آخر الأخبار

واقعنا السياسي: نظرة الى الوراء من اجل خطوات الى الامام...

شارك

في العام 2006، وقبل ان ينهي الأستاذ المحامي عبدالمالك دهامشة الرئيس السابق للقائمة العربية الموحدة مُدَدَهُ القانونية الثلاث في الكنيست، أصدر بيانا تلخيصيا لتجربته البرلمانية التي امتدت لنحو عشر سنوات، أشار فيه الى مجموعة من المحاور التي تجسد قدرة مجتمعنا على الإنجاز إن هو حَكَّمَ العقل بعيدا عن العاطفة والشعارات، وتبنى خطابا واقعيا شامخا يأخذ بعين الاعتبار بفقه الأولويات وفقه الموازنات، وحرص على التنسيق والتعاون بين أحزابه وحركاته السياسية، وعزز روافع القوة المتاحة والكثيرة التي يملكها بعيدا عن الصراعات والنزاعات الفئوية والشخصية التي تستنزف قوته، في ظروف تعتبر غاية في التعقيد، وفي أوضاع انفردت فيه إسرائيل بإدارة اللعبة مدعومة بمجتمع دولي ما زال يفقد القدرة الأخلاقية على اتخاذ موقف منحاز للحق الفلسطيني والعربي في وجه الاحتلال الإسرائيلي الغاشم...

تحدث البيان عن طبيعة العلاقة بين الجبهة والتجمع من جهة وبين القائمة العربية الموحدة من الجهة الأخرى، والتي شهدت "صراعا" علنيا مرة وخفيا مرة أخرى أمام عدد من الاحداث المفصلية في تلك السنوات يذكر بصراعات وقعت قبل سنوات اثناء سلطة حكومة التغيير وبعدها وحتى الآن، من أهمها كنماذج فقط:

أولا - الغاء ضريبة الأملاك (2000): كحقيقة تاريخية فقد انفردت الموحدة بتحقيق هذا الإنجاز من خلال استغلال حاجة حكومة نتنياهو في حينه الى امتناع نواب الموحدة اثناء التصويت على ميزانية حكومة نتنياهو لسنة 99. (حيث امتنعت القائمة بنوابها الأربعة عن التصويت ضد الميزانية في القراءة الأولى في شهر 12/98 بعد عودة نتنياهو من "واي بلانتيشن"، إثر توقيع الاتفاق مع أشقائنا الفلسطينيين). بذلك حصلت الموحدة على موافقة الحكومة ووزير ماليتها مئير شطريت على الغاء قانون ضريبة الأملاك، لِيَلِيهِ اتفاق آخر في ظروف مشابهة لإلغاء الغرامات على الديون السابقة.

كان موقف الموحدة حينها المنفتح على التفاوض مع الحكومة سببا في تحقيق هذا الهدف النبيل الذي أنقذ ما تبقى من أراضي العرب من مصادرة محققة بسبب الديون المتراكمة. كانت الموحدة معنية جدا في أن يكون الإنجاز مشتركاً وعرضت على النواب العرب التعاون في هذا المجال منذ اللحظة الأولى... قبلوا في البداية إلا انهم عادوا فرفضوا وذهبوا بعيدا في رفضهم الى حد اتهام نواب الموحدة بالمساومة وإجراء الصفقات!!!!!!....

تم إقرار قانون إلغاء الضريبة وهو القانون الذي جاء به وزير المالية المذكور باسم الحكومة، (ولم يكن من الممكن اقراره لولا تأييد الحكومة لهذا الإلغاء إيفاء بوعدها للموحدة كما مر)، وكان ذلك في 14/4/99! في المعركة الانتخابية التي انتهت في 931.5.1999، حاولت الجبهة والتجمع نسبة الإنجاز لنفسها، إلا انهم بعدما ووجهوا بالحقائق الدامغة تراجعوا عن دعواهم، ومنهم من زال حتى اليوم ربما يزعم انه شريك فيه.

ثانيا – انسحاب حكومة شارون من قطاع غزة (2005): بعد عقود من الاحتلال البغيض لقطاع غزة قررت حكومة شارون على إنفاذ خطة "الفصل" القاضية بالانسحاب من غزة وشمال الضفة الغربية (مساحة ضعف مساحة غزة ويزيد) من طرف واحد وبدون شروط.... كان موقف الموحدة حاسما يدعو الى دعم الخطة وتأييد الانسحاب من قطاع غزة بالكامل... كان شعار الموحدة حينها: أيدينا لن ترتفع لتعارض الخروج من أي شبر من التراب الوطني الفلسطيني المحتل.

اجتهد نواب الجبهة والتجمع حينها في إقناع المجتمع العربي عبثاً ب - "كارثية!!" هذه الخطة، وتم توزع عشرات آلاف النسخ من النشرات والمقالات في الصحف الحزبية وغيرها، طعناً بالموحدة وموقفها التي آمنت بأنه يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني أولا وآخرا!...

لم يَخْفَ على الموحدة أن شارون لم يصبح حمامة سلام، وإنه يريد من خلال خطته تلك الحصول على مكاسب وانجازات لحكومته ودولته، وقد يحلم بما هو أكثر من ذلك ولكنه يبقى واقع الانسحاب والانسحاب غير المشروط من أراضي فلسطينية محتلة، وتفكيك المستوطنات بأيدي قوى الأمن الإسرائيلية، وتحطيم أيدولوجية اليمين الإسرائيلي، وتكريس الانشقاقات والصراعات التي لم تترك حزباً واحداً منه إلا شقته وحولته إلى فتات متناحر! كل هذا وغيره كثير جعل الموحدة ترجح إيجابيات هذه الخطة على سلبياتها والحديث في هذا المجال كثير لا مجال لحصره في هذا المقام.

على ضوء هذه الأزمة، ومن نتائجها سعى المستوطنون وغلاة اليمين المتطرفون وأعوانهم في الكنيست حينها، لإسقاط الخطة بشتى الوسائل! لجأوا أخيراً إلى محاولة إسقاط الخطة عن طريق إسقاط الميزانية والحكومة معاً، وإزاء ذلك تجد الموحدة بعضويها الفرصة مواتية للقيام بواجبها بأخذ دورها الفاعل المتميز وغير المسبوق، بفرض شرعيتها من تمثيل، على من طالما أنكروا وتنكروا لها، وللحصول على انجازات للوسط العربي في الوقت ذاته.

مرة أخرى حاولت الموحدة وبتأييد كامل من المجتمع العربي بسواده الأعظم (بما فيهم قياديون ورؤساء سلطات محلية منهم مؤيدون للتجمع والجبهة) التنسيق مع نواب الجبهة والتجمع ومنذ القراءة الأولى على الميزانية في 12/2004، بهدف التفاوض مع الحكومة مجتمعين وبالتعاون مع قيادة لجنة المتابعة بل وبقيادة رئيسها للحصول على إنجازات للمجتمع العربي كله، ولكن دون جدوى.

أعادت الموحدة الكرة عند القراءة الثانية والثالثة للميزانية أواخر آذار 2005 (أقرت الميزانية في 30/3/2005 ولو لم يحدث ذلك لسقطت الحكومة في 1/4/2005م حسب القانون)، واضطر الأخوة في قيادة الجبهة والتجمع النائبان بركة وبشارة ونزولاً عند رغبة اللجنة القطرية وكافة رؤساء السلطات المحلية العرب للجلوس مع النائب دهامشة لجلسة تنسيق في 22/5/2005م انتهت بأن "تحافظ كل كتلة على موقفها المختلف" ضمن الالتزام المتبادل ومشاعر "المسؤولية والإخوة ونعود للاجتماع عند المستجدات"......

آمنت الموحدة في حينه كما اليوم ايضا بوجوب التعاون مع القوى الأخرى، في الساحة، وقبلت بالتعددية مع إيمانها الراسخ بأن مواقفها هي الأقرب الى الصواب والاقدر على تحقيق مصالح المجتمع العربي من غيرها.. سعت الموحدة إلى توحيد هذه القوى وجمعها على المشترك، منطلقين من الوعي بالواقع وتعقيداته، ولضرورات المرحلة واحتياجاتها، ولم يكن اعتماد الموحدة لاسمها المتميز "القائمة العربية الموحدة" إلا ترجمة لهذا الإيمان وانطلاقاً منه.....

ما زالت الموحدة تؤمن بأن الاجتهادات المختلفة يجب ان تتعانق وتتعاون خدمة للهدف المشترك: مصالح المجتمع العربي فقط، بدل ان تتصارع وتتنازع خدمة لمصالح جلادينا والمتربصين بنا من عتاة المتطرفين... ما زالت الموحدة تؤمن بان تقاسم الأدوار بينها - رغم الاختلافات في بعض الاجتهادات - أصبح ضرورة ملحة لا مناص منها، وهي الضمان لحشد الجهود في مواجهة التحديات الخارجية بدل ان تتحول الى معول هدم لما تبقى من قلاع وجودنا كمجتمع عربي فلسطيني وشعب فلسطيني يعيش حالة تحرر وطني من ابشع احتلال عرفه التاريخ المعاصر..

إن كانت تلك دوافع البيان في حينه (عام 2006)، فلا شك ان الظروف التي يمر فيها مجتمعنا العربي الفلسطيني داخل إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة، وما يتعرض له من تحديات وما يواجهه من مخاطر بسبب العنصرية المقيتة، إضافة الى ما يتعرض اليه شعبنا الفلسطيني من إبادة تشنها حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش، اكثر الحكومات تطرفا وسادية ووحشية في تاريخ إسرائيل، تستهدف اقتلاعه من الجذور على امتداد الوطن الفلسطيني المحتل عام 1967: قطاع غزة، القدس وفي القلب منه المسجد الأقصى المبارك، والضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، كل هذه الأوضاع تدعونا نحن المجتمع العربي الفلسطيني في اسرائيل جماهيرا واحزابا وقوى فاعلة ومنظمات مجتمع اهلي وقطاعات شعبية، الى إعادة النظر في موروثنا السياسي وترتيب صفوفنا بروح جديدة تضع مجتمعنا على طريق النصر على مشاريع العنصرية والقهر القومي الإسرائيلية...

خطة النصر هذه يجب ان تخلو تماما من كل عناصر النزاع والصراع بكل أشكاله وانواعه وصوره، واستبدالها بالتعاون والتنسيق والتفاهم على قاعدة التنافس الشريف والنزال الفروسي، والاجماع على العمل المشترك لمواجهة التحدي الأخطر وهو حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش. يجب ان نعي اننا في مرحلة تاريخية مفصلية، من حيث قدرتنا على إقصاء حكومة هي الأسوأ في تاريخ إسرائيل واستبدالها بحكومة أقل سوءا وبشاعة.......

هذه المسؤولية التاريخية شاءت الاقدار ان تجعلها من نصيبنا نحن المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل وحدنا دون غيرنا من شعوب الأرض... هذه الفرصة التاريخية قد لا تعود مرة أخرى.... يجب ان نستوعب نحن المجتمع العربي الفلسطيني في اسرائيل ان الدول العربية والإسلامية ومعها المجتمع الدولي برمته لن يستطيعوا اسقاط حكومة نتنياهو الحالية.......... نحن المجتمع العربي نستطيع. جماهيرنا العربية تستطيع....... فكيف لأحد ان يتخلف عن هذا الواجب فيشارك بزخم كبير في الانتخابات القريبة للكنيست التي هي ليست كسابقتها ابدا...

يجب ان تكون هذه الانتخابات بالنسبة لنا انتخابات "ثأرية" ننتقم بها لشعبنا ومجتمعنا من هذه الحكومة التي سجلت صفحات غير مسبوقة من الاجرام والابادة والتخطيط لاستكمال ما تبقى من فصول النكبة بالدفع بالشعب الفلسطيني الذي بقي على ارض وطنه بعد نكبة العام 1948 الى خارج هذا الوطن......

إذا كانت هذه الحكومة قد تبنت خطة "الحسم" التي يتفاخر بها سموتريتش، وبدأت بتنفيذها على الأرض دون أي اعتبار لشرعية دولية او قرارات اممية من خلال ما تنفذه من تصفية فعليه جسدية ومعنوية للشعب الفلسطيني وقضيته، يجب ان تكون الانتخابات القريبة "انتخابات الحسم" بالنسبة لنا أيضا...

اعي تماما ان هنالك قطاعا في مجتمعنا لا يزال مقاطعا لهذه الانتخابات لأسباب أيديولوجية، وأن هنالك قطاعا ثانيا لا يشارك في الانتخابات بسبب اللامبالاة وعدم الاكتراث وربما لعدم تقديره لخطورة الاوضاع التي نعيشها ويعيشها شعبنا الفلسطيني، وان هنالك قطاعا ثالثا قد لا يشارك لخيبة امله من عدم إقامة القائمة المشتركة الرباعية.........

إن كنت مستعدا لتفهم هذه المواقف في غير هذا الوضع الراهن، فإني لا أجد لأحدهم عذرا في هذه المرحلة بالتحديد وامامنا ما امامنا من تحديات وجودية ان استمرت هذه الحكومة في السلطة.....

دعوني أكون صريحا اكثر........... هنالك إمكانية واحدة ستضمن لنتنياهو وبن غفير وسموتريتش العودة الى الحكم من جديد، واستئناف خططهم في استكمال فصول النكبة بما في ذلك نكبتنا نحن المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر... أتعرفون سادتي ما هي هذه الامكانية التي ستكون سببا في نكبتنا القادمة...... انها ببساطة قعود الناخب العربي في بيته وعدم خروجه للتصويت بكثافة متحررا في هذه المرحلة بالذات من كل الأسباب الداعية الى القعود.......

اما المقاطعون لأسباب أيديولوجية دينية فأقول لهم ان في اسلامنا قواعد ناظمة لمسألة التعامل مع الظروف الاستثنائية التي نعيش مثلها في هذه المرحلة من تاريخ فلسطين والأمة: الضرورات تبيح المحظورات، الموازنة بين المفاسد والمفاسد، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، رفع الحرج، المشقة تجلب التيسير، لا ضرر ولا ضرار... الخ، فخروج بعض المسائل الجزئية عن حكم القاعدة الفقهية لوجود حكمة أو مقصد يقتضي ذلك الإخراج، يجعل الحكم الاستثنائي أقرب إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا ما يجعل الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان غير عاجزة عن مواكبة مستجدات العصر ومتطلباته.

تراعي الشريعة الإسلامية أحوال المكلفين كلها سواء كانت عادية أو استثنائية، لأن الناس تختلف أحوالهم من صحة إلى مرض، ومن إقامة إلى سفر، ومن يسر إلى عسر، ومن أمن إلى خوف، ومن سلم إلى حرب، ومن سعة واختيار إلى ضيق واضطرار، ومن شباب وقوة إلى شيخوخة وضعف وغير ذلك، لهذا تنوعت أحكامها إلى أحكام أصلية وأخرى استثنائية، وبتعبير أهل الاصطلاح الفقهي إلى عزيمة وهي ما شرع أولاً غير مبني على الأعذار، ورخصة وهي ما شرع ثانيا مبنيا على الأعذار......

ولأن هذا المقام ليس مقام تفصيل، نسأل السؤال الجوهري: أليست اوضاعنا اليوم امام هذه الحكومة المجرمة عِلَّةٌ تدعونا الى الاخذ بالأحكام الاستثنائية دفعا لمفسدة ثابتة وواضحة وصارخة (حكومة نتنياهو) بمفسدة من المرجح بناء على مجموعة من الوقائع ان تكون أقل ضررا (حكومة بديلة)، خدمةً لهدف جليل وهو تجنيب مجتمعنا وشعبنا ولو القليل من شرور هذه الحكومة التي تتباهى بارتكاب الجرائم ضدنا وضد شعبنا؟!!!!!!....

إذا كان هذا مقالي مع المقاطعين لأسباب أيديولوجية دينية، فكيف سيكون حالي مع من يقاطع لأسباب أيديولوجية وطنية او لا يشارك بسبب اللامبالاة او خيبة الامل من عدم التوصل لمشتركة رباعية...... لا عذر لأحد منكم في ظل الظروف الحالية...

الانتقام من هذه الحكومة يستحق منا ان نتعالى عن كل شيء في سبيل اقصائها عن سدة الحكم، وتخليص مجتمعنا وشعبنا من بلائها، لا لأننا نتوقع ان تأتي حكومة بديلة على مقاسنا كمجتمع عربي وكشعب فلسطيني، ولكن على امل ان تأتي حكومة تكون أقل ضررا من هذه!........

الخلاصة: لا عذر لأحد منا بالقعود..... حريٌّ بنا الخروج وبكثافة لإنقاذ انفسنا وشعبنا..... انها فرصتنا التاريخية التي قد لا تعود، فلننتهزها حتى النهاية!........ خروجنا بكثافة تتجاوز ال – 70% سواء خاضت احزابنا الانتخابات بقائمة مشتركة رباعية واحدة، او خاضتها بقائمتين بينهما ميثاق شرف واتفاقية فائض أصوات وتعاون وتنسيق قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، هو المطلوب...

ليكن هدفنا: اسقاط حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش.... ولنؤجل خلافاتنا الصغيرة الى ما بعد تحقيق هذا الهدف.......

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا