في قرية تل قرب نابلس، تتكرر المأساة ذاتها منذ شهور طويلة. اعتداءات متواصلة تنفذها مجموعات تُعرف بعصابات التلال، مجموعات تعمل بلا خوف ولا محاسبة، وكأنها فوق القانون. الهدف واضح وفجّ: دفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن قراهم ومزارعهم، ومصادرة أراضيهم وبيوتهم ومواشيهم، وتحويل حياتهم إلى دائرة مستمرة من الرعب. ما يجري ليس أحداثًا عابرة، بل سياسة ممنهجة تتغذى من بيئة سياسية متطرفة، ومن حكومة يمينية توفر الغطاء الأمني والسياسي لهذه الاعتداءات.
قيادات المستوطنين اليوم ليست مجرد مجموعات هامشية؛ لقد أصبحت جزءًا من مراكز حساسة في الجيش والأجهزة الأمنية، ما يعزز شعور الفلسطيني بأن المعتدي محمي، وأن الضحية محاصرة. وبينما تتصاعد الاعتداءات، تستمر الحكومة في تقديم نفسها للعالم بصورة مقلوبة: المعتدي يظهر كضحية، والضحية تُحمّل مسؤولية ما جرى لها. هذه الرواية، لا تقنع أحدًا، لأن الوقائع على الأرض تتحدث بوضوح لا يمكن تزويره.
اقتحام المسجد الأقصى من قبل وزراء ومسؤولين، وسط آلاف المقتحمين، هو جزء من محاولة لتغيير الواقع الديني والسياسي في القدس، وفرض سيادة صهيونية-دينية متطرفة جديدة بالقوة. هذا ليس مجرد استفزاز، بل خطوة أخرى في مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل هوية المكان وطمس وجود الفلسطينيين فيه.
في الضفة الغربية، تحولت القرى والمدن إلى سجون محاصرة بالحواجز، تُخنق فيها الحياة اليومية، ويُحرم الناس من أبسط حقوقهم. الفلسطيني اليوم يعيش في واقع تُعامل فيه حياته كأنها بلا قيمة، وأن قتله أو الاعتداء عليه لا يقابل بمحاسبة، بل بتبريرات جاهزة تُحمّله هو مسؤولية ما جرى له.
وفي ظل هذا المشهد، رئيس الحكومة النتنياهو يسعى إلى التصعيد، خاصة بعد أن قُيّدت خياراته في ملفات إقليمية كإيران ولبنان. التصعيد في الضفة، يخدم مصالحه السياسية، ويمنحه فرصة للظهور بمظهر “القائد في زمن الحرب”، في محاولة لتمديد بقائه في السلطة.
أمام هذا الواقع القاسي، لا يرى الفلسطينيون خيارًا سوى الصمود. الصمود في وجه الاعتداءات، الصمود أمام الحصار، الصمود أمام محاولات الاقتلاع. هذا الصمود ليس مجرد موقف سياسي، بل فعل وجودي، دفاع عن الحياة والبيت والأرض والذاكرة.
المصدر:
كل العرب