لم تكن مباراة بلجيكا ضد الولاياة المتحدة مباراة عادية في مونديال أمريكا الشمالية .. فالقصة بدأت عندما ظن الرئيس الأمريكي ترامب أنه قد يتمكن من يزيد من شعبيته بين الأمريكيين، بعدما تفاخر بأنه ضغط على جياني إنفانتينو لإعادة النظر في إيقاف فولارين بالوغون بسبب البطاقة الحمراء قبل مباراة بلجيكا. وكان ترامب قد برر ذلك بقوله إن بالوغون هو أفضل لاعب في المنتخب الأمريكي، وإن "أفضل اللاعبين يجب أن يشاركوا في مثل هذه المباريات".
وقد خصصت صحيفة "زودويتشه تسايتونغ" الألمانية في عددها الصادر يوم (الثلاثاء السابع من يوليو/ تموز 2026) مقالا تحليليا مفصلا عرضت لهذا التدخل السافر في قوانين اللعبة وبالتالي ضرب مصداقية تظاهرة عالمية من حجم بطولة العالم لكرة القدم. وقد بدا الأمر وكأن ترامب، الحائز على "جائزة فيفا للسلام"، أصبح يقرر بنفسه ما إذا كانت البطاقة الحمراء تستحق العقوبة أم لا.
وقالت الصحيفة أنه نادرًا ما انطبقت المقولة الشهيرة للمدرب الألماني أوتو ريهاغل، التي تقول إن "الحقيقة تُحسم على أرض الملعب"، كما على مبارة بلجيكا والولايات المتحدة. فقد ظهر المنتخب البلجيكي منذ البداية في قمة الحماس، وكان بإمكانه تسجيل أهدافه الأربعة خلال أول خمس عشرة دقيقة.
وفي المقابل، بدا المنتخب الأمريكي مرتبكا بصورة لافتة، ولم يكن مهاجمه بالوغون أفضل لاعبيه ولا أسوأهم، بل انسجم مع حالة الارتباك العامة التي سيطرت على الفريق.
لو انتصر الأمريكيون لتباهى ترامب بالأمر، غير أن نتيجة هذه الفضيحة الرياضية والسياسية هو، أن الرئيس أمريكي دونالد ترامب أثبت مرة أخرى أن كل ما يلمسه يتحول إلى غبار ورماد. وللتذكير: لقد دعم مرشحا من اليمين المحافظ في الانتخابات الكندية، وكانت النتيجة أن فاز الليبرالي مارك كارني.
ودعا إلى دعم فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية، فإذا بذلك يُعجل بنهاية أوربان سياسيا. كما حضر مرة واحدة فقط إلى ملعب "ماديسون سكوير غاردن" في فترة كان فريق نيويورك نيكس يفوز خلالها مباراة تلو الأخرى، فكانت تلك المباراة الوحيدة التي خسرها الفريق.
والآن حاول استخدام نفوذه السياسي لمساعدة منتخب الولايات المتحدة لكرة القدم، لكن يبدو،على الأقل، أن تدخله قد أوقف المسيرة المتألقة لهذا المنتخب.
وبينما كانت المباراة لا تزال جارية في استراحة ما بين الشوطين في سياتل، غادر ترامب البيت الأبيض متوجهاً إلى تركيا للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وخلال المباراة نشر عبر منصته المعتادة: فيديو عن الناتو، وفيديو عن إنجازات ثيودور روزفلت، الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة، وفيديو عن إنجازات دونالد ترامب، الرئيس الخامس والأربعين والسابع والأربعين للولايات المتحدة، وفيديو عن الطائرات المقاتلة، بالإضافة إلى فيديو عن الطائرة الرئاسية الجديدة (إير فورس وان)، وهي هدية من قطر. غير أنه تجاهل مباراة بلاده في المونديال تماما.
علق وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو على موجة الابتهاج بعد انتصار بلاده قائلاً: "إذا كان اتصال هاتفي واحد هو بالفعل السبب وراء هذا القرار المذهل، فإن ذلك يعد تقويضا لأبسط قواعد كرة القدم والرياضة".
أما نظيره الأمريكي ماركو روبيو فقال بشأن القضية نفسها "ربما يريدون افتعال أزمة دولية". وأضاف أنه ربما يُطرح هذا الأمر للنقاش خلال قمة الناتو عندما يجتمع مع البلجيكيين وبقية المشاركين.
لكن بعد الهزيمة الواضحة التي ُني بها المنتخب الأمريكي، قد تمر قمة الناتو من دون حوادث دبلوماسية تذكر تتعلق بكرة القدم. لا سيما أن الأوروبيين لا يحتاجون إلى شيء أكثر إلحاحاً من استمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا في دفاعها ضد روسيا، وهم بالتأكيد لا يريدون تعريض ذلك للخطر بالدخول في خلاف مع ترامب بسبب بطاقة حمراء.
ومن بين المشاهد غير اللائقة التي شهدها يوم الاثنين في واشنطن، كان أيضا إطراء كبار السياسيين الجمهوريين لرئيسهم على تدخله لدى الفيفا. فقد قال السيناتور الجمهوري تيد كروز لترامب، أمام شهود في البيت الأبيض "باسم جميع الأمريكيين، شكرا لأنك أزلت تلك البطاقة الحمراء السخيفة". ابتسم ترامب، ورفع سبابته اليمنى، وقال "كان ذلك مثيرًا للاهتمام".
وأضاف كروز "لقد كان الأمر مذهلا، وهناك سبب يجعل كأس الفيفا تبقى هنا كل هذا الوقت". وكان السيناتور عن ولاية تكساس يشير على ما يبدو إلى زيارة جياني إنفانتينو ، الذي أحضر معه إلى البيت الأبيض كأس العالم، كما يفعل الأصدقاء فيما بينهم. وربما كان كروز يقصد ببساطة "كأس السلام" الخاصة بالفيفا.
لقد ألحق ترامب، من خلال تدخله السافر ضررا بصورة الولايات المتحدة في الخارج. فقد كانت البلاد قد بدأت للتو في استعادة شيء من سمعتها المتضررة. وشاهد كثير من زوار كأس العالم بأعينهم أن الوجه المرح والمنفتح لأمريكا لا يزال موجودا، حتى في ظل ما يوصف بـ"الترامبية المتقدمة".
لكن منذ حادثة بالوغون، عاد عالم كرة القدم ليجد خصما واضحا يوجه إليه غضبه. ويمكن الافتراض أنه لم يسبق في التاريخ أن شجع هذا العدد الكبير من الناس، في مختلف أنحاء العالم، منتخب بلجيكا كما فعلوا في ذلك اليوم.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW