آخر الأخبار

خطر القيادات التقليدية على شعوبها

شارك

خطر القيادات التقليدية على شعوبها
ليس أخطر على الأوطان من قيادةٍ ترى في الوطن وسيلةً لبقائها، بدل أن ترى نفسها وسيل لخدمة الوطن. فالتاريخ القديم والحديث يعلمنا أن الأمم لا تسقط بسبب قلة الموارد أو ضعف الإمكانات، بل حين تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح همُّ الحاكم الأول حماية كرسي الحكم أكثر من حماية الشعب.

إن بعض القيادات التقليدية لا تؤمن بتداول السلطة، ولا ترى في الديمقراطية إلا تهديا لنفوذها. ولذلك تسعى إلى احتكار القرار، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإقصاء المعارضين، وتكميم الأفواه، حتى يصبح الولاء للحاكم أهم من الولاء للوطن. وفي ظل هذا النهج تتراجع العدالة، ويضعف القانون، ويستشري الفساد، بينما تتقلص فرص التنمية والإبداع.

وعندما تشعر هذه القيادات بأن سلطتها مهددة، فإنها قد تلجأ إلى كل الوسائل للمحافظة عليها، حتى لو كان الثمن إضعاف استقلال القرار الوطني أو الاستعانة بقوى خارجية لحماية النظام. وعندئذٍ يصبح بقاء السلطة أولوية تتقدم على مصالح المواطنين، وهو أمر شهدته تجارب متعددة في دول مختلفة عبر التاريخ واليوم نراه جليا وواضحا في الدول العربية وبالذات في دول الخليج .

أما القيادة الوطنية الحقيقية، فهي التي تدرك أن قوتها مستمدة من ثقة شعبها، وأن شرعيتها تُبنى على احترام القانون، وتحقيق العدالة، وخدمة المواطن، لا على الخوف أو القمع. فالحاكم الذي يخدم شعبه لا يخشى النقد، ولا يخاف الانتخابات، ولا يقلق من وجود معارضة مسؤولة، لأنه يعلم أن الشعب هو مصدر الشرعية.

ولذلك نجد أن كثيرا من الدول الديمقراطية المتقدمة استطاعت أن تبني مؤسسات قوية تتجاوز الأشخاص، فأصبح المسؤول موظفا عاما يخضع للمساءلة، ويمكن استبداله عبر الوسائل الديمقراطية دون أن تهتز الدولة أو تدخل في الفوضى. إن قوة هذه الدول لا تكمن في الأشخاص، بل في قوة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، ووعي المواطنين.

إن الأوطان لا تُبنى بالاستبداد، ولا تُحمى بالخوف، ولا تزدهر بالفساد، وإنما تُبنى بالعلم، والعدل، والحرية، واحترام الإنسان. فكلما ارتفع منسوب المشاركة الشعبية والشفافية، ازدادت قوة الدولة وتماسكها، وكلما غابت المحاسبة، اتسعت دائرة الفساد وتراجعت ثقة الناس بمؤسساتهم.

إن الشعوب الواعية لا تطلب حاكما معصوما من الخطأ، وإنما تطلب قيادةً نزيهة، متواضعةً، تؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الإنسان هي أعظم إنجاز يمكن أن يحققه أي مسؤول.

فلنجعل مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية، و نرسخ ثقافة المؤسسات بدل عبادة الأفراد، ونؤمن بأن قوة الدول لا تُقاس بطول عمر الحكومات، بل بقدرتها على تحقيق الأمن والعدالة والكرامة والتنمية لجميع المواطنين. فالوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من كل سلطة، وسيبقى التاريخ يخلد القادة الذين خدموا شعوبهم، لا الذين تمسكوا بالحكم على حساب أوطانهم.

الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا