تتزايد مخاوف المسيحيين الفلسطينيين في الضفة الغربية من تراجع وجودهم التاريخي، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وتشديد القيود على الحركة، وتصاعد هجمات المستوطنين، ما يدفع المزيد منهم إلى الهجرة أو التفكير الجدي فيها.
أكثر من 200 عائلة هاجرت منذ اندلاع الحرب
قال القس متري الراهب، مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، إن أكثر من 200 عائلة مسيحية غادرت الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، محذرًا من أن استمرار الظروف الحالية قد يؤدي إلى اختفاء الوجود المسيحي الفلسطيني من المنطقة بحلول عام 2050.
وأشار الراهب إلى أن تصاعد العنف والعمليات العسكرية والحواجز، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، بات يشكل ضغطًا متزايدًا على العائلات المسيحية، ولا سيما الشباب.
الشباب أمام خيار الهجرة
وتبرز الضغوط الاقتصادية والأمنية بشكل واضح بين الشباب. ويقول عيسى قسيس، البالغ من العمر 31 عامًا، والذي يدير شركة ناشئة في رام الله، إنه بدأ منذ نحو عام بالتفكير بجدية في الهجرة إلى الولايات المتحدة.
ويعزو قسيس ذلك إلى تراجع الأوضاع الاقتصادية وصعوبة التنقل بين المدن بسبب الحواجز، مشيرًا إلى أن الانتظار لساعات عند الحواجز ينعكس مباشرة على عمله ودخله.
ويقول إن التحول الأكبر يتمثل في موقف العائلات نفسها، إذ بات بعض الأهالي يشجعون أبناءهم على الهجرة بدلًا من حثهم على البقاء، بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.
وجود الأقارب في الخارج يسهل الهجرة
ولا تقتصر ظاهرة الهجرة على المسيحيين وحدهم، إلا أن وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابيكيان ترى أن وجود جاليات وأقارب فلسطينيين مسيحيين في الخارج يوفر لهم فرصًا أكبر للعمل والاستقرار والهجرة.
وشهدت الضفة الغربية موجات متعاقبة من هجرة المسيحيين منذ القرن الثامن عشر، فيما توجد جاليات فلسطينية مسيحية كبيرة في الأميركتين، من بينها أكثر من 40 ألف فلسطيني مسيحي في تشيلي وحدها.
تراجع كبير في أعداد المسيحيين
يتراوح عدد المسيحيين في الضفة الغربية حاليًا بين 40 و45 ألفًا، أي ما يزيد قليلًا على واحد في المائة من السكان، مقارنة بنحو 6 في المائة عام 1967.
ويتركز الوجود المسيحي خصوصًا في القدس الشرقية وبيت لحم ورام الله، إضافة إلى عدد من البلدات والقرى.
وتحذر أغابيكيان من أن استمرار تراجع أعداد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية يجب أن يشكل «جرس إنذار كبيرًا» للمجتمع المسيحي العالمي.
الطيبة.. نموذج للرحيل المتواصل
وفي بلدة الطيبة شرق رام الله، وهي آخر بلدة في الضفة الغربية ذات غالبية مسيحية بالكامل، وثقت الكنائس هجرة أكثر من 15 عائلة منذ أكتوبر 2023.
كما تعرضت البلدة، وفقًا لراعي كنيسة اللاتين الأب بشار فواضله، لهجمات من مستوطنين طالت الأراضي والممتلكات والأماكن المقدسة، من بينها محيط كنيسة القديس جورج الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي.
ورغم أن الطيبة تبعد نحو 12 كيلومترًا فقط عن رام الله، فإن الحواجز العسكرية تجعل الوصول إليها يستغرق وقتًا طويلًا. ويبلغ عدد سكانها حاليًا نحو 1200 شخص، بعدما كان يناهز 3 آلاف في ثمانينيات القرن الماضي.
35% يفكرون في الهجرة
وأظهر استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2020 أن نحو 35% من المسيحيين في الضفة الغربية يفكرون في الهجرة خارج البلاد، لأسباب تتعلق بالاقتصاد أو الدراسة أو البحث عن الاستقرار والحرية.
وبحسب مدير المركز خليل الشقاقي، كانت الرغبة في الهجرة بين المسيحيين في الضفة تبلغ ضعف نسبتها بين المسلمين في ذلك الوقت.
وأشار إلى أن الاستطلاع أظهر كذلك شعورًا بعدم الأمان لدى المسيحيين، مرتبطًا بمخاوف من بعض الجماعات الدينية السلفية ومن التنظيمات الفلسطينية المسلحة.
وبعد مرور ست سنوات على إجراء الاستطلاع، يرى الشقاقي أن «أغلب الأمور أصبحت أسوأ»، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الوجود المسيحي الفلسطيني في الضفة الغربية.
المصدر:
بكرا