آخر الأخبار

هل أعددتم برنامجا لأولادكم في العطلة الصيفية؟

شارك

هل أعددتم برنامجا لأولادكم في العطلة الصيفية؟

مع بداية الأسبوع القادم تنطلق العطلة الصيفية لطلاب المدارس الابتدائية، بينما بدأت قبل أيام عطلة طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية. ومع كل عطلة صيفية يتكرر المشهد ذاته؛ إذ يبدأ بعض الأهالي بالتذمر من وجود أبنائهم في البيت معظم ساعات النهار، و يحتارون في كيفية ملء أوقاتهم والتعامل مع الطاقة الكبيرة التي يمتلكها الأطفال والشباب.
هذه الحيرة تكشف لنا حقيقة مهمة، وهي أن المدرسة لم تكن مجرد مكان لتلقي الدروس والحصول على العلامات، بل كانت تحمل عبئا كبيرا في تربية الأبناء، وتنظيم وقتهم، وصقل شخصياتهم، واحتضانهم ساعات طويلة كل يوم. ومن هنا، فإن من الواجب علينا أن نقدر عاليا جهود المعلمين وإدارات المدارس، فهم لا يعلمون أبناءنا فحسب، بل يساهمون في تنشئتهم وتحمل مسؤولية تربيتهم خلال العام الدراسي.
لكن العطلة الصيفية تضع العائلات أمام تحدٍّ جديد، خاصة تلك التي لم تُعد برنامجا واضحا يستوعب طاقات الأبناء، ويحول دون وقوعهم في الفراغ والملل. فالفراغ، إذا لم يُملأ بما هو نافع، قد يملؤه ما هو ضار.
وفي زمن الحاسوب والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، ظن كثير من الأهالي أن هذه الوسائل أصبحت الحل الأمثل لإشغال الأطفال، فتحولت الشاشات إلى المربي الصامت، وأصبحت البيوت أسوارا عالية تحاصر الطفولة وتحرمها من الحركة والاكتشاف واللعب والتفاعل مع الطبيعة. وهكذا فقد كثير من أطفالنا روح المبادرة والخيال والإبداع.
وعندما استرجع طفولتي، أجد فرقا كبيرا. كنا نستقبل العطلة الصيفية بفرح، لأنها كانت فرصة لمساعدة أهلنا في الزراعة ورعي المواشي وجمع المحاصيل. لم نكن عبئا على عائلاتنا، بل كنا جزءا من حياتها اليومية. ورغم بساطة الحياة وصعوبتها، عشنا طفولة مليئة بالحرية والمتعة؛ نصنع ألعابنا بأيدينا، ونبتكر سيارات من ألواح الصبر والأسياخ المعدنية، ونصنع طائرات ورقية من العيدان والورق، وننظم رحلات مشي طويلة إلى السهول والكروم والوديان، نستكشف الطبيعة ونتعلم منها. كنا نعيش طفولتنا بعفوية، بعيدا عن هيمنة الشاشات وبرامج الكبار.
ولا شك أن الزمن قد تغير، وأن ما كان مناسبا بالأمس قد لا يكون مناسبا اليوم. فواقعنا الحالي يشهد انتشارا للعنف والجريمة والمخدرات، إلى جانب مخاطر أخرى تقلق كل أب وأم، ولذلك فإن حرص الأهل على أبنائهم مفهوم ومبرر.
لكن، في المقابل، ليس من المنطقي أن يقضي الأطفال والشباب معظم أيام العطلة داخل جدران المنازل خوفا من هذه المخاطر، لأن الفراغ نفسه قد يتحول إلى خطر لا يقل عنها.
ومن هنا تبرز مسؤولية السلطات المحلية، بالتعاون مع وزارة المعارف والمؤسسات التربوية والمراكز الجماهيرية، في إعداد برامج صيفية تربوية وثقافية ورياضية وترفيهية، تمتد خمسة أيام في الأسبوع، على غرار الدوام المدرسي. فهذه البرامج لا توفر التسلية فحسب، بل تحمي أبناءنا من الضياع، ومن رفاق السوء، ومن مخاطر الإدمان، ومن الحوادث المنزلية، وحوادث الطرق، والغرق، والتسكع في الشوارع، والتعرض لأشعة الشمس الحارقة، و لسعات الأفاعي، والحوادث الناتجة عن الاستخدام غير الآمن للدراجات وغيرها.
إن الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع لا يكون في الحجر، بل في الإنسان، وأطفالنا هم رأس مالنا الحقيقي، وهم أجيال المستقبل والعمود الفقري لمجتمعنا. وكل ساعة نقضيها في تعليمهم، وتثقيفهم، وتنمية مواهبهم، وحمايتهم، هي استثمار في مستقبل أكثر أمنا ووعيا وازدهارا.
فلنسأل أنفسنا قبل أن تبدأ العطلة: هل أعددنا برنامجا حقيقيا لأولادنا؟ وهل وفرنا لهم بيئة تنمي عقولهم ومواهبهم، أم أننا سنتركهم أسرى الفراغ والشاشات؟
إن مستقبل أبنائنا لا يُبنى بالصدفة، بل بالتخطيط، والرعاية، والاهتمام. والعطلة الصيفية ليست فترة لإضاعة الوقت، وإنما فرصة ثمينة لبناء الإنسان.
الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا