قال الصحافي والمخرج الوثائقي نوعام شيزاف إن إنهاء الاحتلال وبناء شراكة عربية يهودية حقيقية لا يمكن أن يتحققا من خلال الاحتجاج والعمل الميداني وحدهما، بل يتطلبان قوة سياسية فاعلة داخل الكنيست، قادرة على ترجمة هذه المطالب إلى قرارات وتشريعات.
وجاءت تصريحات شيزاف لموقع "بكرا" على خلفية الحراك السياسي داخل حزب "الديمقراطيين"، بالتوازي مع نشاط "منتدى دوف"، الذي يعمل على إعادة قضايا السلام، والتسوية السياسية، والتعاون مع الأحزاب العربية إلى صدارة برنامج الحزب.
وقال شيزاف لـ"بكرا": "من أجل إنهاء الاحتلال وبناء شراكة عربية، نحن بحاجة إلى قرارات سياسية من الكنيست، وإلى قوة سياسية داخل الكنيست. حتى في جنوب أفريقيا، كان إنهاء نظام الفصل العنصري يحتاج إلى أغلبية داخل أحزاب البيض. هذا ما نحاول بناءه، وأعتقد أن حزب الديمقراطيين هو الطريق الصحيح لتحقيق ذلك".
وأضاف أن انضمامه إلى الحزب جاء انطلاقا من رغبته في التأثير على توجهاته من الداخل، ودفعه إلى تبني موقف أكثر وضوحا تجاه الاحتلال والشراكة مع المجتمع العربي.
وقال: "لا يزال أمام الحزب طريق يجب أن يقطعه، سواء في معارضته الصريحة للاحتلال أو في دعمه الواضح للشراكة. ولهذا السبب انضممت إليه، من أجل تحريكه باتجاهنا".
إعادة الاحتلال إلى الخطاب السياسي
انضم شيزاف خلال الأشهر الأخيرة إلى حزب "الديمقراطيين"، وأطلق مسارا يهدف إلى إعادة مصطلح "الاحتلال" إلى لغة الحزب وبرنامجه السياسي، بعد سنوات تراجع خلالها استخدامه داخل أحزاب اليسار الصهيوني.
ويرى شيزاف أن أحزاب العمل وميرتس ابتعدت تدريجيا عن هويتها كأحزاب سلام، وتجنبت الحديث المباشر عن الاحتلال والمستوطنات والسيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين، في محاولة للاقتراب من ناخبي الوسط.
وبحسب موقفه، فقد أدى هذا التراجع إلى ترك ناشطي السلام، ومنظمات حقوق الإنسان، والمتظاهرين ضد الحرب، والناشطين في الضفة الغربية، من دون تمثيل سياسي واضح داخل الكنيست.
ويقول شيزاف إن حزب "الديمقراطيين" يجب أن يتحول إلى بيت سياسي لهذه المجموعات، لا أن يكتفي بخطاب عام حول الديمقراطية والمساواة، من دون ربطه بالاحتلال والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الشراكة مع الأحزاب العربية
يضع شيزاف الشراكة اليهودية العربية في مركز المشروع السياسي الذي يسعى إلى دفعه داخل الحزب.
وكان قد دعا خلال نشاطه الحزبي إلى فتح حوار مع الأحزاب العربية، بما في ذلك حزب التجمع الوطني الديمقراطي، مؤكدا أن العرب يجب أن يُعاملوا كشركاء سياسيين، وليس فقط ككتلة مانعة أو كأصوات تستخدم لإسقاط حكومة اليمين.
وقال إن الإعلان الواضح عن الشراكة العربية اليهودية يجب أن يكون جزءا من عملية إعادة بناء اليسار، إلى جانب المطالبة بإنهاء الحرب، ووقف الاحتلال، والتوصل إلى تسوية سياسية.
ويعارض شيزاف النهج الذي يتبنى لغة اليمين بهدف كسب أصوات من المركز، معتبرا أن هذا النهج جعل أحزاب اليسار تفقد هويتها السياسية وقدرتها على تقديم بديل.
منتدى دوف وصراع الهوية داخل الحزب
تأتي تصريحات شيزاف بالتزامن مع نشاط "منتدى دوف"، وهو مجموعة ضغط تضم نحو ألفي عضو من الشباب في حزب "الديمقراطيين"، وتسعى إلى دعم مرشحين يتبنون مواقف واضحة بشأن حل الدولتين، والمفاوضات مع الفلسطينيين، وإخلاء المستوطنات، والتعاون مع الأحزاب العربية.
وخلال مؤتمر نظمه المنتدى في تل أبيب، طُرحت على أعضاء الكنيست والمرشحين أسئلة حول حدود التعاون مع الأحزاب العربية، ومستقبل المستوطنات، وإمكانية استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
ورغم التقارب بين شيزاف والمنتدى، فإنه ينتمي إلى تيار أكثر وضوحا في استخدام مصطلح الاحتلال، وأكثر ارتباطا بنشاط منظمات السلام وحقوق الإنسان في الضفة الغربية.
ووصف شيزاف أعضاء "منتدى دوف" بأنهم مجموعة شابة، تميل إلى خطاب سياسي وأمني أكثر من ارتباطها بالنشاط الميداني، لكنه أكد وجود تقارب بين الطرفين وضرورة التعاون لإعادة بناء قوة يسارية داخل الحزب.
لا تغيير من دون أغلبية سياسية
يرى شيزاف أن الاحتجاجات والنشاط الحقوقي ضروريان، لكنهما لا يكفيان لإحداث تغيير في السياسات الإسرائيلية.
وبحسب طرحه، فإن إنهاء الاحتلال يحتاج إلى أغلبية سياسية داخل مؤسسات الدولة، وإلى حزب مستعد لتحمل كلفة تبني مواقف واضحة، بدلا من الاكتفاء برسائل مبهمة هدفها عدم خسارة أصوات الوسط.
ويستند في ذلك إلى تجربة جنوب أفريقيا، حيث لم يكن النضال الشعبي والدولي وحده كافيا لإنهاء الفصل العنصري، بل تطلب الأمر أيضا تحولا سياسيا داخل الأحزاب والمؤسسات التي كانت تسيطر على الحكم.
ويعتقد شيزاف أن حزب "الديمقراطيين" يمكن أن يشكل إطارا لبناء هذه القوة، لكنه يشدد على أن الحزب لم يصل بعد إلى الموقف المطلوب، وأن تغيير خطابه يحتاج إلى ضغط داخلي وعمل منظم.
ويقول إن الهدف من انضمامه ليس الاندماج في الخط السياسي القائم، بل تغييره من الداخل، ودفع الحزب إلى إعلان معارضته للاحتلال ودعمه للشراكة العربية اليهودية بصورة أكثر وضوحا.
فراغ سياسي في قضايا الحرب والسلام
يعتبر شيزاف أن قضايا إنهاء الحرب، والاحتلال، والسلام، والشراكة العربية اليهودية، أصبحت تمثل مساحة سياسية شبه خالية، في وقت تتنافس فيه أحزاب وشخصيات عديدة على جمهور الوسط.
ويرى أن هذا الفراغ يمنح "الديمقراطيين" فرصة للنمو، خصوصا في ظل اتساع مشاعر التعب واليأس من استمرار الحرب وغياب أفق سياسي.
وكان شيزاف قد قال إن الحديث عن الاحتلال والسلام ليس عبئا على الحزب، بل أحد أهم أصوله السياسية، وإن مطالبة الحزب بإنهاء الحرب يمكن أن تمنحه صدقية لا تملكها أحزاب الوسط.
ويؤكد أن استعادة اليسار لقوته لن تتحقق عبر تخفيف مواقفه أو تقليد خطاب اليمين، بل عبر بناء مشروع سياسي واضح يجمع بين إنهاء الاحتلال، والتسوية مع الفلسطينيين، والشراكة المتساوية مع المواطنين العرب.
المصدر:
بكرا