وتؤكد غدير أن قرارها الانضمام إلى العمل الإنساني لقي دعمًا واسعًا من عائلتها ومحيطها الاجتماعي، رغم التساؤلات التي واجهتها في البداية حول طبيعة العمل والمسؤوليات الكبيرة التي يتطلبها.
وتقول: “أتلقى الكثير من المحبة والتشجيع عندما يراني الناس أرتدي زي نجمة داوود الحمراء. في البداية كان هناك من يسألني لماذا اخترت هذا المجال، خاصة أنه يحمل الكثير من التحديات والمخاطر، لكنني كنت مقتنعة دائمًا بأن مساعدة الآخرين وإنقاذ حياتهم هي رسالة إنسانية سامية تستحق كل هذا الجهد”.
وأضافت أن العمل الإنساني يتجاوز جميع الفروقات الدينية والاجتماعية، مؤكدة أن ما يجمع المسعف بالمريض هو الإنسانية قبل أي شيء آخر.
ومع مرور السنوات، طورت موهبتها بشكل لافت، وشاركت في وفود فنية وموسيقية مثلت من خلالها البلاد في عدة دول حول العالم. وبعد إنهاء المرحلة الثانوية، واصلت مسيرتها الفنية من خلال العمل في وزارة التربية والتعليم، حيث قامت بتعليم العزف على الكمان للأطفال والشبيبة، بمن فيهم أبناء الشبيبة المعرضون للخطر والأطفال على طيف التوحد.
لكن هذا المسار الذي بدا واعدًا تعرض لتحدٍ كبير عندما نصحها الأطباء بالتقليل من العزف بسبب الضغط المستمر على يديها، الأمر الذي وضعها أمام واقع جديد لم تكن مستعدة له.
وتستذكر تلك المرحلة قائلة: “كان الأمر مؤلمًا جدًا بالنسبة لي. شعرت وكأن جزءًا كبيرًا من حياتي ينهار، ولم أكن أعرف إلى أين أتجه بعد ذلك”.
وفي خضم تلك الأزمة، عادت إلى ذاكرتها تجربة شخصية مرت بها في سن السادسة عشرة، عندما تعرضت لحادث احتاجت خلاله إلى المساعدة الطبية العاجلة.
وتروي غدير أن الأشخاص الذين كانوا حولها آنذاك لم يعرفوا كيفية تقديم الإسعاف الأولي أو حتى كيفية التصرف بالشكل الصحيح في حالة الطوارئ.
وقالت: “خلال فترة العلاج أدركت مدى أهمية وجود أشخاص يعرفون كيف يتصرفون في اللحظات الحرجة، وكيف يمكن لقرار صحيح أو إجراء بسيط أن يحدث فرقًا كبيرًا في حياة إنسان”.
التحقت غدير بدورة المسعفين ضمن إطار الخدمة الوطنية في نجمة داوود الحمراء، وهي تجربة تصفها بأنها كانت مليئة بالتحديات والدروس المهمة.
ورغم صعوبة الابتعاد عن المنزل لأول مرة وتحمل مسؤوليات جديدة، إلا أنها تمكنت من التأقلم واكتشاف قدراتها الشخصية والمهنية.
وقالت: “كانت فترة مكثفة وصعبة أحيانًا، لكنها ساعدتني على الاعتماد على نفسي واكتشاف إمكانيات لم أكن أعرف أنها موجودة لدي. كما تعرفت خلالها إلى أشخاص رائعين أصبحوا بمثابة عائلة ثانية بالنسبة لي”.
اليوم، تعمل غدير متطوعة على سيارات العلاج المكثف التابعة لنجمة داوود الحمراء، حيث تشارك في تقديم العلاج الأولي والاستجابة للحالات الطبية الطارئة.
ورغم ابتعادها النسبي عن عالم الموسيقى، فإنها تؤكد أنها لم تتخلَّ عن الكمان بشكل كامل، لكنها وجدت في إنقاذ الأرواح شغفًا جديدًا يمنحها إحساسًا عميقًا بالرضا والمعنى.
وتقول: “أشعر بسعادة كبيرة عندما أتمكن من مساعدة شخص يحتاج إلى الدعم أو العلاج. معرفة أنني كنت موجودة في لحظة حرجة وساهمت في إنقاذ حياة إنسان أو التخفيف من معاناته تمنحني شعورًا لا يوصف”.
وتؤكد غدير أن الدعم الذي تتلقاه من عائلتها يشكل مصدر قوة كبير لها، مشيرة إلى أن أفراد عائلتها يتابعون مسيرتها بفخر واعتزاز.
وأضافت: “أفراد عائلتي، بمن فيهم أعمامي المتدينون، يشعرون بالفخر لما أقوم به. أما والدتي فتقول دائمًا مازحة إن ابنتها المدللة أصبحت تتحمل مسؤوليات كبيرة. وكلما رأتني أرتدي الزي الرسمي أشعر بمدى السعادة التي ترتسم في عينيها”.
وتختتم غدير حديثها بالتأكيد أن أجمل لحظات يومها تكون عند العودة إلى المنزل بعد انتهاء المناوبة، عندما تجلس مع والدتها لتروي لها قصص الأشخاص الذين ساعدتهم خلال اليوم.
وتقول: “والدتي تنتظر دائمًا سماع تلك القصص، أما أنا فأشعر بسعادة حقيقية لأنني كنت موجودة إلى جانب أشخاص احتاجوا للمساعدة في أصعب لحظاتهم، وتمكنت من أن أكون جزءًا من إنقاذهم أو دعمهم. هذا هو الإنجاز الذي أفتخر به كل يوم”.
المصدر:
الصّنارة