قال الباحث والمحلل السياسي محمد دراوشة إن الظروف التي يحتجز فيها مدير مستشفى كمال عدوان، الدكتور حسام أبو صفية، تكشف عمق الانتهاكات التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق المعتقلين الفلسطينيين، مؤكدا أن قضيته تتجاوز الاعتقال الفردي وتمثل دليلا على طبيعة المنظومة التي تدير هذا الاحتجاز.
جاءت تصريحات دراوشة لموقع "بكرا" في أعقاب زيارة إضافية أجراها محاميان للدكتور أبو صفية داخل مرفق "ركيفت" الواقع تحت الأرض، حيث أفاد بأنه تعرض مجددا للضرب على أيدي السجانين بعد زيارة محاميه السابقة، وأن إصابة في إصبعه تسببت له بنزيف، إضافة إلى احتجازه وحيدا في عزل تام.
وقال أبو صفية لمحاميه خلال الزيارة: "اعملوا بأية وسيلة لإخراجي من هذا المكان"، مطالبا بنقله من مرفق "ركيفت"، وإنهاء عزله، وتوفير رعاية طبية مناسبة له.
"صرخة إنسان يُسحق ببطء"
وقال دراوشة لـ"بكرا" إن الزيارة الأخيرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حدثا عابرا، موضحا أنها كشفت عن مستوى خطير من القسوة في ظروف احتجاز أبو صفية.
وأضاف: "حين يقول الدكتور لمحاميه افعلوا كل ما بوسعكم لإخراجي من هذا المكان، فهذه ليست مجرد صرخة ألم، بل صرخة إنسان يُسحق ببطء داخل منظومة لا تعترف بإنسانيته".
وأشار إلى أن ما ورد في إفادة أبو صفية حول الضرب المتكرر، والعزل التام، والإهمال الطبي، ومنع إجراء فحص مستقل، يثير مخاوف جدية بشأن سلامته الجسدية والنفسية.
الاعتقال دون اتهام
ويحتجز أبو صفية في إسرائيل منذ ديسمبر 2024 من دون تقديم لائحة اتهام بحقه أو إخضاعه للمحاكمة. وقال دراوشة إن اعتقال طبيب خلال تأديته عمله الإنساني يحمل دلالات خطيرة.
وأضاف: "حين يُعتقل طبيب أثناء عمله، فهذا يعني أن الاحتلال يعادي فكرة الحياة نفسها. الدكتور لم يكن يحمل سلاحا، بل كان يعالج الأطفال. استمرار احتجازه من دون تهمة يثبت أن الاحتلال لا يخشى السلاح فقط، بل يخشى الشهادة والحقيقة".
ورأى أن استهداف الأطباء في قطاع غزة لا يمكن فصله عن محاولات طمس الرواية الطبية والإنسانية المتعلقة بما جرى خلال الحرب.
مخاوف من تدهور وضعه الصحي
وبحسب الإفادة التي نقلها محامياه، خضع أبو صفية لفحص طبي وصورة أشعة بعد الزيارة السابقة، لكنه لم يحصل على نتائج الفحوصات. كما تلقى مسكنات للألم لعدة أيام قبل وقفها.
وطلب أبو صفية خلال الزيارة إخضاعه لفحص لدى طبيب عيون، بعد ظهور مشكلة في عينه اليمنى، وإعادة نظارته الطبية، والاستمرار في تزويده بالمسكنات.
وقال دراوشة إن كل يوم يمر داخل المعتقل يزيد الخطر على حياة أبو صفية.
وأضاف: "الضرب الذي تعرض له بعد الزيارة السابقة، واحتجازه وحيدا، وإصابته في إصبعه وعينه، وغياب العلاج المناسب، كلها تشير إلى أن الأمر لا يقتصر على الاعتقال، بل يشمل تفكيكا بطيئا لإنسانيته".
زيارة بلا سرية
وجرت الزيارة في ظل وجود سجانين ملثمين في غرفة مجاورة، وعلى مسافة تتيح لهما سماع الحديث. كما تم التواصل مع أبو صفية عبر حاجز معتم وباستخدام هاتف، في ظروف لا تضمن سرية التواصل بين المعتقل ومحاميه.
وقال دراوشة إن هذه الإجراءات لا تندرج فقط ضمن الترتيبات الأمنية.
وأضاف: "الحاجز المعتم، والهاتف المراقب، ووجود السجانين الملثمين، كلها أدوات ترهيب تهدف إلى منع أي تواصل قانوني وإنساني حقيقي".
دعوة إلى تدخل طبي وحقوقي
وتقول منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" إن المعلومات الجديدة تستوجب تدخلا فوريا، وإجراء فحص طبي وقانوني مستقل لوضع أبو صفية وظروف احتجازه.
كما تطالب المنظمة بتسليم ملفه الطبي، والسماح لطبيب مستقل بزيارته، ونقله من المرفق الواقع تحت الأرض، وإنهاء عزله.
وقال دراوشة إن المؤسسات الطبية والحقوقية الدولية تقف أمام اختبار أخلاقي حقيقي.
وأضاف: "حين يُمنع مدير مستشفى من الحصول على العلاج، ويُرفض تسليم ملفه الطبي، ويُمنع طبيب مستقل من فحصه، فهذا وحده كاف لإدانة المنظومة بأكملها".
وأكد أن الصمت الدولي يمنح السلطات الإسرائيلية مزيدا من الوقت للاستمرار في هذه الممارسات، داعيا إلى تصعيد الضغط الطبي والحقوقي والإعلامي.
"قضيته تكشف جوهر الاحتلال"
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع التماس قدمته منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" للمطالبة بالإفراج عن 14 طبيبا فلسطينيا من قطاع غزة، بينهم أبو صفية، يحتجزون من دون لوائح اتهام أو محاكمة.
وكانت الدولة قد طلبت رد الالتماس من دون عقد جلسة، فيما طلبت المحكمة من المنظمة والملتمسين تقديم ردهم على موقف الدولة حتى 19 يوليو.
واختتم دراوشة حديثه لـ"بكرا" بالقول: "قضية الدكتور حسام أبو صفية ليست قضية شخص واحد، بل قضية تكشف جوهر الاحتلال. احتلال يعتقل طبيبا كان ينقذ الأطفال هو احتلال فقد آخر ما تبقى من قناعه الأخلاقي. استمرار اعتقاله وصمة عار على كل جهة تلتزم الصمت".
وأكد أن الوقت ليس في صالح أبو صفية، وأن استمرار احتجازه من دون تدخل مستقل يشكل خطرا متزايدا على حياته.
المصدر:
بكرا