هل قال نتنياهو "لا" لترامب؟
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
تباهت القناة 14 من أقصى اليمين العقائدي، بأن نتنياهو قد قال "لا" للرئيس الأمريكي ترامب. وبخلاف التقديرات الرسمية الإسرائيلية بأن حماس سترفض تطبيق نزع السلاح مما يمنح الحكومة الإسرائيلية الذريعة لتقويض الاتفاق الذي أعلنه ترامب ولا تريد به إسرائيل اصلاً، وانتقلت الى الإعلان جهارا عن رفضه جوهريا. فيما لم يصدر أي موقف رسمي على لسان نتنياهو برفض خارطة الطريق الامريكية الموافق عليها عربيا للتقدم نحو المرحلة الثانية من خطة وقف الحرب سعيا للوصول الى الانهاء الكامل للحرب وتوفير افق لتقرير المصير للشعب الفلسطيني.
يتجاوز هذا الموقف قطاع غزة الى لبنان حيث يصر نتنياهو على البقاء داخل الخط الأصفر في لبنان في اطار رؤية لتسوية امنية تمتد من لبنان الى سوريا، رغما عن ان مفاوضات الملف اللبناني شهد انسحابا ولو جزئيا، ضمن الانسحابات التجريبية على ان يتواصل. كما ان الانسحاب الجزئي في لبنان هو ضمن مبدأ التبادلية أي جدولة الخطوات وتزامنها بصدد الانسحاب مقابل نزع السلاح. فيما المستجدّ حاليا هو ان نتنياهو يرى في رفضه لتطبيق اتفاق غزة بمثابة "مشروع تجريبي" لرفض الانسحاب من لبنان ضمن التفاهمات مع لبنان في واشنطن وروما.
على ارض الواقع قام الاعلام اليمين بمناشدة نتنياهو منذ اعلان مجلس السلام عن خطة العمل برفضها وبأن يقول "لا" للرئيس الأمريكي. معتبرا بأنها لحظة رئيس الوزراء ليتحرر من سمة الإذعان المطلق لترامب، وكذلك ردا على الأخير لكونه ألغى العدوان المشترك على ايران. بالفعل وجد نتنياهو ضالته وفرصته الأخيرة كي يبدو امام الناخب الإسرائيلي وحصريا الناخل اليميني بأنه لا يذعن للإملاءات الامريكية.
ما يميز الموقف الإسرائيلي الحالي – وقد يتغير اذا كان ضغط من واشنطن – هو انه لا يعبر عن موقف قوة وصلب يعبر عن الثوابت في الامن القومي الإسرائيلي، بل هو تأكيد ان ما يوجه المواقف الاستراتيجية لإسرائيل هو مصالح نتنياهو الانتخابية، وكل الأمور الأخرى تخضع لهذا الاعتبار، ومن منظار أنه الوحيد القادر على منع قيام دولة فلسطينية وعلى "الانتصار في سبع جبهات".
في المقابل يدرك نتنياهو بأنه حتى خطة وقف اطلاق النار واستكمال استحقاقات المرحلة الأولى تم تأسيسها على جدولة خطوات تدريجية تمتد لنحو عام ونصف ولن تتحقق في ظل الحكومة الحالية. بل فعليا يقول نتنياهو إن حكومته سوف تلعب على عامل الوقت وتحول دون التقدم في مخطط ما يشغل نتنياهو فيه ليس بداية الانسحاب مقابل نزع السلاح، بل نهايات هذا المخطط في فتح افق للتسوية السياسية والدولة الفلسطينية.
في الخلاصة؛ لا يبدو ان خارطة الطريق لاستكمال المرحلة الأولى من خطة وقف الحرب على غزة قد انتهى أمرها، بل أن مصيرها منوط بمدى الحزم في الموقف الأمريكي وهل سيذعن الى إرادة نتنياهو ام ستفرض إدارة ترامب موقفها على الحكومة الإسرائيلية. وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة وعلى خلفية تصريح ترامب قبل لقاء نتنياهو ملادينوف بأنه سيكون محبطاً جدا من نتنياهو في حال رفض الخطة.
فيما تبدو احتمالية تنفيذ الخطة بالكامل مستبعدة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفي حال افرزت الانتخابات في حال جرت عن انتخاب حكومة معنية بالتسويات السياسية لا الترتيبات الأمنية فحسب، فعندها قد يحصل تحوّل في هذا الصدد. فيما اذا بقي نتنياهو في رئاسة الحكومة ولو لفترة انتقالية فإن اللعب على عامل الوقت والمماطلة سيكون مكثّفا الا اذا حزمت إدارة ترامب موقفها وبشكل ملزم لإسرائيل.
ليس من الواضح بعد كيف سيكون رد فعل مجلس السلام وترامب مباشرةً، وكذلك ماذا يعني ان يجهض نتنياهو جهود الوساطة المصرية والإقليمية، المتناسقة مع الموقف الأمريكي والتي تنبع من التزام بالحق الفلسطيني وبوقف الحرب وبالأمن القومي المصري والإقليمي معا. يبدو في هذا الصدد ان نتائج اجتماع ملادينوف – نتنياهو ليست نهاية المطاف وقد تكون لها تداعيات باتجاه موقف امريكي قادر على ان يفرض نفسه على الحكومة الإسرائيلية. فيما يشكل الضغط العربي والإقليمي والدولي على ترامب مفتاحا لزحزحت الموقف الإسرائيلي الالتفافي.
من المرجح ان يقوم نتنياهو بالترويج لموقفه ولكونه قال "لا" لترامب حتى ولو تراجع لاحقا. ويأتي هذا سعيا الى استعادة مكانته المتراجعة امام الناخب الإسرائيلي وحصريا اليميني، كما انه سيسعى الى تحويل موقفه بهذا الصدد الى رافعة تتمحور عنها الانتخابات مستبعدا التمحور الذي تريده المعارضة في اخفاق 7 أكتوبر 2023 والمطالبة بلجنة تحقيق رسمية. من المرجح أيضا ان يسعى نتنياهو الى التصلّب في موقفه بتعطيل الانسحاب في لبنان وذلك كي لا يشكل النموذج اللبناني معوّقا امام قوة رفضه تطبيق استحقاقات المرحلة الأولى من خطة انهاء الحرب في غزة. فيما يتأكد أن الـ"لا" الإسرائيلية ليست قطعية وهذا منوط بقرار واشنطن.
المصدر:
كل العرب