آخر الأخبار

قال ابن خلدون: "من غلبت عليه شهوة الدنيا، أعمت بصيرته."

شارك

قال ابن خلدون: "من غلبت عليه شهوة الدنيا، أعمت بصيرته."

نعم، صدقت يا سيدي ابن خلدون، فما أصدق هذه الحكمة، وما أشد حضورها في واقعنا اليوم. فحين تستولي شهوة الدنيا على قلب الإنسان، وتصبح المادة والمال واللذة غايته الكبرى، تضعف بصيرته، ويختل ميزان الحق والباطل لديه، فلا يعود يميز بين الحلال والحرام، ولا بين الخير والشر.

إن ما نشهده في كثير من المجتمعات من جرائم قتل، واعتداءات، وصراعات على المال والنفوذ، إنما يعكس إلى حد كبير تغلغل حب الدنيا في النفوس. فكم من أخٍ قتل أخاه بسبب المال أو الميراث، وكم من إنسان باع ضميره من أجل مكسب مادي او منصب زائل، أو جمع المال بالطرق المحرمة، غير مبالٍ بما يترتب على ذلك من ظلم وفساد.

وقد وصف الله تعالى الدنيا بأنها متاع زائل، وحذّر من الاغترار بزخرفها، لأنها ليست دار بقاء، وإنما دار ابتلاء وعمل، والإنسان العاقل هو من يجعلها وسيلة لا غاية، ويقدّم القيم والمبادئ على المصالح الشخصية.

ولا يقتصر أثر الانغماس في الشهوات على حب المال فحسب، بل يمتد إلى الانجراف وراء الشهوات والغرائز، فتنتشر مظاهر الانحلال الأخلاقي، وتضعف قيم العفة والحياء، وتغدو الماديات هي المقياس الذي يُقاس به نجاح الإنسان ومكانته. وعندما تصبح الشهوة هي القائد، يتراجع العقل، وتخبو الروح، وتضعف الرحمة، ويحل محلها الجشع والأنانية.

إن المجتمعات لا تُبنى بالثروة وحدها، وإنما تُبنى بالأخلاق والقيم والضمير الحي. فإذا اضمحلت الأخلاق، وضعفت المبادئ، وغابت الروحانيات، وتراجع الوازع الديني الذي يهذب السلوك ويضبط التصرفات، فقد المجتمع جزءا كبيرا من إنسانيته، مهما بلغ من التقدم المادي.

إن الأمن والأمان والاستقرار لا يتحققان بالقوانين وحدها، بل يتحققان أيضا بتربية الإنسان على مخافة الله، واحترام حقوق الآخرين، والقناعة، والعدل، والرحمة، والتكافل. فالأخلاق هي السياج الحقيقي الذي يحمي المجتمعات من التفكك والانهيار.

رحم الله ابن خلدون، فقد لخّص في كلمات قليلة حقيقةً خالدة: "من غلبت عليه شهوة الدنيا، أعمت بصيرته." وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الاعتبار للقيم والأخلاق، وأن نربي أبناءنا على أن المال وسيلة للعيش الكريم، لا غاية تستحق أن نخسر من أجلها ديننا، وأخلاقنا، وإنسانيتنا وحياتنا.
الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا