آخر الأخبار

زيارات الاستفزاز السياسي هي مسرحية انتخابية

شارك

مقال رأي: زيارات الاستفزاز السياسي هي مسرحية انتخابية
/ بقلم: محمد دراوشه

تتكرّر في السنوات الأربعة الأخيرة ظاهرة زيارات بعض الشخصيات اليمينية المتشددة إلى البلدات العربية، مثل تسڤي سوكوت وإيتمار بن غفير، تحت شعار “الاطلاع على أوضاع المجتمع العربي”. لكن هذه الزيارات ليست سوى امتداد لنهج سياسي قائم على الاستفزاز، ومحاولة فرض حضور قسري في فضاء اجتماعي لا يريدهم ولا يثق بهم. خلف هذه الجولات يقف إرث فكري متطرّف، مستلهم من أفكار الحاخام مئير كهانا، المعروف بخطابه العنصري الذي أدانته حتى مؤسسات إسرائيلية والدولية على حدّ سواء.

هذه الشخصيات لا تأتي بدافع المسؤولية، بل بدافع الاستعراض. يستغلّون مناصبهم للحصول على حماية أمنية مكثّفة، ثم يتجوّلون في شوارع البلدات العربية وكأنهم في مهمة “سيادية”، يلتقطون الصور، ويصنعون مشاهد مصطنعة ليقدّموها لجمهورهم كدليل على “فرض النظام”. إنها محاولة لتوسيع قاعدة انتخابية تقوم على إثارة الخوف، وتغذية الوهم بأنهم أبطال يقفون في وجه “الخطر العربي”.

في الحقيقة، ما يبحثون عنه ليس الحوار ولا الفهم، بل ردّة فعل. يريدون أن يُستقبلوا بالغضب، بالصراخ، بالاحتجاجات، لأن ذلك يخدم روايتهم ويمنحهم مادة جاهزة لخطابهم السياسي. كل صرخة تُطلق في وجوههم تتحوّل لاحقاً إلى مقطع فيديو يقدّمونه لجمهورهم كدليل على “شجاعتهم” و”حزمهم”.

لهذا، فإن الردّ الأذكى من المجتمع العربي ليس الانجرار إلى هذه المسرحية، بل إحباطها. استقبالهم ببرود، بلا اهتمام، بلا صدام، هو ما يسحب منهم الضوء الذي يبحثون عنه. التجاهل هنا ليس ضعفاً، بل استراتيجية. فهؤلاء يعتمدون على ردود الفعل أكثر مما يعتمدون على أي مضمون سياسي.

الاحتقار الصامت أقوى من الصراخ. والسخرية الهادئة أكثر تأثيراً من الغضب. يمكن للمجتمع أن يعبّر عن رفضه لهم دون أن يمنحهم الذريعة التي ينتظرونها. النقد السياسي مشروع، والاحتجاج المدني مشروع، لكن الحفاظ على النفس من التورّط في أي فعل قد يُفسَّر كإيذاء هو ضرورة قانونية وأخلاقية.

في النهاية، هذه الزيارات ليست سوى محاولة لفرض حضور غير مرغوب فيه، ولصناعة بطولة زائفة أمام جمهور يبحث عن مشاهد لا عن حقائق. أما المجتمع العربي، فبقدرته على ضبط النفس، وعلى تحويل الاستفزاز إلى فراغ، يستطيع أن يسحب البساط من تحت هذه المسرحيات السياسية، وأن يثبت أن السيادة الحقيقية هي سيادة العقل، لا سيادة الاستعراض.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا