لقد اختلط الحابل بالنابل وأصبحت الوطنية المنافقة وسيلة لكسب المال
لقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت المفاهيم عند البعض مقلوبة، حتى بات من الصعب التفريق بين صاحب المبدأ وصاحب المصلحة، وبين الوطني الحقيقي ومن يتخذ الوطنية والقومية سلعة يبيعها ويشتري بها لتحقيق مكاسب شخصية.
إن الوطنية ليست شعارا يرفع في المهرجانات، ولا خطابات حماسية تلقى أمام الجماهير، ولا كلمات رنانة تكتب على صفحات التواصل الاجتماعي. الوطنية موقف، والتزام، وصدق مع النفس ومع الناس، وثبات على المبادئ مهما كانت التحديات.
ولكن المؤسف أن هناك من يتحدث صباحا عن الكرامة والعزة والقومية، ثم ينسى كل ذلك مساءا عندما تقترب منه المصلحة أو المنصب أو النفوذ. فمن كان يهاجم بالأمس دويلات عميلة للامبريالية ، أصبح اليوم يمدح، ومن كان يصف بعض الممارسات بالخيانة، بات يبررها عندما أصبحت تخدم مصالحه. فهل تغيرت المبادئ، أم تغيرت المصالح؟
إن أخطر أنواع النفاق هو النفاق السياسي، لأنه لا يضلل فردا واحدا، بل قد يضلل مجتمعا بأكمله. فهو يهز ثقة الناس بالقيادات، ويجعل المواطنين يفقدون إيمانهم بالعمل العام، عندما يرون أن بعض المواقف تباع وتشترى، وأن المبادئ تتغير بتغير المصالح.
وليس المقصود هنا من يراجع موقفه بعد دراسة أو قناعة جديدة، ومراجعة المواقف بشجاعة فضيلة إذا كانت مبنية على الحقائق والمصلحة العامة. أما أن يصبح الميزان الوحيد هو المنفعة الشخصية، فذلك ليس مراجعة، بل انتهازية تسيء إلى القيم الوطنية والأخلاقية.
إن الأوطان لا تُبنى بالمنافقين، ولا بالمتلونين، ولا بمن يغيرون مواقفهم كما تغير الرياح اتجاهها، وإنما تُبنى بأصحاب الضمائر الحية الذين يقدمون المصلحة العامة على مصالحهم الشخصية، ويقولون كلمة الحق مهما كان ثمنها.
فلنحاسب الأشخاص بأفعالهم لا بشعاراتهم، وبيناتهم انهم هم على مبادئهم لا ببلاغة خطاباتهم. فالوطن بحاجة إلى رجال ونساء يصدقون فيما يقولون، ويعملون بما يؤمنون، لأن الأوطان لا يحميها الكلام، بل تحميها القيم والمواقف الصادقة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا: هل أصبحت الوطنية عند البعض عقيدة راسخة، أم مجرد وسيلة للوصول إلى المصالح والأهداف الشخصية ؟ إن الإجابة لا تصنعها الأقوال، وإنما تصنعها الأفعال والمواقف ، فالأفعال والمواقف هي الشاهد الصادق على صدق الإنسان، أما الشعارات فقد يرفعها الجميع.
الدكتور صالح نجيدات
المصدر:
كل العرب