقية، بحسب رأيه، تكمن في دهشة وتمرد الكثيرين في معسكر اليمين، وخاصة الذين يروجون لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، تجاه ما يوصف بأنه أعمال شائنة تضر بالمشروع برمته.
وقال ميلشتاين إن من الغريب محاولة الجمع بين دعم إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، وما يرافق وجودها من احتكاكات عنيفة مع الفلسطينيين، وبين الدعوة في الوقت ذاته إلى تطبيق السيادة في الضفة الغربية، ودعم "ثورة سموتريتش" الرامية إلى إقامة دولة واحدة بين البحر والأردن بنوعين من الجنسية، من دون نقاش حقيقي حول مصير ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية.
وشدد على ضرورة مواجهة الحقائق، معتبرًا أن أحداث قصرة ليست "حادثًا تاريخيًا عابرًا"، بل تطورًا مرتبطًا بصورة وثيقة بـ"الثورة" في الضفة الغربية وتداعياتها.
وأشار إلى أن الأحداث التي شهدتها قصرة، وكذلك ما وقع في قرية تل، والتي بدأت بـ"رحلة" وانتهت بمقتل مستوطن وضابط في الجيش الإسرائيلي، تُظهر للرأي العام تشكيل كيان "خارج عن القانون" ذي قوانين وقيم فريدة.
"مشروع قطاعي قائم على الإيمان والأيديولوجيا"
وقال ميلشتاين إن ما يحدث في الضفة الغربية لا يقتصر على "جبال الظلام"، بل يؤثر على البلاد بأسرها، معتبرًا أن ما يجري تحت غطاء عاصفة سياسية غير مسبوقة هو "مشروع قطاعي قائم على الإيمان والأيديولوجيا" فُرض على عامة الشعب.
وأوضح أن معظم الإسرائيليين لا يفهمون أو لا يعلمون ما يجري في الضفة الغربية، ولا يزورون المنطقة، ولا يتبنون رؤية "الثورة"، كما أنهم يشككون في رغبتهم بالعيش في بلد تشمل "أهدافه الاستراتيجية" في القرن الحادي والعشرين تشجيع بناء الهيكل وتطبيق الشريعة.
وأضاف أن تعقيد الوضع يعود أيضًا إلى أن معظم الناس ما زالوا يعانون من صدمة أحداث 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن المجزرة المروعة التي ارتُكبت بحق الإسرائيليين رسخت في الوعي الجمعي نفورًا من رؤية العرب وسماع اللغة العربية، وانعدام ثقة تامًا بالعرب، بما في ذلك الأحزاب العربية في إسرائيل.
وأشار إلى أن هذه الصدمة ساهمت، بحسب رأيه، في تطبيع مصطلحات مثل "الترحيل" و"الهجرة الطوعية" و"لا يوجد محايدين"، وتعزيز الإيمان بضرورة الاعتماد على الذات فقط، ودعم استمرار استخدام القوة، إلى جانب رفض التسوية السياسية، لا سيما مع الفلسطينيين.
وقال إن العيش في ظل هذه الصدمة المستمرة دون معالجة، والمتجسدة في تحقيق رسمي، يحول دون فهم شامل للواقع، ويجعل الإسرائيليين يجدون صعوبة بالغة في تخيل شكل دولة واحدة يعيش فيها شعبان يعادي أحدهما الآخر دون فواصل، وهو ما يضمن، بحسب تعبيره، واقعًا بلقانيًا.
دوافع دينية بغطاء استراتيجي
وأشار ميلشتاين إلى أن دعاة "الثورة" حددوا نقطة الضعف ويسعون إلى استغلالها، مقدمين أنفسهم كحل واعٍ لما فعله "عماليق بنا"، بينما يصورون رؤيتهم القطاعية كمشروع وطني يخدم مصلحة الجميع ويحظى بتوافق جماعي.
وقال إن الأساس الديني الذي تقوم عليه هذه "الثورة" يجري إخفاؤه من خلال تبريرات تبدو استراتيجية ويسهل على العامة استيعابها، موضحًا أن المزارع تُقدَّم باعتبارها تجسيدًا لدروس أحداث 7 أكتوبر، والاستيلاء على المزيد من الأراضي باعتباره وسيلة لتحقيق الأمن والنصر والردع، فيما يُقدَّم الاستيطان في كل مكان باعتباره مكسبًا وطنيًا ورادعًا للإرهاب.
وأضاف أن هذه الرؤية "مشروعة بلا شك"، لكنها تتطلب، بحسب رأيه، توضيح أن دوافعها دينية في جوهرها، وشرح العواقب الوخيمة لتطبيقها على الطابع الديمقراطي لإسرائيل وشرعيتها الدولية.
وفي هذا السياق، أشار ميلشتاين إلى تزايد نفاد صبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إسرائيل، موضحًا أنه أُعجب بأدائها العملياتي، لكنه اكتشف تدريجيًا أنها خارجة عن التوازن الاستراتيجي، وتروج لأوهام تُورط واشنطن في مشاكل، خاصة مع إيران، وفوق كل ذلك، "مدمنة على استخدام القوة ومتعطشة للأراضي".
وقال إن ترامب يلجأ، نتيجة لذلك، إلى ضبط النفس الخارجي وفرض العقوبات، كما تجسد ذلك في لبنان وغزة، وقد يؤدي الأمر إلى استنتاج، بروح التدويل، بأن من الأفضل للأمريكيين فرض النظام في الضفة الغربية.
وأضاف أن أحداث قصرة أظهرت مرة أخرى، بحسب رأيه، فشل فكرة أن "ترامب دائمًا معنا وأننا من نتخذ القرارات".
خياران صعبان أمام إسرائيل
قال ميلشتاين إن الانتخابات المقبلة تدور حول العديد من القضايا المصيرية، ومن بينها مستقبل العلاقات مع الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن الخطاب حول هذه القضية أصبح، في ظل أحداث 7 أكتوبر، سطحيًا ومشوهًا ومليئًا بالأوهام وخاليًا من التحليل المعمق.
وأضاف أن أي نقد يُوصم فورًا بأنه "انهزامية على غرار أحداث 6 أكتوبر"، فيما تقدم معظم الأحزاب شعارات حول القضية الفلسطينية، مثل "إدارة الصراع" التي انهارت في 7 أكتوبر، من دون أن يطالبها الرأي العام ببرنامج أكثر نضجًا.
وأوضح أن المنظور الواقعي يطرح خيارين سيئين في ظل الوضع المعقد الذي يمر به الصراع حاليًا: إما التقدم نحو دولة واحدة، كما يتحقق يوميًا من خلال بناء ودمج البنية التحتية والإجراءات؛ أو إيجاد سبيل لتحقيق فصل جغرافي، لا يستلزم بالضرورة إقامة دولة فلسطينية، وهو سيناريو لا تزال جدواه وفرص نجاحه ضئيلة.
وأشار إلى أن البديل الثاني يتطلب بناء منطقة عازلة بطريقة مدروسة، ودون المساس بأمن إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على السيطرة على غور الأردن وحرية العمل في الساحة الفلسطينية.
وختم ميلشتاين بالقول إن "الفصل الواقعي" ليس خيارًا مثاليًا، ولن تنتهي المشاكل إذا ما تم المضي به، لكنه يبقى، بحسب رأيه، أفضل من وجود دموي متوتر في دولة واحدة.
المصدر:
بكرا