في خضم النقاشات المتصاعدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقبيل المعركة الانتخابية المصيرية، نلاحظ أن نهج الأحزاب العربية لم يتغير كثيرًا، وأنها لم تستخلص، على ما يبدو، العبر الكافية من التجارب القريبة. وفي المقابل، يبدو أن موقف المجتمع العربي والمواطن العادي قد شهد تطورًا ملحوظًا، وأصبح أكثر تقدمًا من مواقف الأحزاب في بعض القضايا المتعلقة بالتمثيل البرلماني.
فمنذ أكثر من عقد، طرأ تغيير واضح على الحس الجماهيري وعلى نظرة الجمهور العربي إلى التمثيل البرلماني؛ فبعد أن ظلّ البرلمان لعقود يُنظر إليه بوصفه منصة لإسماع صوت الجمهور العربي ومحاولة فضح سياسات التمييز التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، انتقلت النظرة تدريجيًا إلى اعتبار التمثيل البرلماني أداة للتأثير في القرار الحكومي، بكل الوسائل المتاحة، من خلال الوصول إلى أكبر عدد ممكن من النواب، واستثمار الوجود في البرلمان بصورة أكثر فاعلية، بما يخدم المصالح الحياتية للجماهير العربية وعلى مختلف المستويات.
وكان لهذا التحول في النظرة العامة عدد من الأسباب، من أبرزها:
1. تغوّل سياسة التمييز ووصولها إلى مستويات لم تعد محتملة، وتحولها، في نظر قطاعات واسعة من الجمهور، إلى سياسة رسمية للحكومات اليمينية المتعاقبة.
2. تفشي ظاهرة العنف والجريمة، وما رافقها من شعور متزايد لدى الجمهور بأن هذه الظاهرة ترتبط بسياسات ممنهجة ومقصودة تجاه المجتمع العربي، بما يهدد تماسكه من الداخل.
3. تقارب مواقف الأحزاب العربية بشأن العديد من القضايا الحياتية واليومية التي تمس المجتمع العربي، إذ تبدو الفروقات بينها طفيفة، إن لم تكن متطابقة، في عدد كبير من هذه القضايا.
4. تغيّر سلم أولويات الجمهور العربي، بحيث أصبحت هموم المجتمع ومشكلاته في المقام الأول، وعلى رأسها مواجهة الجريمة والعنف، والحصول على الحقوق اليومية الأساسية، والحفاظ على المجتمع من التفكك.
5. ازدياد القناعة بأهمية استثمار التمثيل البرلماني، ليس بوصفه منبرًا إعلاميًا فحسب، وإنما أداة لتحصيل الحقوق والتأثير في عملية صنع القرار وفي النقاشات السياسية. وفي المقابل، برز خلاف داخل الجمهور والأحزاب حول مدى هذا التأثير وحدوده، ولا سيما في قضايا مثل المشاركة في الحكومة، أو المشاركة في الائتلاف، أو تشكيل جسم مانع، وغيرها.
6. التقاء هذه الرغبة الجماهيرية مع ارتفاع نسبة الحسم، وما نتج عنه من شعور متزايد بالخطر من فقدان التمثيل العربي في حال خاضت الأحزاب الانتخابات بصورة منفردة ولم يتمكن بعضها من تجاوز نسبة الحسم.
تجربة القائمة المشتركة:
كانت تجربة القائمة المشتركة تجربة ناجحة على مستويات عدة، إذ تجلت نتائجها في وصول أكبر عدد من النواب، وما تبع ذلك من تحقيق إنجازات غير مسبوقة، من خلال إقرار برامج متعددة لتخصيص الميزانيات للمجتمع العربي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت إقامة قائمة مشتركة مطلبًا جماهيريًا واضحًا.
الانتخابات البرلمانية بين عامي 2015 و2022:
- 2015 - إقامة القائمة المشتركة بمشاركة الأحزاب الأربعة، والحصول على 13 مقعدًا.
- أبريل 2019- قائمتان؛ الجبهة والتغيير: 6 مقاعد، والموحدة والتجمع: 4 مقاعد، بمجموع 10 أعضاء.
- سبتمبر 2019- قائمة مشتركة كاملة، وحصلت على 13 عضوًا.
- 2020 - قائمة مشتركة كاملة، وحصلت على 15 عضوًا.
- 2021 - قائمة مشتركة ثلاثية: 6 أعضاء، والموحدة: 4 أعضاء، بمجموع 10 أعضاء.
- 2022 - الجبهة والتغيير: 5 مقاعد، والموحدة: 5 مقاعد، والتجمع: صفر، بمجموع 10 أعضاء.
خلاصة هذه المرحلة:
يمكن استخلاص عدد من الملاحظات الأساسية من هذه الفترة:
1. أصبحت إقامة قائمة مشتركة مطلبًا جماهيريًا أساسيًا، وهو ما تجلّى بوضوح في نتائج الانتخابات. ففي حال وجود قائمة مشتركة، ارتفع التمثيل البرلماني بنسبة تتراوح، وفق هذه التجارب، بين 30% و50%، ليصل إلى 13–15 عضوًا، بينما لم يتجاوز التمثيل في حالات التفرق 10 أعضاء.
2. يتناسب ارتفاع عدد أعضاء التمثيل العربي مع إمكانية تحقيق الإنجازات، حتى في ظل وجود حكومة يمينية.
3. الصوت العربي مؤثر، وقد أظهرت الانتخابات المتعاقبة بين عامي 2019 و2022 صعوبة تشكيل حكومات مستقرة بمعزل عن الأعضاء العرب.
انتخابات 2022:
جرت انتخابات 2022 بعد إسقاط حكومة التغيير، وفي ظل خلافات جدية بين الموحدة، التي تبنّت نهج التأثير من الداخل، بما في ذلك إمكانية المشاركة في الائتلاف وحتى المشاركة في الحكومة، وبين التيار المتمثل بالجبهة والتغيير والتجمع، مع حفظ الفروقات الموجودة بينهم، والذي تبنى موقفًا تقليديًا يقوم على عدم الدخول في الائتلاف بصورة مباشرة تحت أي ظرف، والعمل على التأثير بوسائل أخرى متاحة.
ورغم الهوة القائمة بين التيارين، لم يتغير المطلب الجماهيري؛ فقد ظلّ الجمهور العربي يطالب بإقامة قائمة مشتركة بهدف تعزيز التمثيل البرلماني، أو في الحد الأدنى إقامة قائمة مشتركة ثلاثية.
لكن، وللأسف، لم تُصغِ الأحزاب إلى هذا المطلب الجماهيري بصورة كافية. فاختار التيار الأول خوض الانتخابات بصورة منفردة، بينما انقسم التيار الثاني فيما بينه، ليس بسبب اختلاف أيديولوجي جوهري، ولا حتى بسبب خلاف حقيقي حول ماهية التأثير وطرقه، وإنما بسبب خلافات تتعلق بتوزيع المقاعد وحساباتها.
نتائج انتخابات 2022 للأحزاب العربية وتحليلها:
كانت نتائج الانتخابات على النحو الآتي:
- الموحدة: نحو 194 ألف صوت، وحصلت على 5 أعضاء.
- الجبهة والتغيير: نحو 175 ألف صوت، وحصلت على 5 أعضاء.
- التجمع: نحو 140 ألف صوت، ولم يحصل على تمثيل برلماني، بعد عدم تجاوزه نسبة الحسم.
قراءة في النتائج:
تكشف هذه النتائج، في رأيي، عن اتساع الهوة بين الحس الجماهيري ومطالبه وتوقعاته من جهة، وممارسة الأحزاب من جهة أخرى.
كما أظهرت النتائج أن الوعي الجمعي لدى الجمهور العربي قد ازداد، وربما أصبح متقدمًا على مواقف بعض القيادات الحزبية. ولم يكتفِ الجمهور برسالة احتجاجية تتمثل في خفض نسبة التصويت، بل استخدم صوته الانتخابي لإيصال رسائل واضحة إلى القيادات والأحزاب.
أولًا: التصويت للتجمع:
حصل التجمع على نحو 140 ألف صوت، وهو رقم يتجاوز بكثير قاعدته الانتخابية في الوضع العادي، ويمكن تفسير ذلك، وفق هذا التحليل، بعاملين أساسيين:
الأول، التصويت الاحتجاجي:
والثاني، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والعمل على معالجة ما عجزت الأحزاب عن معالجته، وتمكين التجمع من تجاوز نسبة الحسم.
ثانيًا: صعود الموحدة:
حصلت الموحدة على نحو 194 ألف صوت، وهو ما شكّل تحولًا مهمًا، إذ حصلت، منفردة، على عدد من الأصوات يفوق ما حصلت عليه الجبهة والتغيير مجتمعين، وبذلك أصبحت في موقع الريادة بين الجماهير العربية للمرة الأولى.
ثالثًا: الرسالة الموجهة إلى الجبهة:
في تقديري المتواضع، كانت إحدى الرسائل الأساسية التي عبّرت عنها هذه النتائج موجهة، بصورة خاصة، إلى الجبهة. والسؤال هنا: لماذا الجبهة تحديدًا؟
في تحليلي المتواضع، هناك قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من الجماهير بأن الجبهة هي القيادة التاريخية للجمهور العربي، وأنها قادت هذا الجمهور لعشرات السنين، ولذلك اعتُبرت صاحبة المسؤولية الأساسية عن عدم قيام القائمة المشتركة الثلاثية، من دون الخوض هنا في حيثيات ما جرى فعليًا أو في الأسباب الحقيقية التي حالت دون نجاح إقامة القائمة المشتركة.
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ارتفاع التصويت للتجمع، وما رافقه من تراجع موقع الجبهة في صدارة التمثيل العربي.
رابعًا: الرسالة الموجهة إلى الموحدة:
تمثلت الرسالة الأخرى في زيادة التصويت للموحدة ومنحها موقع الريادة، رغم أنها لم توافق على تشكيل القائمة المشتركة وفضّلت خوض الانتخابات بصورة منفردة، وهو ما كان يفترض، في الوضع الطبيعي، أن يعرّضها للعقاب الانتخابي من جانب الجمهور.
لكن لماذا حدث العكس؟
في رأيي المتواضع، يعود ذلك، من جهة، إلى عدم الرضا عن دعم إسقاط حكومة التغيير، ومن جهة أخرى، إلى ازدياد القناعة لدى الجمهور بأن الظروف المأساوية التي يعيشها المجتمع العربي تستدعي خوض تجربة التأثير والتغيير من الداخل.
كما أن أحد الأسباب الأخرى قد يتمثل في ما حدث للتيار الآخر، نتيجة عدم التوافق على إقامة قائمة مشتركة ثلاثية، رغم عدم وجود خلاف جوهري بينهم، واقتصار الخلاف، في جزء منه، على المحاصصة والمصالح الحزبية الضيقة المتعلقة بتقسيم المقاعد.
نتائج انتخابات 2022 على المستوى العام
كانت نتائج انتخابات 2022، وفق هذا التحليل، كارثية بالنسبة إلى المجتمع العربي؛ إذ أسفرت عن حصول اليمين المتطرف على أغلبية مكّنته من تشكيل حكومة تُعد الأكثر تطرفًا منذ قيام الدولة.
وقد أسهم ذلك في تفاقم مظاهر العنصرية ومعاداة كل ما هو عربي، كما تضاعفت وتيرة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وأصبح العمل على تفكيك المجتمع العربي أكثر وضوحًا، من خلال هدم البيوت، وتضييق الخناق على المجتمع بأشكال مختلفة، وانتشار مظاهر العنصرية والفاشية في مختلف مناحي الحياة. وقد شملت هذه الممارسات مجالات وشرائح مختلفة، بما فيها الأطباء وسائقو الحافلات وغيرهم، في ظل شعور متزايد بأن الهدف هو دفع الإنسان العربي إلى ترك وطنه والهجرة، من خلال جعل إمكانية الحياة الكريمة أكثر صعوبة، إضافة إلى فقدان الأمن الشخصي والمادي واستمرار التمييز.
وعليه، يمكن النظر إلى هذا الواقع بوصفه تهديدًا وجوديًّا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، في ظلّ التحوّل النوعي الذي شهدته هذه الممارسات عقب أحداث السابع من أكتوبر.
الانتخابات الحالية: هل حان وقت استخلاص العبر؟
في ظل الحكومة الأكثر عنصرية وتطرفًا، وفي ظل ممارسات تشكل خطرًا داهمًا على الجماهير العربية، والشعور السائد بأن المجتمع يعيش حالة طوارئ وفي مواجهة خطر وجوديّ، كان هناك أمل لدى الجمهور العربي بأن تتجاوز الأحزاب خلافاتها وأن تتشكل قائمة مشتركة تضم جميع الأحزاب. وكان جوهر هذا الأمل هو تجاوز الخلاف بين التيارين حول ماهية التأثير وطرقه، وهو الخلاف الذي ظهر بوضوح في الانتخابات السابقة، والعمل بدلًا من ذلك على تحقيق الهدف الأساسي: زيادة التمثيل العربي إلى أقصى حد ممكن، والعمل على منع عودة أكثر الحكومات تطرفًا وعنصرية إلى الحكم.
وقد كانت الفرصة مواتية لذلك، وكان الجمهور مستعدًا لرفع نسبة التصويت إلى أقصى حد ممكن. وقد بدا للكثيرين أن المخرج يتمثل في إقامة قائمة تقنية هدفها الأساسي زيادة التمثيل البرلماني، بعيدًا عن الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الأحزاب. وتجسدت الضغوط الجماهيرية في دفع ممثلي الأحزاب إلى التوقيع على وثيقة سخنين، الأمر الذي أدى إلى حالة من الارتياح العام لدى مختلف أطياف المجتمع العربي.
لكن، للأسف، لم تجد كل هذه الضغوط نفعًا بالقدر المأمول، إذ اتضح أن عمق الخلاف بين التيارين أقوى من الضغط الجماهيري؛ فقد جاء الانقسام الأول عندما أصرت الموحدة على خوض الانتخابات بقائمة منفردة، مبررة ذلك برغبتها في تثبيت نهجها وأجندتها الخاصة، واعتبارها أن الحل الوحيد أمام الجمهور العربي هو التأثير المباشر من خلال المشاركة في الائتلاف والحكومة والعمل على التغيير من الداخل. واعتمدت الموحدة، في هذا الموقف، على حجم الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة، باعتبارها مؤشرًا على وجود ثقة جماهيرية بنهجها، ولا سيما لدى كتلتها التصويتية.
وقد تسببت خطوة الموحدة في خيبة أمل لدى الجمهور العربي عمومًا، الذي كان يأمل في إقامة قائمة مشتركة تضم الجميع، وإن كانت الكتلة التصويتية للموحدة قد تقبلت هذا التوجه بصورة عامة ولم تعترض عليه. وهذا الواقع أكد، مرة أخرى، وجود تيارين مختلفين بوضوح، لكل منهما نهجه الخاص ورؤيته لطريقة التأثير السياسي.
أما التوقعات من التيار الآخر، فكانت أن يبادر سريعًا إلى إقامة قائمة مشتركة ثلاثية، وخاصة بعد الوصول إلى اتفاق سياسي بين الأطراف.
إلا أن خيبة أمل أخرى برزت عندما اتضح مجددًا وجود خلافات حول تركيبة القائمة وتوزيع المقاعد، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة خطر الانقسام من جديد.
كلمة أخيرة
على التيار الثاني، في هذه المرحلة، أن يتحلى بالمسؤولية، وأن يستخلص العبر من التجارب القريبة، وأن يتصرف بسرعة لتشكيل القائمة المشتركة الثلاثية، من دون مزيد من التأخير، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فالحالة، كما تبدو من منظور الجمهور، هي حالة طوارئ، والمجتمع العربي لا يستطيع تحمّل تفرق وانقسام جديد في ظل هذه الظروف العصيبة.
ولقد أثبتت التجارب الانتخابية السابقة بوضوح أنّ وحدة التمثيل العربي تعني تمثيلًا برلمانيًا أقوى وقدرة أكبر على التأثير، في حين أنّ التفرّق والانقسام يؤديان إلى تراجع التمثيل، ويزيدان من خطر هدر الأصوات وفقدان التمثيل البرلماني.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على الجمهور وحده، بل تقع بصورة أساسية على القيادات والأحزاب، التي يفترض أن تكون قادرة على قراءة المزاج الجماهيري واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، ووضع المصلحة العامة للمجتمع العربي فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
ملاحظة
هذا المقال هو اجتهاد شخصي وتحليل للأحداث من وجهة نظري ولا يعكس موقفًا شخصيًا من أي حزب أو تيار بعينه، وإنما يهدف إلى محاولة قراءة المشهد الانتخابي وتوضيح بعض جوانبه من وجهة نظر خاصة.
المحامي حاتم ياسين /عرابة
المصدر:
كل العرب