تواصل النيابة العامة، ولا سيما نيابة لواء الجنوب، جهودها المكثفة في مواجهة ظاهرة السلاح غير القانوني، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر مصادر العنف والجريمة في المجتمع العربي،
مصدر الصورة
وبشكل خاص في منطقة الجنوب والنقب. فالأسلحة غير المرخصة لم تعد مجرد أدوات تُستخدم في نزاعات محلية، بل أصبحت عاملاً مركزياً يغذي دوائر العنف، يهدد حياة المواطنين، ويمس بسيادة القانون وبالأمن العام.
"سلاح يتدفق عبر الحدود"
في السنوات الأخيرة، تكشف المعطيات عن تصاعد مقلق في حجم الأسلحة التي يتم ضبطها، لا سيما عبر الحدود مع مصر والأردن. ففي حين جرى في عام 2021 ضبط عشرات قليلة من قطع السلاح التي هُرّبت عبر هذه الحدود، تضاعفت الكمية في العام التالي، وفي عام 2023 ضُبط نحو 200 سلاح تم تهريبها إلى إسرائيل.
وفي عام 2024 بدأ المهربون باستخدام الطائرات المسيّرة بوتيرة متزايدة، ما أدى إلى ضبط 316 مسدساً وقطع سلاح. وفي عام 2025 ضُبطت 90 قطعة سلاح تم تهريبها من الحدود الأردنية، بينما بلغ الخطر ذروته في نهاية العام، عندما أسقطت قوات الجيش طائرة مسيّرة كانت تحمل أربعة رشاشات من نوع "ماغ".
وبحسب النيابة العامة، فإن الارتفاع في عدد الأسلحة المضبوطة لا يعكس فقط تحسناً في النشاط الشرطي والاستخباراتي، بل يدل أيضاً على اتساع حجم السلاح غير القانوني المتداول في الميدان. فكلما ازدادت الكميات، ازدادت فرص ضبطها، إلا أن ذلك لا يقلل من خطورة الصورة العامة: السلاح مستمر في التدفق إلى البلاد، وإلى داخل البلدات العربية، وإلى شوارع أصبحت تدفع ثمناً يومياً من الدم والخوف.
من سنة إلى ثلاث سنوات: النيابة تطالب بالتشديد والمحاكم تستجيب
المحامي بر يوسف من نيابة لواء الجنوب يوضح أن التعامل مع جرائم السلاح كان دائماً في صلب أولويات النيابة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً في سياسة الإنفاذ والعقاب. ويقول: “جرائم السلاح كانت، منذ البداية، من الملفات التي تعامل معها المشرّع والنيابة بمنتهى الجدية. ابتداءً من عام 2016 بدأت مرحلة تشديد واضحة، بعد صدور توجيهات من النيابة العامة تطالب بعقوبات أشد في قضايا السلاح”. ويشير إلى أن "سياسة العقاب تغيرت بصورة ملموسة. ففي الماضي، كانت النيابة تطلب في كثير من ملفات السلاح عقوبات تتراوح بين 12 و14 شهراً، أما اليوم فقد تصل طلبات النيابة، وفق نوع المخالفة وظروفها، إلى 36 شهراً وأكثر، مع اتجاه إضافي نحو تشديد العقوبات في الملفات الأشد خطورة، خصوصاً قضايا الاتجار، حمل السلاح، وإطلاق النار في مناطق مأهولة".
وتؤكد النيابة أن "هذا التوجه لا يبقى فقط في قاعات الادعاء، بل بدأ ينعكس أيضاً في أحكام المحاكم، التي باتت تتعامل مع جرائم السلاح باعتبارها تهديداً مباشراً على حياة المواطنين، وعلى الأمن الشخصي، وعلى سيادة القانون في البلدات العربية وفي منطقة الجنوب بشكل خاص".
"الأدلة الرقمية تدخل ساحة المواجهة"
من أبرز التحولات في عمل النيابة خلال السنوات الأخيرة، الاعتماد المتزايد على الأدلة الرقمية. فلم تعد قضايا السلاح محصورة فقط في الحالات التي يُضبط فيها السلاح فعلياً بيد المتهم. فقد بدأت النيابة بتقديم لوائح اتهام تعتمد على مقاطع فيديو، صور، محادثات “واتساب”، ومحتوى منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه مشتبهون وهم يحملون أسلحة، يطلقون النار، يتحدثون عن أسعار، أو ينسقون صفقات.
ويقول المحامي بر يوسف في هذا السياق: “بدأنا نركز بقوة على مقاطع الفيديو والصور. في البداية كان هناك تحدٍ قانوني: كيف نثبت أن ما يظهر في الفيديو هو سلاح حقيقي؟ لذلك عملنا مع مختبرات الأدلة الرقمية، ومع خبراء في الأسلحة والـ‘آيرسوفت’، ومع خبراء إطلاق نار، حتى نستطيع بناء ملف متكامل يثبت وجود السلاح واستخدامه، حتى من دون أن يكون السلاح موجوداً أمام المحكمة”.
"الاستعراض بالسلاح لم يعد مجرد صورة"
هذا التوجه منح النيابة أداة إضافية في مواجهة ثقافة استعراض السلاح، خصوصاً في الخلافات العائلية، النزاعات بين المجموعات الإجرامية، والمقاطع التي تُنشر على وسائل التواصل كرسائل تهديد أو تفاخر. فبحسب النيابة، نشر صورة مع سلاح أو مقطع إطلاق نار لم يعد مجرد “استعراض”، بل قد يتحول إلى دليل جنائي يُستخدم في تقديم لائحة اتهام وطلب عقوبة حقيقية.
الجنوب: موقع جغرافي معقد وسوق سلاح يتسع!
في منطقة الجنوب، ترى النيابة أن الظاهرة أكثر تعقيداً بسبب الموقع الجغرافي، طرق التهريب، المساحات الواسعة، وتداخل الجريمة المنظمة مع النزاعات المحلية. ويقول المحامي بر يوسف: “السلاح يدخل بكميات هائلة، سواء عبر التهريب البري أو عبر الطائرات المسيّرة. الشرطة تبذل جهوداً كبيرة، لكن في النهاية هناك كمية أكبر من الأسلحة في السوق، وهذا يظهر أيضاً من خلال الأسعار. إذا كان مسدس من نوع غلوك يُباع في الماضي بنحو 50 ألف شيكل، فقد يصل اليوم إلى 25 ألفاً، أما بندقية M16 التي كان سعرها يقارب 100 ألف شيكل، فيمكن اليوم الحصول عليها أحياناً بنحو 60 ألفاً”.
ولا يقتصر الخطر على الجريمة الجنائية فقط. فالنيابة تشير إلى أن بعض الأسلحة المهربة استُخدمت لاحقاً في اعتداءات أمنية، ما يجعل الظاهرة تهديداً مزدوجاً: جنائياً وأمنياً. فالسلاح الذي يدخل إلى السوق غير القانوني قد يستخدم في جريمة قتل داخل بلدة عربية، في إطلاق نار على منزل، في تهديد عائلة، أو في عملية ذات خلفية أمنية.
ارتفاع في عدد لوائح الاتهام
بالتوازي مع ارتفاع أعداد الملفات، تُظهر المعطيات زيادة في عدد لوائح الاتهام التي تقدمها النيابة في قضايا السلاح. ففي عام 2024 قُدمت 67 لائحة اتهام تتعلق بإطلاق نار من سلاح ناري في منطقة سكنية، بينما ارتفع العدد في عام 2025 إلى 83 لائحة اتهام.
وتؤكد النيابة أن العقوبات المطلوبة في هذه الملفات لم تعد رمزية. ففي قضايا الاتجار بمسدس قد تصل العقوبة إلى 72 شهراً، وفي الاتجار ببندقية إلى 84 شهراً، أما حمل مسدس فقد تصل العقوبة فيه إلى 48 شهراً، بحسب ظروف الملف، نوع السلاح، خلفية المتهم، والسياق الذي استُخدم فيه السلاح أو حُمل من أجله.
المحاكم تشدد: لا يكفي الحديث عن الخطورة
وقد بدأت المحاكم هي الأخرى تعكس في أحكامها خطورة الظاهرة. ففي أحد الأحكام الصادرة عن المحكمة المركزية في بئر السبع، حُكم على شاب بلا سوابق جنائية بالسجن الفعلي لمدة 36 شهراً بعد إدانته بحمل سلاح غير قانوني. وشددت المحكمة في قرارها على أن انتشار السلاح غير القانوني في النقب يفرض رداً واضحاً وحازماً من جميع الجهات، بما فيها المحاكم، حتى لا تتحول مناطق كاملة إلى ساحات نفوذ لحاملي السلاح والخارجين عن القانون.
العقوبة الاقتصادية: حين تكون المصادرة أكثر إيلاماً من السجن
إلى جانب العقوبات السجنية، تركز النيابة بشكل متزايد على العقوبات الاقتصادية والمصادرة. فبحسب التجربة المتراكمة، قد تكون مصادرة سيارة فاخرة أو أموال مرتبطة بالجريمة أكثر إيلاماً وردعاً من السجن نفسه.
ويقول المحامي بر يوسف: “في كثير من الحالات نرى أن العقوبة الاقتصادية أكثر ردعاً من عقوبة السجن. ما يؤلم المجرم فعلاً هو أن تُصادر منه سيارة اشتراها بنصف مليون شيكل قبل أيام. أما السجن، فبعضهم يتعامل معه كجزء من اللعبة، وقد يواصل التأثير على من حوله حتى من داخل السجن”.
ولهذا السبب، تعمل النيابة على توسيع استخدام أدوات المصادرة، ليس فقط لمعاقبة المتورطين بعد إدانتهم، بل أيضاً لضرب البنية الاقتصادية التي تموّل شراء الأسلحة، التهريب، والحماية الإجرامية. فالهدف لم يعد ملاحقة حامل السلاح فقط، بل المساس بمنظومة كاملة تشمل المورد، الوسيط، الممول، الناقل، والمستخدم النهائي.
تعديلات تشريعية لتعزيز أدوات النيابة
كما تدعم النيابة تعديلات تشريعية من شأنها تعزيز أدوات إنفاذ القانون. ومن بين القضايا المطروحة: تعديل تعريف “السلاح” في القانون، بما يسمح بالتعامل بشكل أفضل مع النسخ المقلدة، مسدسات “آيرسوفت” ومسدسات الإشارة التي يتم تحويلها إلى أسلحة قاتلة.
كذلك تُدرس تعديلات في قانون الأدلة، بما يتيح في ظروف معينة استخدام شهادات أو أدلة كانت محدودة سابقاً، وتعزيز القدرة على التعامل مع ملفات تعتمد على صور ومقاطع رقمية.
أرز فدان: السلاح غير القانوني يهدد سيادة القانون وأمن الدولة
مدير نيابة لواء الجنوب، المحامي أرز فدان، يؤكد أن النيابة ترى في السلاح غير القانوني خطراً استراتيجياً على المجتمع والدولة، وليس مجرد ملف جنائي عادي. ويقول: “السلاح غير القانوني يغذي دوائر العنف الخطير والدامي، ويشكل تهديداً حقيقياً لسيادة القانون ولأمن الدولة. الجهد الإنفاذي كبير، وفي كل عام ندير إجراءات جنائية ضد مئات المتورطين في جرائم سلاح”. ويضيف فدان أن التعامل مع الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على تقديم لوائح اتهام فقط، بل يتطلب عملاً مشتركاً مع الشرطة، الشاباك، السلطات المحلية، والقيادات المجتمعية.
ويقول: “نحن نعمل مع الشرطة والشاباك لتوسيع وتعميق الضربات ضد مسارات التزويد والتمويل الخاصة بوسائل القتال غير القانونية. وإلى جانب الإنفاذ، نعمل أيضاً على تطوير برامج للوقاية وتعزيز التعاون مع المجتمع، انطلاقاً من فهم واضح بأن تقليص العنف يحتاج إلى جهد مشترك ومسؤولية من جميع الجهات”.
المعركة ليست على قطعة سلاح فقط
وتؤكد النيابة أن ظاهرة السلاح غير القانوني ليست مشكلة تخص جهة واحدة أو مجتمعاً واحداً فقط، لكنها في المجتمع العربي، وخاصة في الجنوب، أصبحت عاملاً مركزياً في ارتفاع عدد الضحايا، وتعميق الخوف داخل البلدات، وإضعاف ثقة الجمهور بقدرة الدولة على حماية المواطنين. لذلك، فإن المعركة ضد السلاح لا تُقاس فقط بعدد الأسلحة التي تُضبط، بل بعدد لوائح الاتهام، مستوى العقوبات، مصادرة الأموال والممتلكات، قطع طرق التهريب، ومنع الجيل القادم من الدخول إلى دائرة السلاح والعنف.
وفي ظل استمرار تدفق الأسلحة، تؤكد النيابة العامة أن الطريق ما زال طويلاً، وأن كل لائحة اتهام وكل حكم مشدد هي جزء من معركة واسعة. فالسلاح غير القانوني ليس مجرد قطعة حديد، بل أداة تقتل، تهدد، تبتز، وتفكك نسيج المجتمع.
ومن هنا، ترى النيابة أن مواجهته تتطلب رسالة واضحة: من يحمل السلاح، يتاجر به، يطلق النار، أو يستعرضه، سيواجه ملاحقة جنائية جدية، عقوبات مشددة، وضرباً مباشراً في ماله وممتلكاته.
مصدر الصورة
المصدر:
بانيت