في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ولاية أميركية ظل اسمها دائما مرتبطا بالهجرة والتنوع والنمو السكاني، تصاعدت في الآونة الأخيرة لهجة سياسية وشعبية تستهدف المسلمين، بالتزامن مع توسع حضورهم الديني والاجتماعي.
وبينما يرى مسلمون في تكساس أنهم أصبحوا جزءا راسخا من النسيج الاجتماعي في الولايات المتحدة، يطالب سياسيون وناشطون محافظون بتشديد القيود على بعض المؤسسات والممارسات الإسلامية، في مشهد يثير أسئلة حول حدود حرية الدين والاندماج في المجتمع الأميركي.
ففي تقرير أعده ثلاثة من مراسليها، رصدت صحيفة نيويورك تايمز تصاعد نبرة الخطاب المعادي للمسلمين في ولاية تكساس، وما يعتبرونه تحولا من مجرد خطاب سياسي إلى إجراءات ومبادرات رسمية تستهدف مؤسسات وممارسات إسلامية.
شهدت ولاية تكساس مؤخرا حوادث متفرقة، من بينها توجيه اتهامات لشخص بتهديد مركز إسلامي جديد بمدينة هيوستن، وتداول مقطع مصور لامرأة توجّه إهانات لمتسوقين مسلمين في متجر بمدينة كونرو
استهل المراسلون تقريرهم الصحفي بقصة خبرية بطلها غلام كيهار، وهو من أفراد خفر السواحل الأميركي، ففي مطلع يونيو/حزيران الماضي، استيقظ مبكرا لأداء صلاة الفجر في مسجد الحي الذي يقطنه بمدينة إيرفينغ بولاية تكساس، قبل توجهه في مهمة لعدة أشهر مع قوات حرس السواحل.
ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يخدم فيها كيهار في مهمة عسكرية خارج الولاية، لكن مشاعره هذه المرة كانت مختلفة ومحفوفة بالقلق، إذ شعر بوطأة التوتر وهو يستعد لترك زوجته وأطفاله الأربعة وراءه، ولو لفترة قصيرة.
ويقول كيهار إن المناخ المحيط بالمسلمين أصبح أكثر إثارة للقلق، مضيفا "إنه الخوف مما يجري بثه في العلن" وهو ما دفعه إلى ترتيب انتقال أسرته للانضمام إليه قرب الحدود الكندية.
وبحسب التقرير، لم تعد هذه المخاوف مقتصرة على شخص أو مسجد بعينه، فقد تحدث مسلمون وقادة دينيون في مركز "فالي رانش" الإسلامي وغيره من المساجد في أنحاء تكساس بقصص عن تعليقات مسيئة واجهوها أثناء الصلاة في الأماكن العامة أو الجلوس في الحدائق.
كما شهدت الولاية مؤخرا حوادث متفرقة، من بينها توجيه اتهامات لشخص بتهديد مركز إسلامي جديد في مدينة هيوستن، وتداول مقطع مصور لامرأة توجّه إهانات لمتسوقين مسلمين في متجر بمدينة كونرو، من بينها القول لهم إنهم "غير مرحب بهم في هذه الولاية أو هذا البلد".
وفي ماكيني، إحدى ضواحي دالاس، شهد اجتماع لمجلس المدينة واقعة اعتداء على عمدة سابق بسبب خلاف حول توسعة مسجد.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن هذه الوقائع تأتي في وقت أصبحت فيه تكساس وجهة متنامية للمسلمين الأميركيين والمهاجرين من دول ذات غالبية مسلمة، خصوصا في منطقة دالاس-فورت وورث. وقد اجتذبت المنطقة عائلات تبحث عن مدارس جيدة ومساكن أقل كلفة ومجتمع ديني متنام.
ويقدر التقرير عدد المسلمين في تكساس بما بين 300 ألف و500 ألف شخص، أي ما يقارب 1 إلى 2% من سكان الولاية، مع التنبيه إلى صعوبة الحصول على رقم دقيق لأن التعداد الأميركي لا يسأل عن الدين.
وتكشف مؤشرات أخرى حجم النمو، إذ ارتفع عدد السكان القادمين من دول ذات غالبية مسلمة في منطقة دالاس-فورت وورث إلى أكثر من 159 ألفا عام 2024، مقابل نحو 79 ألفا قبل عقد.
كما تضاعف مرات عدة عدد المساجد في أكبر 4 مقاطعات بمنطقة دالاس-فورت وورث وذلك خلال العقدين الماضيين، ليصل إلى 76 مسجدا عام 2020، مقارنة بـ28 مسجدا قبل عقدين.
وفي مقاطعة كولين وحدها ارتفع العدد من 3 إلى 12 مسجدا. ومع ذلك، تظل المؤسسات الإسلامية محدودة العدد مقارنة بالوجود المسيحي، إذ تضم المقاطعات الأربع أكثر من 3 آلاف تجمع إنجيلي، بحسب البيانات التي أوردها التقرير.
وترى الصحيفة أن تنامي الحضور الإسلامي تزامن مع عودة الإسلام إلى صدارة أجندة قطاعات من اليمين المحافظ. فعلى الرغم من أن معارضة ما يُسمى الاتجاهات الراديكالية كانت جزءا من الخطاب السياسي للحزب الجمهوري لفترة طويلة، فإنه اكتسب زخما مكثفا مع تحقيق شخصيات مسلمة نجاحات انتخابية بارزة على المستوى الوطني.
وكان مشروع تطوير عقاري، يضم مسجدا شرقي دالاس، نقطة تحول رئيسية، فبعد الإعلان عن المشروع مطلع 2025، واجه معارضة حادة، قبل أن يفتح غريغ أبوت حاكم تكساس، والمدعي العام كين باكستون تحقيقات في مؤسسات ومجموعات إسلامية داخل الولاية.
وبحسب التقرير، سعى أبوت أيضا إلى اتخاذ إجراءات أخرى، من بينها التهديد بسحب تمويل حكومي من مطارات توفر مرافق للوضوء للمسافرين المسلمين، وإلغاء فعالية خاصة في متنزه مائي للاحتفال بعيد إسلامي.
كما صنفت تكساس مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) منظمة إرهابية، وهي خطوة لم تتخذها إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى الآن، في حين طعنت المنظمة في القرار أمام القضاء.
أواخر مايو/أيار الماضي، تجمع 300 شخص في دار عرض سينمائي بمدينة دالاس لمشاهدة فيلم وثائقي قُدّم على أنه يكشف "الأثر الكارثي للإسلام في أميركا" حسب ما ورد من تعبير في صحيفة نيويورك تايمز.
وكان من بين الجهات الراعية للحدث مؤسسة مسيحية مجاورة، ومجموعة من المحافظين اليهود، وعدة مجموعات نسائية جمهورية، بالإضافة إلى فرعين محليين للحزب الجمهوري على مستوى المقاطعة.
ومع تنامي عدد المسلمين في تكساس، ترسخت أيضا نزعة مسيحية أكثر حزما، إذ يصف مسيحيون محافظون متشددون الوضع لا على أنه مجرد تحول ديمغرافي، وإنما باعتباره معركة روحية.
ووفق الصحيفة ذاتها، تضمن الفيلم الوثائقي الذي يحمل عنوان "الصراع الأميركي الكبير" مزيجا من التحذيرات اللاهوتية والسياسية والثقافية.
وصور الفيلم الإسلامَ على أنه "قوة يمكن أن تدفع المجتمعات نحو اليسار" مستشهدا بعمدة نيويورك زهران ممداني، فضلا عن "تهديده لحرية المرأة".
مع اقتراب موعد انعقاد الهيئة التشريعية لولاية تكساس، يسعى بعض البرلمانيين المحافظين إلى صياغة تشريعات تحاول إعادة تعريف الدين وتأطير بعض الممارسات الثقافية أو المجتمعية الإسلامية، كالمجالس الدينية لحل النزاعات الأسرية
وتفيد نيويورك تايمز بأن جمهوريين محافظين يرون أن تحركاتهم تتعلق بقضايا الاندماج وسيادة القانون، وليس باستهداف المسلمين بسبب دينهم.
وينقل التقرير عن النائب الجمهوري آلان سكولكرافت قوله إن بعض المقترحات التشريعية تهدف إلى منع نشوء "جيوب" مغلقة داخل المجتمع الأميركي، وأضاف "لا أقول إن عليك أن تتخلى تماما عن ثقافتك، لكن حاول أن تصبح مواطنا في المكان الذي تعيش فيه، وإلا فسيكون هناك صراع".
وتتركز إحدى القضايا المثيرة للجدل حول الشريعة الإسلامية، ولا سيما ما يتعلق منها بالفتاوى الدينية حول الزواج والطلاق. ووفقا للصحيفة، تحقق السلطات مع مؤسسة إسلامية في دالاس تقدم مثل هذه الاستشارات، بينما يؤكد مسؤولوها أنها ليست محكمة ولا تملك سلطة قانونية على المواطنين.
ويرى منتقدو مثل هذه الإجراءات أن إعادة تعريف الإسلام، على أنه أيديولوجيا سياسية بدلا من كونه دينا، قد تفتح الباب أمام تقييد الحماية الدستورية الممنوحة للممارسات الدينية.
وتنقل نيويورك تايمز عن المحامية المتخصصة في الحريات الدينية أسماء الدين قولها إن ذلك قد يكون "وسيلة لكسب معركة الحرية الدينية قبل أن تبدأ، عبر إخراج الطرف الآخر من فئة الدين".
وفي المقابل، يقول بعض المسلمين في تكساس إنهم أمضوا سنوات في محاولة بناء جسور مع المجتمع الأوسع وإثبات اندماجهم من خلال العمل والتعليم والمشاركة المدنية.
وتصف الطبيبة فرحت شيخ، التي تعيش في فريسكو، المشاركة في المجتمع بأنها لا ينبغي أن تُفسر باعتبارها محاولة للسيطرة عليه، وتقول موضحة "أنا جزء من رابطة أولياء الأمور، وأتطوع لخدمة مجتمعي، وأنا طبيبة ممارسة. أنا أندمج في المجتمع".
أما العالم المسلم البارز عمر سليمان فيؤكد أهمية اللجوء إلى الدفاع القانوني والتمسك بالحمايات الدينية التي يكفلها دستور الولايات المتحدة، مشددا على ضرورة مواجهة الاتهامات الكاذبة عبر القنوات القانونية والسياسية الرسمية.
وقال سليمان في هذا الصدد "علينا أن نجعل الكذب مكلفا قانونيا وسياسيا لهؤلاء الأشخاص. علينا أن نقاومهم".
ومع اقتراب موعد انعقاد الهيئة التشريعية لولاية تكساس، يسعى بعض البرلمانيين المحافظين إلى صياغة تشريعات تحاول إعادة تعريف الدين وتأطير بعض الممارسات الثقافية أو المجتمعية الإسلامية، كالمجالس الدينية لحل النزاعات الأسرية.
وبدورها، تؤكد المؤسسات الدينية والقانونية المدافعة عن الحريات أن تقديم المشورة الدينية يقع تحت مظلة التعديل الأول للدستور الأميركي الذي يحمي حرية الاعتقاد والممارسة الدينية لكافة الأطياف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة